أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    25-Jul-2026

اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر تضع العقبة أمام اختبار صعب

 الغد-أحمد الرواشدة

العقبة- على مسافة ليست ببعيدة عن التوترات المشتعلة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، تتردد أصداء المواجهة الجيوسياسية في أروقة وأرصفة موانئ العقبة، المنفذ البحري الوحيد للأردن، لتفرض واقعا لوجستيا واقتصاديا وقانونيا.
 
 
وبحسب ما يؤكد الخبير في النقل البحري وممثل نقابة وكلاء الملاحة الأردنية في العقبة ناجي العلي لـ"الغد"، فقد شهدت أجور الشحن البحري تقلبات دراماتيكية منذ اندلاع الأزمة، لتقفز تكلفة شحن الحاوية من موانئ شرق آسيا، وتحديدا الصين، باتجاه ميناء العقبة بنسب تراوحت بين 50 و150 % مقارنة بالمعدلات الطبيعية السائدة قبل الأزمة، تبعا لفترة الحجز وسياسات الخطوط الملاحية، لترتسم ملامح أزمة تكاليف مركبة يتحمل تبعاتها الاقتصاد الوطني بقطاعاته كافة.
ولتبسيط حجم هذا الارتفاع، يورد العلي مقارنة رقمية دقيقة تظهر كيف تحولت موازنات الشحن إلى مصدر قلق للمستوردين، حيث كانت أجور شحن الحاوية سعة 40 قدما تتراوح سابقا بين 2500 و3500 دولار، لتقفز خلال ذروة الأزمة إلى مستويات قياسية لامست حاجز 7000 و8500 دولار، بل وتجاوزت ذلك في فترات الاختناق القصوى، في حين لم تسلم الحاويات سعة 20 قدما من هذه الموجة التضخمية، لترتفع تكلفتها من متوسط يتراوح بين 1500 و2000 دولار لتصل إلى 5000 و5500 دولار، مترافقة مع تضاعف رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب لعدة مرات بالنسبة للسفن العابرة لمنطقة البحر الأحمر، وهو ما انعكس بصورة فورية ومباشرة على التكلفة النهائية للشحن، علاوة على الارتفاع الحتمي في تكاليف الوقود والتشغيل نتيجة لجوء السفن إلى مسارات بديلة أطول وأكثر استهلاكا للطاقة.
"تضرب عصب الوقت"
ويشير إلى أن التداعيات تجاوزت مسألة التكاليف المالية لتضرب عصب الوقت الذي يمثل رأس مال التاجر والمصنع، مؤكدا تفاصيل الخريطة الزمنية الجديدة لرحلات السفن التجارية.
كما يلفت العلي إلى زيادة قسرية تتراوح بين 10 و20 يوما إضافيا للسفن التي اضطرت إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح هربا من نيران البحر الأحمر وقناة السويس، لتتأثر خدمات ميناء العقبة بأنماط مختلفة من الاضطراب تمثلت في إيقاف بعض الخطوط لرحلاتها المباشرة، وتأثر موانئ تسبق العقبة في خط السير مثل ميناء جدة السعودي باختناقات وازدحامات وتأخر في اصطفاف السفن، انسحب تأثيره تلقائيا على ميناء حاويات العقبة، لتدفع هذه التعقيدات خطوطا أخرى إلى اعتماد موانئ محورية وسيطة لإعادة شحن الحاويات نحو الأردن، مما زاد من زمن وصول البضائع، ورفع احتمالات التأخير في الجداول الملاحية، لتصبح عملية التعاقد مع سفن البضائع السائبة أكثر تعقيدا وكلفة بسبب الصراع الدائر في بوابات الدخول والخروج من مضيق باب المندب.
وفي سياق متصل، وصف نائب رئيس غرفة تجارة العقبة أحمد سالم الكسواني حالة الغليان في أسعار الشحن بعدم الاستقرار والميل الدائم نحو الارتفاع، مسجلا قفزات بلغت 200 و300 % في بعض الفترات، مبينا كيف تحولت كلفة الحاوية التي كانت لا تتجاوز 2500 دولار قبل الأزمة إلى عبء مالي يناهز 8000 دولار في الوقت الراهن نتيجة الأحداث وكثافة الطلب على الحاويات، وسط تحكم واضح من قبل بعض شركات ووسطاء الشحن الذين يستغلون الظرف الدولي لفرض رسوم إضافية ومخاطر تأمين ترفع الكلفة النهائية للمنتج، لتضيق الخناق على هوامش الربح، وتدفع التاجر نحو حافة الخسارة.
ويحذر من ظاهرة مقلقة بدأت تطفو على السطح تتمثل في فقدان الجدوى الاقتصادية لاستيراد بعض البضائع ذات الحجم الكبير والقيمة المنخفضة، والتي لم تعد تتحمل إضافة مصاريف شحن باهظة، لتبدأ ملامح شح تدريجي لبعض المواد في الأسواق المحلية، وهو ما دفعه إلى توجيه نداء وطني إلى إخوانه التجار بضرورة التحلي بالصبر وامتصاص هذه الصدمة، ومواصلة توفير السلع رغم قسوة الظروف، حفاظا على الأمن السلعي للمواطن الأردني، مؤكدا في الوقت ذاته بروز تحد لوجستي خطير يتمثل في تكدس الحاويات الفارغة داخل العقبة نتيجة توقف السفن عن العودة لتحميلها، وغياب وارد الحاويات من دول الخليج عبر مضيق هرمز، ليصف هذا التكدس بالقنبلة الموقوتة التي تتطلب تدخلا جراحيا عاجلا.
ويدعو الكسواني، إلى سرعة استحداث وتهيئة ساحات تخزين جديدة تستوعب هذا الفائض من الحاويات الفارغة وتدير الأزمة بمرونة، في حين دعا دائرة الجمارك العامة إلى تقديم تسهيلات استثنائية وتخفيف الاشتراطات البيروقراطية، خاصة فيما يتعلق بتجارة الترانزيت المتجهة إلى دول الجوار، ومقترحا تشكيل لجنة وطنية عليا لدراسة كافة معوقات الاستيراد والتصدير لاستغلال هذه الحركة الجنونية في الموانئ وتحويلها إلى فرصة تاريخية تعود بالنفع على الاقتصاد الأردني لسنوات قادمة. 
من جهته، يكشف أستاذ القانون البحري الدكتور ياسر أحمد العجلوني، عن تحول خطير يتمثل في صعود التأثير الإعلامي كعامل اقتصادي وقانوني قائم بذاته، حيث تصدر العديد من قرارات شركات الملاحة العالمية استجابة لارتفاع مؤشرات المخاطر التي ترسمها التقارير الأمنية والإعلامية، وما يتبعها من قرارات لشركات التأمين بإعادة تقييم مناطق الحرب ورفع الأقساط، بشكل ينسحب فورا على تكلفة النقل واستقرار سلاسل الإمداد.
تفسير بنود الخطر
وأشار العجلوني إلى أنه لا يوجد مانع في القانون البحري الدولي لاستمرار الملاحة في مناطق التوتر السياسي أو العسكري، بل يعتمد الأمر على معيار دقيق يتمثل في وجود خطر حقيقي ومعقول يهدد سلامة السفينة أو الطاقم أو الحمولة، لتبرز هنا الأهمية القصوى للبنود التعاقدية الحديثة، وفي مقدمتها شرطي المخاطر المعتمدين دوليا لتوزيع المسؤوليات بين مالك السفينة أو مجهزها والمستأجر، حيث تمنح هذه الشروط سلطة قانونية واسعة لمالك السفينة أو ربانها لرفض دخول ميناء غير آمن، أو تغيير خط السير، أو حتى إنهاء عقد النقل متى توافرت أسباب موضوعية تجعل تنفيذ الرحلة محفوفا بمخاطر لا يمكن قبولها تجاريا، لتكمن الإشكالية الحقيقية في مدى اتساع تفسير مفهوم الخطر تحت وطأة الضغط الإعلامي وارتفاع كلف التأمين.
وأضاف أن هذا الواقع يطرح سؤالا جوهريا حول تحول شركات النقل البحري نحو تحفظ مبالغ فيه في تفسير بنود الخطر، لتصبح المخاطر الإعلامية منتجة لآثار قانونية واقتصادية تضاهي المخاطر العسكرية ذاتها، حيث تشير الممارسات العملية إلى انسحاب خطوط ملاحية أو تعديل شروط تغطية تأمينية بمجرد صدور تحذيرات أمنية أو إعلانات عن حصار بحري، حتى قبل وقوع أي اشتباك فعلي، لتصبح وسائل الإعلام جزءا من البيئة القانونية المؤثرة في تنفيذ العقود البحرية، نظرا لتأثيرها المباشر على تقييم المخاطر لدى شركات التأمين وملاك السفن.
وبالنسبة للحالة الأردنية، يشدد الدكتور العجلوني على الخصوصية الإستراتيجية لميناء العقبة كمنفذ بحري وحيد تتأثر به كافة قطاعات الاقتصاد الوطني مع كل اضطراب في البحر الأحمر، ليدعو إلى ضرورة استثمار الإعلام الإيجابي والحفاظ على المكتسبات الوطنية، ومنع الهواة من التدخل في صياغة المشهد العام.
وطالب بتبني إستراتيجية وطنية شاملة لإدارة المخاطر البحرية تؤسس لتعاون وثيق مع الخطوط الملاحية، وتطور منظومة التأمين، وتستثمر بذكاء في الحلول اللوجستية البديلة، مع الحفاظ على التنافسية الإقليمية لميناء العقبة، لتؤكد هذه الأزمة حقيقة فلسفية وقانونية جديدة تتمثل في تجاوز القانون البحري تنظيم حركة السفن إلى تنظيم حركة المخاطر ذاتها، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها ترسم خرائط التجارة، بل تشاركت معها المعلومة، والتحليل الأمني، والتغطية الإعلامية، وتقييمات التأمين، لتصنع جميعها واقعا قانونيا يفرض أحكامه الصارمة على عقود النقل والتحكيم التجاري الدولي، ويضع الأردن أمام حتمية التكيف الإستراتيجي السريع لضمان عبور آمن في بحر متلاطم الأزمات.