الغد
أعادني الحديث الذي صدر عن بعض السياسيين الأميركان حول ضرورة خفض الرسوم التي تتقاضاها شركات بطاقات الائتمان، إلى مقال كتبته قبل عامين تطرقت فيه إلى جلسات نظمتها لجنة القضاء بمجلس الشيوخ الأميركي، حول الحاجة إلى إنهاء الاحتكار الثنائي الذي تمارسه شركات البطاقات الأميركية لسوق البطاقات الائتمانية بنسبة 83 % من إجمالي السوق، وذلك لإفساح المجال أمام المنافسة العالمية.
ونظمت هذه الجلسة، على خلفية رسوم وفوائد البطاقات الائتمانية التي تتقاضاها الشركتين بعد تزايد شكاوى المستهلكين والتجار، الذين يشعرون بثقل الكلفة المتراكمة على المعاملات اليومية.
لكن هذه الشكاوى ليست جديدة، فهي امتداد لنقاش طويل حول بنية سوق المدفوعات وكيفية تسعير خدماته، في ظل تحول عالمي واسع نحو الاقتصاد غير النقدي. ومن أبرز جوانب هذا النقاش، ارتفاع رسوم معاملات بطاقات الائتمان التي تفرضها شبكات الدفع وشركات البطاقات على التجار، التي عادة لا تظهر بوضوح للمستهلك، لكنها تُضاف إلى كلفة السلع والخدمات بشكل غير مباشر.
في الولايات المتحدة، تظهر البيانات الحديثة أن متوسط رسوم التبادل (interchange fee)، يتراوح بين 1.97 % في شبكات فيزا، وحوالي 1.79 % في شبكات ماستركارد، بينما يبلغ المتوسط في الاتحاد الأوروبي حوالي 0.30 % فقط. الفارق الكبير بين الأسواق يعكس اختلاف بيئات المنافسة والتنظيم، وما إذا كان هناك سقوف رسمية لرسوم التبادل أم لا.
وعلى صعيد أسعار الفائدة على ديون بطاقات الائتمان، بلغ متوسط السعر السنوي في السوق الأميركية نحو 24.22 % في العام الماضي، في حين تجاوز إجمالي ديون بطاقات الائتمان 1.33 تريليون دولار. هذا المستوى العالي للدين الاستهلاكي يثير قلقاً بشأن احتمال تحول البطاقات من أداة تمويل قصير الأجل، إلى عبء على الأسر، خاصة إذا تراكمت الفوائد والرسوم.
في جلسات لجنة القضاء التي ذكرناها، تمت الإشارة مرات عدة، إلى أن التجار غالباً ما يفتقرون إلى قدرة تفاوضية حقيقية بشأن رسوم المعاملات، وأن التكاليف التي يتحملونها يتم تمريرها في نهاية المطاف إلى المستهلكين، عبر زيادة الأسعار على السلع والخدمات.
في السياق نفسه، جاءت دعوات من بعض السياسيين، من بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا، إلى تحديد سقوف للفوائد على بطاقات الائتمان إلى سقف 10 % لمدة محددة، في محاولة لتخفيف العبء عن الأسر، لكن هذه المقترحات بقيت في إطار الخطاب السياسي، ولم تتحول حتى الآن إلى سياسات تنظيمية مستقرة.
في المقابل، سلك الاتحاد الأوروبي مساراً تنظيمياً مختلفاً، حيث تم وضع سقوف رسمية لرسوم التبادل تصل إلى ما بين 0.2 % – 0.3 % للمعاملات المحلية في نقاط البيع، مع نطاقات أعلى للمدفوعات عبر الإنترنت، في نهج يهدف إلى حماية التجار والمستهلكين، ويعكس اختلافاً واضحاً مقارنة بالأسواق غير المقيدة، مثل السوق الأميركية.
في دول الخليج العربي، اتخذت الجهات التنظيمية نهجا تدريجيا يركز على تعزيز حماية المستهلك المالي ورفع مستوى الشفافية والإفصاح عن جميع الرسوم والتكاليف المرتبطة باستخدام البطاقات، بما يشمل رسوم السحب والتحويلات الأجنبية والتأخير، مع مراقبة ارتفاعات غير مبررة في الرسوم. كما حفزت بعض السلطات المنافسة بين البنوك والجهات المصدرة للبطاقات لتوسيع الخيارات أمام المستهلكين وتقليص الاعتماد على الشبكات العالمية فقط، بما يساهم في خفض التكاليف على المدى المتوسط.
في ضوء التجارب الدولية والأرقام الحديثة، هناك فرص مهمة أمام الجهات التنظيمية الخليجية لتعزيز إطار حماية المستهلك المالي، عبر تحديد سقوف مرحلية لرسوم التبادل تتناسب مع حجم السوق المحلية، وربط تكاليف الرسوم بمعدلات المخاطر الحقيقية، بدلاً من تركها لتحددها الأسواق بشكل غير مضبوط، فضلاً عن دعم تطوير منظومة دفع إقليمية مشتركة، تكون أكثر شفافية وتنافسية وقادرة على المنافسة دولياً، وهو ما دعونا إليه مرارا في مقالات سابقة عدة.
أخيراً، فإن الجدل حول رسوم وفوائد بطاقات الائتمان لم يعد قضية تقنية داخل القطاع المصرفي فحسب، بل أصبح جزءاً من نقاشات أوسع عن العدالة التنافسية، وحماية المستهلك، وكفاءة الأنظمة المالية الرقمية، وهو نقاش يتطلب سياسات متوازنة، تعزز المنافسة من دون الإضرار باستدامة القطاع المالي وقدرته على الابتكار.