الغد-نديم حاتم منصور
يحتل قطاع التكنولوجيا المالية (Fintech) مكانةً من بين الأعلى في اهتمامات المنطقة على المستويات الرسمية والقطاع الخاص على حدٍ سواء. ولا تختلف نظرة وطموحات منطقتنا عن النظرة العالمية إلى هذه الحلول، بصفتها ستحقق ما عجزت عنه البنوك التقليدية لعقود، عبر دمج الملايين في الاقتصاد الرسمي. استثمارات بالملايين تتدفق، والشركات الناشئة العاملة في هذا القطاع تتكاثر، أما الحكومات فهي تتسابق على إطلاق الاستراتيجيات ودعم المبادرات. لكن خلف هذا الحماس المشروع والمطلوب يكمن سؤال جوهري: من الذي وصلت إليه هذه الخدمات فعلاً؟
العائق الحقيقي أمام الشمول المالي في منطقتنا لم يعد غياب تطبيق ذكي أو واجهة استخدام سهلة وجذابة. الواقع الاقتصادي لدول مثل مصر والأردن والمغرب وتونس يشمل الملايين من السكان الذين يعملون في اقتصاد غير رسمي بلا عقود ولا إثبات دخل أو سجلات ائتمانية. وهؤلاء لا يبتعدون عن البنوك لأنهم لا يعرفون قيمة الخدمات المالية، بل لأن شروط الحصول على هذه الخدمات المالية مصممة بالكامل لمن هو مختلف عنهم.
للأسف، معظم شركات التكنولوجيا المالية في المنطقة بنت منتجاتها وحلولها فوق البنية المصرفية القائمة لا كبيدل لها أو حتى حولها. تطبيقات الدفع الإلكتروني تشترط في الغالب حساباً مصرفياً مسبقاً. ومنصات الإقراض الرقمي تشترط إثبات دخل رسمي. وخدمات التقسيط تستهدف أصحاب بطاقات ائتمانية. بمعنى آخر، التكنولوجيا المالية في كثير من الأحيان لم تفتح بوابات جديدة للمستبعدين، بل جعلت تجربة المشمولين أصلاً أكثر سلاسة وراحة. وهذا إنجاز حقيقي لكنه ليس الإنجاز الذي كان يُوعد به.
الافتراض أن المستخدم يمتلك هاتفاً ذكياً ويتلقى راتباً شهرياً ويفهم المنتجات المالية الرقمية لا يخدم المستبعد مالياً، بل يقدم الخدمة لنسخة رقمية من العميل الذي كان البنك يخدمه أصلاً أو على أقل تقدير يقدم الخدمة لمن هو مرشح أصلاً للحصول على الخدمات المالية المصرفية.
هذا التشخيص بطبيعة الحال غير منصف بالنظر إلى التجارب الخليجية المتقدمة، فقد طورت هذه الدول منظومات تكنولوجيا مالية متطورة حققت معدلات استخدام مرتفعة للمدفوعات والخدمات الرقمية. لكن هذا النجاح يعود إلى كون هذه الدول تمتلك نسب توظيف رسمية مرتفعة ومستويات دخل عالية وبنية تحتية رقمية متقدمة وقاعدة سكانية مدينية بامتياز. التكنولوجيا المالية في هذه البيئة لم تحل مشكلة الإقصاء المالي؛ لأن الإقصاء المالي لم يكن المشكلة الأصلية أساساً. النجاح الخليجي رائع لكنه نجاح في سياق مختلف جذرياً، وتصديره كنموذج للمنطقة بأسرها هو جزء من الوهم ذاته.
المنطقة الأخرى من العالم العربي بحاجة إلى حلول خاصة بها. في كينيا على سبيل المثال غير نظام M-Pesa قواعد اللعبة لأنه لم يبنِ على البنية المصرفية القائمة بل أنشأ نظاماً موازياً مستقلاً يعمل عبر شبكة وكلاء بشريين منتشرين دون اشتراطات بنكية. أما في الهند فقد نقل نظام UPI الحكومي مئات الملايين من الاقتصاد النقدي إلى المدفوعات الرقمية لأن الدولة ضخت بنية تحتية هوياتية ورقمية لم تترك للقطاع الخاص أن يبنيها وحده. القاسم المشترك بين النجاحين هو أن الحل انطلق من فهم عميق للواقع الاجتماعي والاقتصادي للمستبعد لا من منطق السوق وجاذبية التطبيق. وهذا ما تحتاجه المنطقة فعلاً، فهي وإن كانت متأخرة عن دول الخليج وأوروبا، إلا أنها بالتأكيد أكثر جاهزية من غالبية دول أفريقيا. هل طُرح في منطقتنا يوماً السؤال الجوهري بصدق: من هو المستبعد مالياً فعلاً وما عوائقه الحقيقية؟ أم اكتفينا ببناء حلول أنيقة لمشكلة افتراضية بينما العامل غير الرسمي في القاهرة وعمّان وتونس لا يزال يحمل نقوده في جيبه؟
جزء كبير من اقتصادات المنطقة غير الخليجية يعمل في القطاع غير الرسمي. وهذا القطاع بطبيعته يعمل بالنقد لا لأن أصحابه يفضلون النقد، بل لأن الاندماج في الاقتصاد الرسمي يعني الخضوع لاشتراطات وتكاليف لا يستطيعون تحملها. والتكنولوجيا المالية التي تدعو هؤلاء للانضمام دون معالجة هذا الاختلال الهيكلي تطلب منهم ثمناً للرسمية دون أن تقدم لهم مكاسب كافية في المقابل.
هذه ليست مشكلة تكنولوجيا، هي مشكلة سياسات اقتصادية وحوافز وثقة مجتمعية. والتكنولوجيا وحدها لا تعالج ما هو في جوهره اختلال قائم بين الدولة والمواطن.
هذا التشخيص لا يدعو إلى إلغاء قطاع التكنولوجيا المالية أو التشكيك في قيمته الحقيقية. فهو يخدم شرائح واسعة ويحسن تجارب مالية حقيقية ويمثل بنية تحتية ستصبح ضرورية مع نضج الاقتصادات الرقمية. لكن الفجوة بين الرواية والواقع تستحق مواجهة صادقة.
حين تُقاس نجاحات التكنولوجيا المالية بحجم الاستثمارات وعدد التطبيقات وقيمة المعاملات بدلاً من السؤال عمن وصلت إليه فعلاً، فنحن نقيس الشيء الخطأ ونحتفي بالإجابة الخطأ.
في هذا السياق تحديداً تبرز الأردن بصفتها نموذجاً جديراً بالاهتمام. فالمملكة لم تكن يوماً غريبة عن ركب التكنولوجيا، وقد أثبتت في مرحلة سابقة قدرتها على اقتحام قطاعات ناشئة وبناء حضور فيها قبل أن يكتمل الزحام وإن لم نحافظ على هذا التفوق لاحقاً. اليوم يشهد قطاع التكنولوجيا المالية محلياً زخماً حقيقياً، تتجلى ملامحه في تنامي اهتمام القطاع الخاص وظهور صناديق استثمار جريء متخصصة في هذا القطاع تحديداً، فضلاً عن مبادرات القطاع العام التي بدأت تُولي التكنولوجيا المالية اهتماماً متصاعداً ضمن أجنداتها التنموية.
هذا الزخم يمثل فرصة حقيقية، لكنها فرصة مشروطة. شرطها الأساسي هو ألا تقع المملكة في الفخ ذاته الذي وقعت فيه تجارب سابقة في المنطقة. الميزة التنافسية الحقيقية لن تأتي من استنساخ النماذج القائمة، بل من الجرأة على طرح السؤال: كيف نبني تكنولوجيا مالية تنطلق من واقع المستبعد لا من راحة المشمول؟
المملكة لديها من المقومات ما يجعل هذا الطموح واقعياً لا رومانسياً؛ بنية تنظيمية نسبياً أكثر مرونة، وكفاءات شبابية في المجال التقني، وحجم اقتصادي يسمح بالتجريب السريع دون المخاطرة بتداعيات ضخمة. الفرصة قائمة لقيادة الأسواق المجاورة المتعطشة.