أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    23-Aug-2026

الزيارات الملكية نافذة على تجارب الدول*د.ابراهيم بدران

 الغد

كانت الزيارة الأولى لجلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في عام 2002 وكان متوسط نصيب الفرد الصيني من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك 1163 دولارا فقط، مقابل نصيب الفرد في بلدنا العزيز 3500 دولار. واليوم في زيارة جلالته الثالثة وصل نصيب الفرد الصيني 13862 دولارا أي تضاعف الدخل 12 ضعفا في 23 سنة بينما هو لدينا اليوم 5400 دولار. وفي عام 2005 زار جلالته سنغافورة للمشاركة في اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي الآسيوي، وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هناك 30 ألف دولار، وبعد عدة زيارات كان آخرها في عام 2025 حيث التقى جلالته رئيس وزراء سنغافورة لورنس وونغ لبحث فرص الشراكات الثنائية، وهنا تدل الأرقام على ارتفاع نصيب الفرد هناك ليصل إلى 99 ألف دولار أي تضاعف أكثر من 3 مرات خلال 20 سنة. وفي عام 2004 زار جلالته وجلالة الملكة إيرلندا وكان دخل الفرد هناك 47750 دولارا واليوم وصل إلى 140 ألف دولار.  
 
 
وقد تناول الكثير من الكتّاب والمحللين أهمية الزيارة الملكية الحالية إلى الصين، تلك البلد التي غدت مصنع العالم وثاني أكبر اقتصاد في العالم والمنافس الأول للولايات المتحدة والتي حققت اختراقات كبيرة في الصناعات التكنولوجية بما فيها الرقميات والذكاء الاصطناعي والروبوتات والسيارات الكهربائية وغيرها. وكان التأكيد لدى الكتّاب على أهمية الشراكة الصينية الأردنية وإمكانية المصانع الصينية لتعمل في الأردن، وكون الأردن بموقعه الإستراتيجي المتميز يصلح أن يكون قاعدة لتصدير المنتجات الصينية إلى مختلف دول العالم، وغير ذلك الكثير من التحليلات السياسية والاقتصادية في هذا الاتجاه. وهذا جانب مهم تماما ولكنه لا يعطي الصورة الكاملة.
وهنا من المفيد الإشارة إلى النقاط التالية: 
أولاً: غابت تحليلات أهل العلم والفكر للإجابة على السؤال الحضاري التاريخي الكبير: كيف استطاعت الصين بأعداد سكانها 1400 مليون نسمة أن تحقق هذه النقلة الهائلة في الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والتصنيع والفنون وبهذه السرعة؟ وكذلك كيف استطاعت سنغافورة بأعداد سكانها فقط 6 ملايين نسمة أن تحقق النقلة الضخمة حتى أصبحت الدولة الرابعة عالميا في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي دون أن يكون لديها ثروات طبيعية؟ وكيف استطاعت إيرلندا أن تتقدم على معظم دول العالم؟ 
ثانياً: إننا بحاجة لينظر الأكاديميون في النهضة العلمية التي حققتها البلدان الناهضة بقوة مثل الصين وسنغافورة وإيرلندا وغيرها للتعرف المعمّق على العوامل والسياسات والإدارات وراء كل ذلك، وما هي المحركات لتصبح تلك الدول في مقدمة دول العالم في البحث العلمي والإبداع والاختراع.
 ثالثاً: من الضروري أن نستوعب إدارياً وأكاديمياً وسياسياً كيف استطاع البحث العلمي التطبيقي في الصين وغيرها أن يقدم حلولاً إبداعية في جميع القطاعات، حتى أصبحت الصين مرجعاً في كثير من القضايا الصناعية والزراعية والتكنولوجية. وكيف استطاعت سنغافورة أن تحل مشكلة المياه لديها وهي فقيرة بذلك تماماً، وكيف استطاعت الصين أن تزرع الصحراء وتحولها إلى غابات. ما هي التكنولوجيات وكيف يمكن لنا الاستفادة من تلك الإنجازات؟
رابعاً: ومن جانب إداري واستثماري من المفيد أن نتفهم كيف تحول الشعب الصيني والسنغافوري والإيرلندي وغيرهم إلى شعوب جاذبة للاستثمار ومبدعة في التكنولوجيا وكذلك في الثقافة والفنون والرياضة. ما هي السياسات التي اتبعتها كل منها مع ملاحظة تفاوت الحجوم والإمكانات لتصل إلى مستوى يصبح فيه المواطن هناك مرشحاً لأن يكون مخترعاً أو فناناً أو مبدعاً أو صاحب مشروع سرعان ما يكبر ليصبح شركة كبيرة.
 خامساً: في زيارة جلالته الأولى إلى الصين عام 2002 كانت البطالة هناك 13.5 % واليوم انخفضت إلى أقل من 5 %. نحن بحاجة إلى إلقاء الضوء على الموضوع بسبب ارتفاع معدل البطالة لدينا 21.3 %. ماذا فعلت الحكومة الصينية ووزارات العمل والإدارة وماذا فعلت الجامعات هناك لكي تخرّج طلبة يمكن أن ينخرطوا في سوق الإنتاج مباشرة، إما رياديين لهم مشاريعهم أو يدخلوا شواغر في سوق الإنتاج والعمل.
سادساً: ما هي السياسات والبرامج التي اتبعتها تلك الدول للمحافظة على ثروتها البشرية من العقول والمهارات كي لا تهاجر، حتى أصبحت سنغافورة الأولى في العالم في مؤشر المواهب الوطنية من حيث القدرة في المحافظة عليها واجتذابها وتطويرها، تليها سويسرا ثم الدنمارك. أما الصين فتحتل المرتبة 53 عالمياً في حين نحن نحتل المرتبة 74 حيث دليل المواهب الوطنية لدينا 42 %. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن المواهب الوطنية هي العمود الفقري للنهوض والتميز والإبداع وجذب الاستثمار.
سابعاً: تحتل الصين المرتبة الأولى عالمياً في أعداد براءات الاختراعات بمعدل 3 براءات اختراع لكل 1000 من السكان. كيف تحقق هذا الأمر وهل للتعليم والتدريب والثقافة دور في ذلك؟ هل ساهم المفكرون والمثقفون والأكاديميون في تحفيز كوامن الاختراع؟ فبراءات الاختراع لدينا معدلها 1.3 براءة لكل مليون من السكان، علماً بأن لدينا طلبة متميزون ومؤسسات تعليمية متميزة.
ثامنا: تحتل سنغافورة المرتبة الخامسة عالميا في الإبداع وتسبقها كوريا وسويسرا والسويد، في حين تحتل الصين المركز العاشر عالمياً ونحن نحتل المرتبة 65. وهنا لا بد للمراكز البحثية وللجامعات الأردنية ولدوائر الدولة أن تدرس سرّ تقدم سنغافورة والصين اليوم في حين كانت الصين قبل 30 سنة في آخر القائمة؟ هناك عوامل كثيرة في هذا الشأن في مقدمتها البحث العلمي والتعليم والاستثمار في الأعمال والإنتاجية العالية، وبالتالي كيف يمكن للبحث العلمي لدينا وللتعليم أن يكونا محركين رئيسيين للإبداع. هذا ما علينا متابعته ودراسته وليس النظر إلى الزيارة من منظور سياسي أو تجاري فقط مع التقدير لأهمية هذين الجانبين.
وأخيراً فإن الزيارات الملكية للدول ذات قيمة عالية تماماً، إن جلالة الملك في زياراته يفتح الأبواب والنوافذ ويمهد الطريق ولكن من عليه الدخول بالتفاصيل هي القطاعات ذات العلاقة سواء كانت أهلية أو رسمية أو أكاديمية أو إدارية. ولتكتمل فوائد الزيارات من منظور حضاري وتاريخي على مؤسساتنا ذات العلاقة وخاصة الفكرية والعلمية ومراكز البحث أن تتعمق في الجانب المخفي من الزيارات ألا وهو الاستفادة والتعلم من تجارب الدول الناجحة وتطوير تلك التجارب لتصبح قابلة للتطبيق في بلدنا. وفي أدبيات الأعمال أن رجل أعمال أرسل ولديه ليعملا مع بعض الأغنياء الناجحين، وحين سأل الأول بعد عودته ماذا فعلت؟ قال عقدت شراكة بيني وبين رجل الأعمال، وقال الثاني تعلمت منه كيف أصبح ناجحاً وغنياً. فقال والده: هذا ما كنت أبحث عنه! يقول الصينيون لا تعطني سمكة بل علمني كيف اصطاد.