الأردن يراهن على الطاقة النظيفة: خطة طموحة لتحويل القطاع في البرنامج التنفيذي 2026-2029*هاشم عقل
الراي
في خطوة وُصفت بـالتاريخية نحو تعزيز أمن الطاقة الوطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد، أطلقت الحكومة مؤخراً البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي (2026-2029)، الذي يضع قطاع الطاقة في صدارة الأولويات الاستراتيجية. يأتي هذا البرنامج كامتداد طبيعي للمرحلة الأولى (2023-2025)، لكنه يتميز بتركيز أكبر على التنفيذ العملي والمشاريع الكبرى التي تهدف إلى تحويل الأردن تدريجياً إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة بحلول عام 2035.
ويتضمن البرنامج في قطاع الطاقة 6 مبادرات رئيسية تندرج تحتها 28-32 أولوية، مع إضافة 24 مشروعاً جديداً، وتركيز واضح على تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، وتوسيع الطاقة المتجددة، وتطوير صناعة الهيدروجين الأخضر كمحرك اقتصادي مستقبلي.
توسع ملحوظ في الطاقة المتجددة:
نحو 50% بحلول 2030، يُعد توسيع الطاقة المتجددة أحد أبرز محاور الخطة. تهدف الحكومة إلى إضافة مشاريع شمسية ورياح باستطاعة إضافية تصل إلى 300 ميغاواط خلال الفترة 2026-2029، كجزء من الهدف الوطني الأكبر برفع مساهمة المصادر النظيفة في مزيج الكهرباء إلى 50% بحلول نهاية العقد.
هذه المشاريع لا تقتصر على توليد الكهرباء فحسب، بل تشمل أيضاً تقنيات التخزين المتقدمة، مثل البطاريات ومحطات ضخ المياه (Pumped Hydro)، لضمان استقرار الشبكة الكهربائية مع الزيادة المتسارعة في الاعتماد على المصادر المتقطعة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تجاوزت فيه نسبة الطاقة المتجددة 29% من الاستهلاك الكلي للكهرباء في 2024، مع توقعات بتجاوز 35% بنهاية 2025.
الهيدروجين الأخضر:
الرهان الأكبر للمستقبل.
يُمثل الهيدروجين الأخضر النجمة الأبرز في سماء الخطة التنفيذية.
أكدت وزارة الطاقة والثروة المعدنية انها تمضي قدماً وبنشاط مميز في تنفيذ نحو 14 مشروعاً في هذا المجال، إلى جانب دراسات شاملة للبنية التحتية المشتركة (مثل خطوط النقل والتخزين).
تشمل الخطط إعداد استراتيجية وطنية كاملة لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته (خاصة الأمونيا الخضراء)، مع شراكات دولية واسعة، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي وشركات عالمية رائدة.
تبدأ المرحلة الأولى بمشاريع تجريبية ودراسات جدوى، ثم تنتقل إلى مراحل تجارية كبرى خلال السنوات القادمة.
يهدف هذا التوجه إلى وضع الأردن كـمورد موثوق في الأسواق العالمية للطاقة النظيفة، مع الاستفادة من وفرة الطاقة الشمسية (316 يوم تشميس) والرياح بسرعة مناسبة وانتاج هيدروجين منخفض التكلفة نسبياً.
إنتاج الغاز:
تعزيز الإنتاج المحلي من الغاز وتطوير البنية التحتية بالتوازي مع التحول الأخضر.
لا تغفل الخطة أهمية الغاز الطبيعي المحلي وتشمل الأولويات: تكثيف الإنتاج في حقل الريشة والحقول المجاورة (السرحان وحمزة)، مع توسعة التنقيب في مناطق شمال الريشة وشرق الصفاوي. كما بدأت الوزارة إجراءات طرح عطاء لنقل الغاز عبر أنبوب يربط الحقل بخط الغاز العربي، بهدف رفع مساهمة الإنتاج المحلي إلى نحو 15% من الاستهلاك الإجمالي بحلول منتصف 2026، وتوسعة التغطية للمدن الصناعية وعمان والزرقاء.
على صعيد البنية التحتية، تركز المبادرات على:
• مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي مع السعودية، العراق، مصر (وتوسعة القدرة مع مصر إلى 1100 ميغاواط)، وسوريا/فلسطين ولبنان مستقبلاً.
• إعادة تأهيل وتوسعة شبكات النقل والتوزيع.
• استكمال تركيب العدادات الذكية (حيث حققت نسبة إنجاز 91.3% من المستهدف لعام 2025).
إصلاحات تنظيمية ومالية لدعم الاستدامة
لضمان نجاح الخطة، تشمل الأولويات مراجعة قانون الكهرباء، تحسين هيكل التعرفة، دعم برامج التدقيق الطاقي، ووضع خطة استدامة مالية لقطاع الكهرباء تقلل الدعم الحكومي تدريجياً وتحسن الكفاءة.
الفوائد الاقتصادية المتوقعة
من المتوقع أن يساهم تنفيذ هذه المشاريع في:
• تقليل فاتورة استيراد الطاقة بشكل ملحوظ (التي تشكل عبئاً كبيراً على الميزانية).
• خلق آلاف فرص العمل في مجالات التركيب، والصيانة، والتصنيع، وصناعة الهيدروجين.
• جذب استثمارات أجنبية كبيرة، خاصة في الطاقة المتجددة والهيدروجين.
• تحسين التنافسية الصناعية عبر توفير طاقة أرخص وأنظف.
• دعم التصدير المستقبلي للكهرباء النظيفة والهيدروجين.
مع ذلك، يؤكد الخبراء أن النجاح يعتمد على عوامل حاسمة: سرعة التنفيذ، الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، الاستقرار الإقليمي، واستمرار الدعم الدولي.
وصف مراقبون البرنامج بأنه “فرصة ذهبية” لإعادة هيكلة قطاع الطاقة الأردني على أسس مستدامة وتنافسية عالمية.
مع بداية عام 2026، يبدو أن الأردن يدخل مرحلة جديدة من التحول الطاقي، حيث يجمع بين الاستفادة من موارده الطبيعية والانفتاح على تقنيات المستقبل.