أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    31-Oct-2026

إصلاحات العمل في الأردن.. برامج تتوسع وفجوات تنتظر المعالجة

 الغد-محمود الطراونة

 تراجع محدود في البطالة، وتوسع ببرامج التشغيل والتدريب، لكن استدامة الوظائف وفاعلية الرقابة وجودة الخدمات تظل رهن الاختبار لنجاح الإصلاح.
فلا يقاس نجاح إصلاحات سوق العمل بعدد البرامج التي تطلقها الحكومة، أو عقود التشغيل التي تدعمها، أو الدورات التدريبية التي تنفذها، بل بقدرتها على توفير وظائف مستقرة، وتحسين الأجور وظروف العمل، وتوسيع الفرص أمام الشباب والنساء. 
 
 
فالمعيار الحقيقي هو مقدار التغيير الذي يشعر به العامل والباحث عن عمل، وليس حجم البرامج الحكومية وحدها.
وهنا، يحتاج أداء وزارة العمل إلى تقييم يتجاوز عرض المبادرات والإنجازات، للتأكد من مدى قدرتها على معالجة مشكلات السوق، والفجوات التي ما تزال تحد من أثر برامجها على العاطلين عن العمل. 
فالتوسع في التشغيل والتدريب لا يعني تراجع أسباب البطالة، ما لم تتحقق وظائف مستدامة، وبرامج وخدمات أكثر حضورا، ورقابة تضمن حقوق العاملين.
وتشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة بين الأردنيين بلغ 21 % في الربع الثاني من عام 2026، مقابل 21.3 % في الفترة نفسها من العام السابق، إذ انه رغم التراجع، فإن استمرار المعدل عند هذا المستوى يؤكد حجم التحديات التي يواجهها، ما يطرح العديد من التساؤلات حول مدى قدرة البرامج الحكومية على إحداث تغيير أوسع في سوق العمل.
ولا تتحمل وزارة العمل وحدها مسؤولية البطالة، التي ترتبط أيضًا بالنمو الاقتصادي والاستثمار وطبيعة الوظائف التي يوفرها القطاع الخاص، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤولية تحسين برامج التشغيل والتدريب، وتطوير خدماتها، وتعزيز الرقابة، وقياس النتائج الفعلية.
هل تتحول العقود إلى وظائف مستدامة؟
ويمثل البرنامج الوطني للتشغيل إحدى أبرز أدوات الوزارة لمساعدة الشباب الأردني على دخول سوق العمل في القطاع الخاص، عبر دعم جزء من أجور العاملين وتحفيز المنشآت على التوظيف.
وبحسب بيانات الوزارة المنشورة في تشرين الأول "أكتوبر" 2026، بلغ عدد عقود العمل المدعومة منذ إطلاق البرنامج 61,580 عقدًا، منها 31,565 عقدًا للإناث، فيما وصل عدد المنشآت المسجلة إلى 3,766 منشأة.
فهذه الأرقام أيضا تعكس اتساع نطاق البرنامج، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أثره في معالجة البطالة، فعدد العقود لا يوضح عدد الأشخاص الذين حصلوا على وظائف جديدة، ولا يكشف عن عدد الوظائف التي كانت ستنشأ دون الدعم الحكومي.
كما أن نجاح البرنامج لا يتوقف عند تعيين العامل، بل يرتبط بقدرته على الاستمرار في وظيفته بعد انتهاء الدعم، وبمستوى أجره، ومدى تمتعه بالضمان الاجتماعي، وفرص تطوره المهني.
وكانت الوزارة أعلنت في كانون الثاني "يناير" 2026 أن نحو 75% من المستفيدين استمروا في العمل بعد انتهاء فترة دعم الأجور، استنادًا إلى بيانات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وهذا أمر إيجابي ولكن هذه النتائج تحتاج إلى تفاصيل توضح مدة الاستمرار، وتوزيع المستفيدين بحسب القطاعات والجنس والمحافظات، وأسباب مغادرة بقية العاملين لوظائفهم.
وتبرز هنا فجوة أساسية في التقييم لدى الحكومة ممثلة بوزارة العمل إذ أننا نحتاج إلى معرفة كلفة الوظيفة المستدامة، وما إذا كان الدعم قد أوجد فرص عمل إضافية فعلًا، أم ساهم في تمويل توظيف كان سيحدث في الأصل، فالدعم  قد يكون أكثر جدوى عندما يساعد المنشآت على التوسع ويؤدي إلى وظائف تستمر بعد انتهاء الدعم الحكومي.
التدريب والتشغيل.. أعداد المستفيدين لا تكفي
وعموما هنا يظهر جانب آخر من التحدي في العلاقة بين التدريب وفرص العمل، فنجاح برامج التدريب لا يقاس بعدد الملتحقين بها أو الشهادات التي تمنحها، بل بمدى اكتساب المتدربين مهارات يحتاجها السوق، وقدرتهم على الحصول على وظائف مناسبة والاستمرار فيها.
فـ "العمل" أعلنت في تشرين الأول"أكتوبر" 2026 أن أكثر من 53 ألف موظف تلقوا تدريبًا على المهارات الوظيفية ضمن البرنامج الوطني للتشغيل، فيما تلقى أكثر من 11.5 ألف موظف تدريبًا على مهارات العمل والسلامة والصحة المهنية.
لكن هذه الأرقام لا توضح وحدها أثر التدريب في فرص التشغيل أو جودة العمل، فالمطلوب معرفة نسبة المتدربين الذين حصلوا على وظائف مناسبة، ومدى استمرارهم فيها، وما إذا كانت مهاراتهم وأجورهم قد تحسنت نتيجة التدريب.
كما أن التدريب لا يحل مشكلة البطالة إذا لم تتوافر وظائف تحتاج إلى المهارات التي يجري تعليمها، لذلك، ينبغي ربط البرامج التدريبية باحتياجات المنشآت الفعلية، وإشراك أصحاب العمل في تحديد المهارات المطلوبة، ومراجعة البرامج التي لا تحقق نتائج واضحة في التشغيل.
فجوة بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل
ولا تقتصر مسؤولية وزارة العمل على إطلاق البرامج، بل تشمل مساعدة الباحثين عن عمل في الوصول إلى الفرص المناسبة، وتوجيههم مهنيًا، وربطهم بالمنشآت التي تحتاج إلى موظفين.
وهنا تبرز الحاجة إلى رفع كفاءة الإرشاد المهني وتحسين أداء مديريات وأقسام التشغيل، وتعزيز التنسيق مع أصحاب العمل، فضعف التواصل بين هذه الجهات يقلل فرص حصول الباحث عن عمل مع الوظيفة المناسبة، حتى عندما تتوافر فرص لا تصل إلى الأشخاص المؤهلين لها.
والمطلوب من وزارة العمل أن تتحول مديريات التشغيل من جهات تستقبل طلبات التوظيف إلى جهات تتابع احتياجات المنشآت، وتوجه الباحثين نحو المهن المطلوبة، وتقيس نتائج الترشيح والتعيين، وان تراعي  اختلاف احتياجات المحافظات، وتطوير خدمات تتناسب مع طبيعة النشاط الاقتصادي والفرص المتاحة في كل منطقة. ولا يكفي تطوير المنصات الإلكترونية وقواعد البيانات إذا لم تتحسن جودة الخدمة، وقدرة الموظفين على التوجيه الإرشاد للباحثين عن عمل، ومتابعة نتائج التوظيف.
الرقابة العمالية.. من تسجيل المخالفات إلى ضمان الحقوق
كما تمثل حماية حقوق العاملين اختبارًا آخر للوزارة، فوجود التشريعات لا يضمن تطبيقها ما لم يتمكن العامل من الحصول على أجره وحقوقه، وان تكون الرقابة قادرة على معالجة المخالفات ومنع تكرارها.
وبحسب بيانات حكومية نفذت الوزارة 15.866 زيارة تفتيشية خلال النصف الأول من العام، وأسفرت عن توجيه 5.727 إنذارًا وتسجيل 2,766 مخالفة، كما تلقت مكاتب التفتيش لدى الوزارة 5,268 شكوى عمالية، إضافة إلى 1.864 شكوى عبر منصة "حماية".
وتصدرت شكاوى الأجور غير المدفوعة قائمة الشكاوى، بواقع 2.241 شكوى،  فيما أشارت المعلومات إلى تسوية 1.457 حالة، وبقاء 1.140 شكوى قيد المراجعة.
هذه الأرقام  توضح حجم العمل الرقابي، لكنها تكشف أيضًا استمرار مشكلات تتعلق بحقوق العاملين، ولا يعني وجود الشكاوى وحده أن الوزارة أخفقت في التعامل معها، لكنه يجعل التصريح بنتائج المعالجة الحكومية ومددها أمرًا ضروريًا لتقييم فاعلية الرقابة في سوق العمل.
فعدد الزيارات التفتيشية ليس معيارًا كافيًا للنجاح؛  ولكن الأهم هو سرعة استرداد الأجور المستحقة، وتصويب المخالفات، ومنع تكرارها، وضمان تسجيل العاملين في الضمان الاجتماعي.
إضافة لتعزيز التفتيش الوقائي وتوجيهه نحو القطاعات والمنشآت الأكثر عرضة للمخالفات، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوعها.
تشغيل النساء.. معالجة العوائق
وتحتاج برامج تشغيل النساء لمعالجة العوامل التي تحد من دخولهن سوق العمل واستمرارهن فيه، وفي مقدمتها كلفة النقل، وتوافر الحضانات، ومرونة ساعات العمل، وظروف بيئة العمل.
فزيادة عدد النساء المستفيدات من برامج التشغيل خطوة مهمة، لكنها لا تضمن استمرارهن في وظائفهن إذا بقيت هذه العوائق دون معالجة. ولذلك، يتوجب أن يشمل تقييم البرامج معدلات الاستمرار في العمل، ومستويات الأجور، وتوزيع الفرص بين المحافظات، ومدى توافر بيئة عمل مناسبة.
كما يتطلب توسيع مشاركة المرأة تنسيقًا بين وزارة العمل والجهات الحكومية الأخرى المعنية بالنقل والحضانات والحماية الاجتماعية؛ فالمشكلة لا تستطيع جهة واحدة حلها، بل تحتاج إلى سياسات متكاملة تجعل العمل خيارًا ممكنًا.
إصلاح يتجاوز برامج الوزارة
وعلى أهمية برامج التشغيل والتدريب، فإنها لا تستطيع وحدها معالجة أسباب البطالة ما لم يتوسع الاقتصاد في أنشطة قادرة على توفير وظائف جديدة، وبالتالي لا بد من ربط سياسات العمل بالاستثمار والتعليم والتنمية المحلية، وتوجيه الحوافز نحو المشروعات التي توفر فرصًا مستقرة وتزيد الإنتاجية.
كما تحتاج البرامج الحكومية إلى تقييم دوري مستقل يوضح كلفتها، وعدد الوظائف الإضافية التي حققتها، ومدى استمرارها بعد انتهاء الدعم، كما يتوجب تحديد البرامج الأكثر فاعلية، وتصحيح أوجه القصور، وتوجيه الإنفاق العام إلى المجالات التي تحقق أثرًا ملموسًا.
وفي المحصلة، فقد أحرزت وزارة العمل تقدمًا في توسيع برامج التشغيل والتدريب وتطوير أدوات المتابعة، لكن استمرار البطالة والحاجة إلى تحسين خدمات التشغيل، إلى جانب الشكاوى المتعلقة بالأجور والحقوق العمالية، تؤكد أن النتائج ما تزال بحاجة إلى تقييم واقعي دقيق وعميق.
فالتحدي الحكومي ليس في زيادة عدد البرامج، بل في رفع كفاءتها وربطها بوظائف مستقرة وأجور مناسبة وحقوق مصانة، كما أن نجاح إصلاحات العمل لا يُقاس بعدد العقود المدعومة أو المتدربين، بل بقدرة هذه الجهود على تغيير واقع العامل والباحث عن عمل، وتعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على توفير فرص عمل منتجة ودائمة.