"تنفيذية الحكومة" .. خطة لمعالجة البطالة يشوبها إغفال ديمومة الوظائف
الغد-هبة العيساوي
تسعى الخطة التنفيذية للحكومة للأعوام 2026 - 2029 إلى معالجة أحد أكثر التحديات إلحاحًا في الأردن، والمتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، من خلال برامج تشغيل وطنية، والتوسع في الفروع الإنتاجية، وإنشاء مراكز تدريب مهني جديدة.
ووفقًا لما ورد في البرنامج، تستهدف هذه الإجراءات توفير آلاف فرص العمل سنويًا، إلى جانب دعم الاستثمار وتحفيز القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي للتشغيل المستدام، غير أن خبراء في الشأنين العمالي والاقتصادي يرون أن التركيز على الأرقام وحدها لا يكفي، مؤكدين أن الأثر الحقيقي لأي سياسة تشغيلية يقاس بنوعية الوظائف واستدامتها، ومدى التزامها بمعايير العمل اللائق من حيث الأجور العادلة، والاستقرار الوظيفي، والحماية الاجتماعية.
كما يشددون على أهمية معالجة فجوة المهارات، وتنظيم قطاعات واسعة من العمل غير المنظم، وربط التحول الرقمي والاقتصاد المستقبلي بخلق فرص عمل حقيقية.
كما يرى الخبراء أن نجاح الخطة مرهون بقدرتها على تحويل فرص التشغيل المعلنة إلى وظائف مستقرة ومنتجة تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.
وبحسب البرنامج التنفيذي للحكومة للعام 2026، سيستمر تنفيذ البرنامج الوطني للتشغيل باستهداف 8 آلاف مستفيد سنوياً، والتوسع في برامج الفروع الإنتاجية في المحافظات خلال العامين إلى الثلاثة المقبلة، بما يوفر ما لا يقل عن 5 آلاف فرصة عمل، إلى جانب إنشاء ستة مراكز مهنية متميزة جديدة.
مسارات متعددة
في هذا الصدد، أكد رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة وجوب النظر إلى المنظومة الأوسع من السياسات التي يتضمنها البرنامج التنفيذي للحكومة، موضحًا أن البرنامج لا يقتصر على التشغيل أو التوسع في الفروع الإنتاجية وإنشاء مراكز مهنية جديدة، بل يشمل مسارات متعددة تهدف إلى تهيئة بيئة اقتصادية أكثر قدرة على توليد فرص العمل واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وأضاف أبو نجمة أن تحفيز الاستثمار وتسهيل ممارسة الأعمال، يشكلان عنصرًا أساسيًا في تحسين أداء سوق العمل، مؤكدًا أن توسع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الجديدة يعدان من أكثر الوسائل استدامة لخلق فرص عمل حقيقية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة.
وأشار إلى أن تطوير المهارات والتعليم والتدريب المهني والتقني وربطها باحتياجات سوق العمل يمثل استجابة مباشرة لأحد أبرز أسباب البطالة في الأردن، لا سيما بين الشباب والخريجين، لافتًا إلى أن فجوة المهارات ما تزال من العوامل الرئيسية التي تحد من قدرة الاقتصاد على الاستفادة من الطاقات البشرية المتاحة.
وأضاف أن التحول الرقمي ودعم الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية يشكلان مسارًا واعدًا لإعادة تشكيل سوق العمل، حتى وإن لم تظهر آثارهما بشكل فوري في مؤشرات التشغيل التقليدية، إذ تسهم هذه السياسات في خلق وظائف نوعية ورفع الإنتاجية وتوسيع أنماط العمل الجديدة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع التحولات العالمية.
وبيّن أبو نجمة أن ربط برامج الحماية الاجتماعية بالتمكين الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى خفض سريع لمعدلات البطالة، لكنه يسهم في إعادة إدماج فئات واسعة من القادرين على العمل في سوق العمل، والانتقال التدريجي من الاعتماد على الدعم إلى المشاركة الاقتصادية الفاعلة.
وأضاف إن أهمية مشاريع الفروع الإنتاجية لا تكمن فقط في عدد فرص العمل التي توفرها، بل في دورها التنموي المحلي، ما يستدعي استمرارها وتطويرها وتوسيعها لتشمل مناطق أخرى تعاني من ارتفاع معدلات البطالة وضعف الفرص الاقتصادية، مع تعزيز استدامتها وتحسين شروط العمل فيها وربطها باحتياجات الأسواق المحلية والدولية.
وختم أبو نجمة بالقول إنّه رغم شمولية البرنامج التنفيذي وتعدد مساراته، إلا أن الأردن ما يزال بحاجة واضحة إلى خطة وطنية متكاملة ومتخصصة للحد من البطالة، تكون مكرسة لهذا الهدف بشكل مباشر، وتشارك في إعدادها وتنفيذها الجهات الرسمية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والخبراء، بما يضمن تكامل الجهود وتوحيدها والوصول إلى خفض معدلات البطالة إلى مستويات معقولة ومستدامة، بدلًا من الاعتماد على تدخلات متفرقة أو جزئية.
الأهم فرص العمل
بدوره، يؤكد الناشط الحقوقي في قطاع العمال حاتم قطيش أن أي جهد يصب في زيادة فرص العمل وتشغيل الأردنيين سيلقى ترحيبًا ودعمًا شعبيًا واسعًا، كونه يمسّ القضية الأهم التي تشغل بال الأردنيين، ويسهم في الاستفادة من كفاءة المرأة والشباب، وإدماج ذوي الإعاقة وباقي الشرائح المهمشة في المجتمع.
وأضاف قطيش أن أهمية خلق فرص العمل تزداد في ظل أزمة الدراسات الاكتوارية للضمان الاجتماعي واقتراب نقطة التعادل، مشيرًا إلى أن أحد الحلول الإيجابية لتوسيع الشمول بالضمان وزيادة وارداته يتمثل في خلق فرص عمل تحت مظلة العمل المنظم.
وأشار إلى أنه عند النظر إلى الأرقام التي يستهدفها البرنامج، نجد أنها متواضعة جدًا مقارنة بحجم الحاجة الفعلية، حيث يتطلب الوضع توفير فرص عمل بأضعاف هذا الرقم، ما يجعل أثر البرنامج على معدلات التشغيل ضعيفًا وغير ملموس.
وأضاف إن الحكومة مطالبة بالالتفات إلى قطاعات واسعة من العمل غير المنظم التي تتركز حاليًا بيد العمال غير الأردنيين بسبب انخفاض الأجور وغياب الحمايات الاجتماعية.
وأوضح أنه على سبيل المثال، لو تم الالتفات إلى قطاع تنظيف الإسكانات وغسيل السيارات، لوجدنا في العاصمة عمّان وحدها مئات الآلاف من الشقق السكنية التي يعمل فيها عمال غير أردنيين خارج إطار العمل المنظم، وبالتالي خارج نطاق واردات صندوق الضمان الاجتماعي.
وختم قطيش بالقول إنه في حال تعاونت الحكومة مع القطاع الخاص على تنظيم هذا القطاع وجعله بيئة عمل جاذبة للأردنيين، فإن ذلك سيوفر عشرات الآلاف من فرص العمل، وهي أرقام تفوق بكثير ما يستهدفه البرنامج الحالي.
النوع لا الكم
من جهته، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض إن الخطة التنفيذية للحكومة للأعوام 2026 - 2029، ورغم تضمّنها مؤشرات كمية وبرامج تستهدف خلق فرص عمل جديدة، إلا أن مقاربتها لقضية التشغيل ما تزال تركز بدرجة أكبر على الأرقام والإنجازات الاقتصادية، أكثر من تركيزها على نوعية الوظائف ومدى التزامها بمعايير العمل اللائق.
وأضاف عوض إن الخطة تعترف بوجود تحدٍ كبير يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب والنساء، وتسعى إلى مواجهته من خلال برامج تشغيل وطنية ومشاريع تنموية واستثمارية في المحافظات، إلا أن هذه المقاربة تبقى جزئية ما لم تُربط بشكل واضح بهدف توفير وظائف مستقرة وآمنة وقادرة على تأمين دخل كافٍ وحياة كريمة للعاملين.
وأشار إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن معظم المؤشرات الواردة في الخطة تتعلق بعدد فرص العمل المتوقعة أو عدد المستفيدين من البرامج، دون توضيح طبيعة هذه الوظائف، متسائلًا عمّا إذا كانت دائمة أم مؤقتة، وما إذا كانت توفر أجورًا عادلة وحماية اجتماعية وبيئة عمل آمنة.
وأضاف عوض إن اعتماد الخطة على مشاريع استثمارية كبرى يعد توجهًا إيجابيًا من حيث المبدأ، لكنه يظل غير مكتمل ما لم تُربط هذه المشاريع بسياسات واضحة تضمن استدامة فرص العمل بعد انتهاء فترات التنفيذ أو التمويل الحكومي، وعدم تحولها إلى فرص تشغيل مؤقتة أو موسمية.
وبيّن أن الخطة لا تتضمن حتى الآن مؤشرات نوعية تقيس جودة الوظائف، مثل مستوى الأجور والاستقرار الوظيفي، وهو ما يجعل نجاحها مرهونًا ليس فقط بعدد الوظائف التي سيتم توفيرها، بل بقدرتها على خلق فرص عمل منتجة ومستقرة.
وختم عوض بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام الخطة التنفيذية لا يكمن في عدد الوظائف المعلنة، بل في قدرتها على تحويل هذه الفرص إلى وظائف لائقة ومستدامة تشكل أساسًا لتنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة.