الغد-إيمان الفارس
شكل مشروع الناقل الوطني لتحلية البحر الأحمر في العقبة، محور النقاش في ندوة "الأمن المائي في الأردن التحديات والفرص ومستقبل الاستدامة"، وسط إجماع على أنّه يمثل التحول الأهم في مسار إدارة المياه، باعتباره انتقالًا من الاعتماد على مصادر محدودة وعابرة للحدود، إلى منظومة تحلية ونقل أكثر استقرارًا وسيادية، في وقت تتسع فيه الفجوة المائية وتتزايد فيه الضغوط على الموارد الجوفية والشبكات.
وأكد مشاركون في الندوة التي نظمها مركز الدراسات الإستراتيجية التابع للجامعة الأردنية، أهمية المشروع، باعتباره خيارًا إستراتيجيًا لمعالجة العجز المائي، وتعزيز الاعتماد على مصادر مياه سيادية ومستدامة، في ظل تحديات تتعلق بندرة المياه الجوفية، وارتفاع الطلب السكاني واستنزاف الموارد.
وحذروا من مواجهة الأردن فجوة مائية هيكلية، واستنزافًا متزايدًا للمياه الجوفية، وتحديات مرتبطة بالفاقد والاعتداءات على الشبكات، إذ تتراوح نسب الفاقد في بعض التقديرات، ما يفرض أعباء إضافية على منظومة التزويد.
وأشاروا إلى أنّ "الناقل الوطني"، يمثل تحولًا إستراتيجيًا في إدارة المياه، عبر التحول نحو التحلية وتقليل الاعتماد على المصادر المشتركة، مع التأكيد على أنّ المشروع سيوفر 300 مليون م3 مياه، ويعتمد على نظام شراكة مع القطاع الخاص بنظام BOT لضمان الاستمرارية والتشغيل. كما بينوا أنّه سيوفر 4500 فرصة عمل في مرحلة الإنشاء، وسيحرك قطاعات اقتصادية مساندة كالنقل والصناعة وسلاسل الإمداد، ما يعزز الأثر التنموي المباشر على المحافظات.
وأكدوا أنّ إدارة المياه الجوفية تبقى تحديًا رئيسًا، إذ إنّ غير المتجدد منها جزء محدود، بينما تعتمد معظم الأحواض على الأمطار، ما يجعلها عرضة للتذبذب والاستنزاف في ظل الضخ الجائر.
أمن مائي مستدام
الناطق الرسمي باسم وزارة المياه والري عمر سلامة، أكد أنّ "الناقل الوطني" ركيزة أساسية لتحقيق أمن مائي مستدام، لما يوفره من كميات مياه إضافية تعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتدعم القطاعات الحيوية. مبينًا أنّ الأردن يواجه واقعًا مائيًا حرجًا نتيجة محدودية المصادر الداخلية وتداعيات الظروف الجيوسياسية والتغيرات المناخية، لكن الإدارة المائية أثبتت قدرتها على التعامل مع التحديات بكفاءة.
وأوضح سلامة، أنّ التزويد المائي المخصص للشرب، شهد تحسنًا ملحوظًا في العقود الماضية، وارتفع من 237 مليون م3 عام 1999 لـ674 مليون م3 حاليًا، برغم سنوات الجفاف التي مرت بها المملكة. مشيرًا إلى أنّ العام 2013 شهد 26 حالة إغلاق شوارع بسبب نقص المياه، في حين تحسنت الخدمة تدريجيًا منذ ذلك الحين.
وبين أنّ كميات المياه الآمنة المتاحة للاستخدامات تبلغ 1.114 مليار م3، مقابل عجز يتراوح بين 410 و412 مليون م3، ما ينعكس على القطاعات كافة، خصوصًا الاستثمار والصناعة والزراعة، بحيث يشكل توافر المياه شرطًا أساسيًا لتنفيذ المشاريع التنموية.
وأشار سلامة، إلى أنّ 11 حوضًا مائيًا من أصل 12 في المملكة تعاني الاستنزاف، ما يضعها في دائرة الخطر من حيث التدهور والتملح والتلوث، مؤكدًا استمرار إيصال المياه للمواطنين بانتظام أسبوعي، وبمواصفات عالية الجودة.
وأوضح بأنّ تكلفة إنتاج المتر المكعب على خزينة الدولة، انخفضت من 2.60 دينار قبل 10 سنوات إلى 1.87 فـ1.90 دينار حاليًا، وهي مرتفعة لا تنعكس بالكامل على تعرفة المياه للمواطن، إذ لا تتجاوز فاتورة المياه 1 % من دخل المواطن، وفق تقديرات رسمية.
ولفت سلامة، إلى أنّ الأردن يعد من الدول المتقدمة في الحصاد المائي، إذ يتم استغلال نحو 80 % من كميات المياه الممكن حصدها. مضيفًا أنّ المملكة تضم 16 سدًا رئيسًا بسعة تخزينية تبلغ 364 مليون م3، و650 حفيرة وسدًا ترابيًا، تستوعب 150 مليون م3.
وأوضح بأنّ استهلاك القطاع الزراعي انخفض بما يتراوح بين 615 إلى 620 مليون م3، إلى 495 مليون م3، برغم تضاعف الإنتاج الزراعي والصادرات، ما يعكس تحسنًا في كفاءة استخدام المياه.
وأكد سلامة أنّ الجهود الحكومية أسفرت عن خفض الفاقد المائي 10 % العامين الماضيين، ما وفر نحو 50 مليون م3، مشيرًا إلى استمرار حملات ضبط الاعتداءات على مصادر المياه، إذ وصلت نسبة الفاقد حاليًا لـ42.3 %.
وحول "الناقل الوطني"، أوضح أنّه سيوفر 300 مليون م3 مياه محلاة، و200 مليون م3 مياه معالجة، سيعاد توجيهها للقطاع الزراعي، ما يرفع إجمالي الإضافة للموازنة المائية لـ500 مليون م3. مبينًا أنّ هناك مشاريع قائمة بقيمة 850 مليون دينار لتجهيز البنية التحتية، لاستقبال مياه "الناقل الوطني"، تشمل محطات وخطوط نقل وشبكات صرف صحي. مشيرًا إلى نمو الطلب على المياه مع إضافة 40 ألف مشترك جديد سنويًا، بما يعادل إنشاء مدينة جديدة تحتاج لخدمات مياه كل عام.
وكشف سلامة عن تقدم في التنسيق مع سورية بشأن الأحواض المائية المشتركة، خصوصًا حوض اليرموك، بحيث تراجع التدفق من 300 م3 ثانية العام 1987 إلى أقل من ربع م3 حاليًا. مشددًا على أنّ الأمن المائي لم يعد قضية خدمية فقط، بل يمثل ركيزة للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مؤكدًا أنّ "الناقل الوطني" سيسهم بتعزيز الاستقلالية الوطنية ودعم البيئة الاستثمارية.
نمو الطلب على المياه
وأشار الرئيس التنفيذي لشركة مياه الأردن - مياهنا محمد الخرابشة، إلى التوسع في قاعدة المشتركين بخدمات المياه، موضحًا بأنّ عددهم يشهد زيادة سنوية ملحوظة، تعكس نمو الطلب على المياه، إذ ينضم نحو 40 ألف مشترك جديد كل عام، ما يعادل إضافة مدينة جديدة سنويًا، تتطلب توفير بنية تحتية وخدمات مائية متكاملة، وهذا يفرض ضغوطًا إضافية على القطاع، ويستدعي مواصلة التوسع بالمشاريع وتحسين كفاءة التزويد.
وشدد الخرابشة، على أنّ المشروع يمثل رؤية إستراتيجية كبرى للقطاع، مشددًا على ضرورة التفكير مبكرًا في مشاريع مستقبلية، تواكب تشغيله وتعزز استدامة التزويد المائي. مضيفًا أنّ قطاع تشغيل المياه يواجه تحديات فنية مرتبطة بطبيعة التزويد المتقطع، بحيث تضخ المياه للمواطنين مرة واحدة أسبوعيًا ولساعات محدودة، ما يحد من القدرة على تطبيق تقنيات حديثة كإدارة الضغوط داخل الشبكات، والتي تسهم عادة بتقليل الكسور وخفض الفاقد.
وأضاف الخرابشة، أنّ أنظمة التحكم والمراقبة مثل "سكادا"، مطبقة في الأردن، لكن الاستفادة الكاملة من التكنولوجيا المتقدمة محدودة، في ظل غياب التزويد المستمر، لافتًا إلى أنّ "الناقل الوطني" سيمكن من توسيع استخدام هذه التقنيات، وتحسين كفاءة إدارة الشبكات.
واستعرض تجربة مشروع الديسي، إذ ارتفعت نسب الفاقد في السنوات الأولى من تشغيله، نتيجة ظهور كسور غير مرئية في الشبكات، وهي كسور تحت الأرض لا يمكن اكتشافها إلا بزيادة كميات الضخ واستمرارية التزويد. موضحًا بأنّ هذه التجربة تفرض الحاجة لتعزيز كفاءة أعمال الصيانة والتشغيل، وتطوير إدارة الضغوط في الشبكات، لضبط الفاقد وتحسين الأداء، بخاصة مع دخول كميات مياه إضافية مستقبلًا.
وأكد الخرابشة أهمية إشراك القطاع الخاص بمشاريع المياه، مشيرًا لوجود تجارب ناجحة في هذا المجال، شملت تشغيل وصيانة الشبكات وقراءة العدادات، ما أسهم بتحسين الكفاءة وتبادل الخبرات ودعم الشركات المحلية. مشددًا على أنّ توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، عامل أساس بتطوير القطاع ورفع كفاءته.
منظومة تحلية ونقل سيادية
وحذر مدير مركز عبر المتوسطة للدراسات الإستراتيجية د. عبد الله الزعبي، من كلفة عدم المضي قدمًا بـ"الناقل الوطني"، مؤكدًا أنّ أهميته لا تقاس بكلفته فقط، بل بكلفة عدم تنفيذه، بخاصة في جانب تداعيات استمرار العجز المائي على الاستثمار والاستقرار الاجتماعي. مضيفًا أنّ للمشروع بعدًا جيوسياسيًا مهمًا، بحيث يسهم بنقل الأردن من موقع الاعتماد إلى موقع أكثر استقلالية عبر بناء منظومة تحلية ونقل سيادية، ما يعزز القدرة التفاوضية ويقلل الضغوط المرتبطة بالمياه المشتركة.
وأشار الزعبي، إلى أنّ المشروع ليس كافيًا بمفرده، إذ يواجه تحديات تتعلق بالكلفة والطاقة والتنفيذ، مؤكدًا أنّ نجاحه يتطلب سياسات مرافقة، تشمل خفض الفاقد الذي يتجاوز في بعض التقديرات 40 %، وتحسين كفاءة الاستخدام، وتبني تسعير عادل للمياه.
بدورها، أكدت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه ميسون الزعبي، أنّ "الناقل الوطني" جاء نتيجة مسار طويل من العمل السياسي والتخطيط الإقليمي، بدأ منذ توقيع اتفاقية وادي عربة مع الكيان المحتل، بحيث طرحت في البداية مشاريع تعاون ثلاثي بين الأردن وفلسطين والكيان، قبل أن يتجه الجانب الفلسطيني إلى مسار منفصل، ما قاد لتطوير أفكار لمشاريع اقتصادية تخدم المنطقة، بخاصة وادي عربة، وكان العائق الرئيس فيها نقص المياه.
وقالت الزعبي، إنّ من أبرز هذه الطروحات مشروع البحر الميت - البحر الأحمر، الذي شكل أساس التفكير في الحلول المائية الإقليمية، مع التأكيد على استمرار الحاجة مستقبلًا لمعالجة أوضاع البحر الميت ونهر الأردن بيئيًا، مشيرة إلى أنّه مر بمراحل متعددة، من بينها ترتيبات تبادل المياه في العقبة، قبل أن يتجه الأردن للخيار الوطني، مدفوعًا بالحاجة للمياه وتعزيز السيادة على موارده، خصوصًا في ظل تعقيدات مشاريع تبادل الطاقة والمياه التي كانت تقوم على نظام ائتماني.
وأكدت أنّ أولوية الأردن في سياساته المائية، تتركز على تأمين مياه الشرب، في ظل محدودية الموارد وارتفاع كلفة المشاريع، مشيرة إلى أنّ اللجوء للتمويل والاقتراض، يجعل بعض القرارات مرتبطة أيضًا بشروط الجهات المانحة. مبينة أنّ "الناقل الوطني"، برغم كلفته المرتفعة، بخاصة ضمن نظام الشراكة مع القطاع الخاص، ضرورة لتحقيق الأمن المائي، لافتة إلى أنّ الحكومة وجهت المنح والمساعدات لدعم المشروع، وتخفيف كلفته، وليس لتحقيق مكاسب مالية.
ولفتت إلى أنّ إدارة المياه في الأردن تقوم على نهج متكامل يشمل إدارة العرض والطلب، في ظل ضغوط متزايدة ناجمة عن النمو السكاني الذي تجاوز التوقعات، حيث كانت الخطط تستهدف 8 ملايين نسمة بحلول العام 2030، لكن هذا الرقم تحقق في العام 2011. مضيفة أنّ مشروع الديسي، الذي كان يفترض أن يغطي 20 % من الاحتياجات المائية، لم يعد كافيًا بسبب الزيادة السكانية، ما عزز الحاجة إلى مشاريع جديدة.
وبشأن التعرفة، أوضحت بأنّ أسعار المياه لم تشهد سوى زيادتين خلال 30 عامًا، وأنّ الحكومة تعتمد على دعم القطاع وتحسين كفاءته قبل اللجوء لأي تعديل.
تبني مقاربات إقليمية
من جانبه، أكد مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية د. حسن المومني، أنّ معالجة التحديات المائية في الأردن، تتطلب تبني مقاربات إقليمية، لافتًا إلى أنّه من أنصار التوجهات التي تقوم على البحث عن مخارج عبر التعاون الإقليمي، باعتباره خيارًا واقعيًا في مواجهة محدودية الموارد الوطنية.
وأوضح المومني، بأنّ هذا التوجه ليس جديدًا، بل يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، مستذكرًا مسارات عملية السلام التي تضمنت مفاوضات متعددة الأطراف، من بينها لجنة المياه التي ناقشت قضايا إدارة الموارد المائية على مستوى إقليمي. مشيرًا إلى أنّ تلك المسارات نجحت بإدارة ملفات المياه ضمن أطر تعاونية، ما يعزز أهمية إعادة تفعيل نهج العمل الإقليمي، لإيجاد حلول مستدامة، بخاصة في ظل تعاظم التحديات الحالية.
وبين المومني أنّ المرحلة الراهنة تتطلب البحث عن مسارات جديدة ومقاربات عملية، تنسجم مع الطروحات والنقاشات القائمة، بما يسهم في معالجة إشكالية المياه في الأردن ضمن إطار أوسع يتجاوز الحدود الوطنية.
أستاذ علوم المياه د. إلياس سلامة، أكد أنّ قطاع المياه في الأردن يحتاج لمزيد من المشاريع والدعم، باعتباره جزءًا من الأمن الوطني، في ظل شح المصادر وارتفاع الطلب. مشيرًا إلى أنّ الأردن يطور البنية التحتية للمياه وينشئ محطات ومختبرات حديثة، ويعزز التشريعات لحماية المصادر المشتركة وإدارتها بشكل مستدام.
وأضاف أنّ التوجه الحالي يركز على مشاريع التحلية والتعاون الإقليمي لمواجهة التحديات المائية، مع أهمية توظيف التكنولوجيا لضمان استدامة التزويد المائي. بينما استعرض المدير الفني للمشروع أحمد الصمادي، أبرز المحاور الفنية للمشروع، مشيرًا إلى أنّ مساهمة الطاقة المتجددة من احتياج المشروع يصل حجمها لـ30 %.