أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    05-Sep-2026

وسط طوفان الذكاء الاصطناعي.. هنالك وظائف محصنة من الاستبدال

 الغد-إبراهيم المبيضين

 في الوقت الذي بات فيه نحو 25 % من الوظائف يتأثر بشكل أو بآخر بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية، يؤكد خبراء أن هناك الكثير من المهن التي أثبتت "حصانة" ضد الاستبدال الكامل وسط "طوفان الذكاء الاصطناعي"، بفضل اعتمادها الأساسي على مهارات بشرية فريدة ومعقدة.
 
 
ويشير الخبراء إلى أن هناك وظائف تعتمد بشكل أساسي على التفاعل البشري المباشر، واتخاذ القرارات في المواقف المعقدة، وتحمل المسؤولية، والتكيف مع البيئات المادية المتغيرة، وبناء روابط الثقة الإنسانية، والذكاء العاطفي، والتفكير الإبداعي، والتفاعل الإنساني العميق، والتي ستظل، هي وغيرها، عصية على محاكاة الأنظمة الذكية؛ ما يضمن بقاء العنصر البشري ركيزة لا غنى عنها في قيادة هذه الأعمال وإدارتها بنجاح.
ويُحدث التوسع المستمر للذكاء الاصطناعي في بيئات العمل حالة من القلق المتزايد حول مستقبل العديد من الوظائف المرشحة للأتمتة خلال السنوات القادمة، وسط ما تثيره هذه الطفرة التكنولوجية المتسارعة من تساؤلات جدية لدى الموظفين والمؤسسات على حد سواء، حول مدى استدامة أدوارهم الوظيفية الحالية وقدرتها على الصمود أمام الحلول الرقمية الذكية التي باتت تنجز المهام بكفاءة وسرعة فائقتين.
ومع هذا التقدم المتسارع، بدأت سوق العمل العالمية والعربية، بما فيها الأردن، تشهد تحولا ملموسا بفعل الذكاء الاصطناعي، مع تأثير كبير لهذه التقنية على نوعية من الوظائف، مثل الوظائف المكتبية والمعرفية التي أصبحت من الأكثر تعرضا، ومنها الأعمال الإدارية، وإدخال البيانات، وخدمة العملاء، والمحاسبة التشغيلية، والترجمة، وكتابة المحتوى، والتصميم البسيط، وبعض مهام البرمجة.
ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تؤدي التحولات الكبرى في سوق العمل، بما فيها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، إلى توفير وظائف جديدة وإزاحة أخرى بحلول عام 2030، مع توقع صافي نمو عالمي في الوظائف، لكن مع تغير واسع في المهارات المطلوبة. كما يشير التقرير إلى أن نحو 40 % من المهارات المطلوبة في العمل قد تتغير.
الخبير في تخصص الأعمال الإلكترونية أ.د. أحمد غندور يرى أن الوظائف بدأت تتأثر بالذكاء الاصطناعي عالميا وفي المنطقة العربية والأردن، لكن التأثير حتى الآن يظهر في تغير المهام وطريقة العمل أكثر من الاختفاء الكامل للوظائف.
وقال غندور: "الوظائف المكتبية والمعرفية أصبحت من الأكثر تعرضا، مثل الأعمال الإدارية، وإدخال البيانات، وخدمة العملاء، والمحاسبة التشغيلية، والترجمة، وكتابة المحتوى، والتصميم البسيط، وبعض مهام البرمجة. ومن الصعب القول إن هناك وظيفة "لن تتأثر" بالذكاء الاصطناعي، والأدق أن نقول إن بعض الوظائف ستكون أقل عرضة للاستبدال، لكنها ستتغير في طريقة أدائها".
وأوضح غندور أن الوظائف الأقل تأثرا عادة هي الوظائف التي تجمع بين الحضور البشري، والحكم في مواقف غير واضحة، والمسؤولية، والتعامل مع بيئات مادية متغيرة، وبناء الثقة.
وضرب أمثلة على هذه المهن، ومنها الحرف الميدانية، مثل السباك والكهربائي والنجار وفني الصيانة؛ فالروبوت يستطيع تنفيذ مهام محددة، لكن العمل داخل منزل أو موقع مختلف كل مرة يتطلب تشخيصا وتكيفا وحركة مادية معقدة.
وأشار أيضا إلى مهنة التمريض والرعاية الصحية المباشرة ورعاية المسنين، إذ يستخدم العاملون الذكاء الاصطناعي في التشخيص والمعلومات والتوثيق، لكن الرعاية نفسها تتطلب حضورا بشريا ومسؤولية وتفاعلا مع المريض، وكذلك المهن ذات العلاقة بالطفولة المبكرة ورعاية الأطفال.
وقال: "من المهن الأخرى الأقل تأثرا أيضا المهن ذات العلاقة بالعلاج النفسي والإرشاد والعمل الاجتماعي؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع تقديم معلومات ودعم أولي، لكن الحالات المعقدة تعتمد على الثقة والسياق والحكم المهني. وتشمل أيضا خدمات الطوارئ، مثل الإطفاء والإنقاذ والإسعاف، بينما الوظائف القيادية تتطلب التفاوض وإدارة البشر وتحمل المسؤولية، علما بأن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل الخيارات، لكنه لا يتحمل المسؤولية المؤسسية أو يبني العلاقات بالطريقة نفسها".
ولكن غندور قال: "المفارقة اليوم أن كثيرا من الوظائف التي اعتبرناها سابقا "وظائف معرفية آمنة" أصبحت أكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي. فكتابة التقارير، والترجمة، والبرمجة الروتينية، والتصميم الأولي، وتحليل البيانات، وخدمة العملاء، والأعمال الإدارية، والبحث عن المعلومات، وإعداد المحتوى أصبحت قابلة للأتمتة بدرجات متزايدة".
وقال: "حتى الأستاذ الجامعي ليس في المنطقة الآمنة. يستطيع الذكاء الاصطناعي شرح المادة، وإعداد المحاضرة، وتصحيح بعض الواجبات، وتلخيص الأبحاث، وإنتاج الاختبارات. وما يبقى أكثر قيمة للأستاذ هو الحكم الأكاديمي، والإشراف، والنقد، وتصميم تجربة التعلم، وتطوير الطالب كباحث ومهني".
لذلك، يرى غندور أن السؤال الأهم لم يعد: "ما الوظيفة التي لن يأخذها الذكاء الاصطناعي؟"، بل: "ما الجزء من وظيفتي الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به، وما الجزء الذي يجعل وجودي البشري ضروريا؟"
وأضاف قائلا: "وهنا تظهر قاعدة مهمة لسوق العمل القادم: كلما كانت الوظيفة تعتمد على تنفيذ مهام رقمية روتينية يمكن وصفها بوضوح، زادت قابليتها للأتمتة. وكلما اعتمدت على الحكم، والثقة، والمسؤولية، والتفاعل الإنساني، والعمل المادي في بيئة غير متوقعة، انخفضت قابليتها للاستبدال".
وأكد أن هذا يفسر لماذا يجب أن ننتقل في التعليم من سؤال "ما المهارات التي نعلّمها؟" إلى سؤال أعمق، وهو: "ما القدرات البشرية التي يجب أن يمتلكها الخريج لكي يعمل مع الذكاء الاصطناعي ولا ينافسه في المهام التي يجيدها؟"
وقال: "في الأردن تصبح المسألة أكثر حساسية بسبب ارتفاع بطالة الشباب أصلا. فالخطر ليس فقط أن يفقد شخص وظيفته، بل أن تحتاج المؤسسة مستقبلا إلى عدد أقل من الموظفين لإنجاز العمل نفسه، وأن تختفي بعض الوظائف التي كانت تمثل نقطة الدخول الأولى للخريجين إلى سوق العمل".
الخبير في مجال التحول الرقمي وريادة الأعمال م. هاني البطش قال: "لا توجد، علميا، وظيفة يمكن الجزم بأنها ستكون محصّنة إلى الأبد من تأثير الذكاء الاصطناعي، لكن توجد وظائف سيكون تأثير الذكاء الاصطناعي عليها محدودا نسبيا؛ لأن جوهرها يعتمد على الوجود البشري في بيئة واقعية، والمهارات اليدوية، والتعامل مع مواقف غير متوقعة، والمسؤولية المباشرة، والتفاعل الإنساني العميق. وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن النتيجة الأكثر احتمالا هي تحول الوظائف وتغير مهامها أكثر من اختفائها بالكامل".
وقال البطش: "من الأدق أن نقول إنها وظائف صعبة الأتمتة بالكامل وليست محصّنة تماما، ويمكن تصنيفها ضمن عدة مجموعات. أولها الوظائف التي تعتمد على العمل البدني في بيئات غير متوقعة، ومن أمثلتها رجال الإطفاء، وفنيو الصيانة الميدانية، والكهربائيون، والسباكون، وفنيو التكييف، وعمال الإنشاءات المتخصصون، وعمال الصيانة الصناعية".
وأضاف: "يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل المشكلة أو تقديم التعليمات، لكنه لا يستطيع وحده بسهولة تنفيذ عمل مادي معقد داخل منزل أو مصنع أو موقع متغير، خصوصا عندما تكون كل حالة مختلفة عن الأخرى".
وأضاف: "ثاني مجموعة من الوظائف هي وظائف الطوارئ والسلامة والاستجابة الميدانية، مثل فرق الإنقاذ، وبعض العاملين في الطوارئ، والوظائف التي تتطلب اتخاذ قرارات فورية في بيئات خطرة ومتغيرة. التكنولوجيا ستساعد هذه المهن في تحليل المخاطر والتنبؤ واتخاذ القرار، لكنها لن تلغي الحاجة إلى الإنسان الموجود ميدانيا والمسؤول عن التدخل المباشر".
ولفت إلى أن ثالث مجموعة تتمثل في الوظائف التي تعتمد على الرعاية الإنسانية المباشرة، مثل التمريض، والرعاية الصحية المباشرة، ورعاية كبار السن، والعلاج الذي يتطلب تفاعلا إنسانيا مستمرا؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح مساعدا قويا للطبيب أو الممرض، لكنه لا يستطيع أن يحل بالكامل محل العلاقة الإنسانية، والتدخل الجسدي، وتحمل المسؤولية المهنية في جميع الظروف.
وقال: "رابع مجموعة هي الوظائف القيادية التي تعتمد على المسؤولية والحكم البشري، مثل بعض القيادات التنفيذية، وإدارة الأزمات، والقيادة العسكرية والأمنية، والقضاء في جوانبه التي تتطلب مسؤولية وحكما إنسانيا. والذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم تحليلات وسيناريوهات، لكن اتخاذ القرار النهائي في القضايا ذات الأبعاد الأخلاقية والقانونية والإستراتيجية سيبقى بحاجة إلى مساءلة بشرية".
وأشار إلى مجموعة خامسة تتمثل في بعض المهن الفنية والحرفية عالية المهارة، مثل الحرفيين المتخصصين، وفنيي إصلاح المعدات المعقدة، وبعض أعمال التصنيع الدقيقة والصيانة. والسبب ليس أن الروبوتات لا تستطيع تنفيذ هذه الأعمال، بل لأن أتمتتها بالكامل في بيئات متنوعة قد تكون مكلفة أو غير عملية مقارنة بالإنسان.
وأضاف البطش قائلا: "هنا يجب التأكيد على نقطة مهمة: كلما كانت الوظيفة تجمع بين العمل الميداني، والمهارة اليدوية، والتعامل مع بيئة غير منظمة، والحكم البشري، والمسؤولية المباشرة، كانت أقل عرضة للاستبدال الكامل بالذكاء الاصطناعي".
وأشار إلى أنه في المنطقة العربية والأردن، بدأ التأثير بالظهور بصورة متزايدة من خلال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء، والبرمجة، والتسويق، وإنتاج المحتوى، وتحليل البيانات، والترجمة، وبعض الأعمال الإدارية.
وقال: "في الاقتصادات النامية، ومنها الأردن، يشير البنك الدولي إلى أن الأثر المباشر للذكاء الاصطناعي يميل في البداية إلى مساندة العاملين أكثر من استبدالهم؛ لأن نسبة كبيرة من القوى العاملة تعمل في وظائف يدوية أو ميدانية يصعب على الذكاء الاصطناعي التوليدي تنفيذها مباشرة. ومع ذلك، تظهر بوادر التغيير بصورة أكبر في الخدمات المعرفية والمكثفة رقميا".
وبالنسبة للأردن، فإن التحدي الأكبر، بحسب البطش، لا يتمثل فقط في فقدان بعض الوظائف، بل في تغير المهارات المطلوبة داخل الوظائف القائمة، وهذا مهم خصوصا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات والموارد البشرية والكفاءات.
الخبير في مجال الاتصالات والتقنية وصفي الصفدي يرى أن الاقتصاد العالمي اليوم على أعتاب تحول بنيوي غير مسبوق، مدفوعا بالتقارب العميق بين التقنيات الناشئة وإعادة صياغة هوية القوى العاملة، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تكميلية، بل تحول إلى فاعل إستراتيجي يعيد رسم سلاسل القيمة العالمية.
وأضاف الصفدي: "الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة التجريب المخبري إلى التكامل العميق في صلب العمليات؛ إذ ارتفعت نسبة تبني الشركات للذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من 55 % في عام 2022 إلى 88 %، وفق أحدث التقديرات".
وأكد أنه على المستوى الإقليمي (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، تتسم المنطقة بثنائية حادة بين فرص قفزات الإنتاجية ومخاطر تخلخل الاستقرار المهني، إذ تبلغ نسبة تعرض الوظائف للذكاء الاصطناعي في الدول العربية 24.9 %، وهي نسبة تستدعي "مرونة في سلاسل القيمة البشرية" لمواجهة المتغيرات.
وأوضح الصفدي أن الحصانة لمهن ووظائف في مواجهة الذكاء الاصطناعي تعتمد على العديد من العوامل، منها الذكاء العاطفي والتعاطف والقدرة على إدراك التعقيدات النفسية البشرية وبناء روابط وجدانية، والبراعة البدنية في بيئات غير منظمة، حيث إن العمل في ظروف مادية متغيرة يتطلب استجابة حركية لحظية غير متوقعة.
وأشار إلى أن سيناريوهات مستقبل العمل تتنوع بين المساعد الرقمي والقيادة الفائقة، فوفقا لإطار المنتدى الاقتصادي العالمي، يتحرك مستقبل العمل ضمن أربعة مسارات: (التقدم الفائق، وعصر الإزاحة، واقتصاد المساعد الرقمي، والتقدم المتعثر)، مبينا أن أكثر السيناريوهات تأثيرا هي: التقدم الفائق واقتصاد المساعد الرقمي.
وبين أن اقتصاد المساعد الرقمي (Co-Pilot Economy) يمثل تكاملا متوازنا، حيث يركز العمل على "التكامل البشري-التقني"، لافتا إلى أنه في هذا النموذج، فإن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل العامل، بل يعزز مهامه، ما يرفع الإنتاجية بنسبة قد تتجاوز 1.5% سنويا، ويحافظ على القيمة المركزية لقرار الإنسان في "حلقة العمل".
وبين أن نموذج التقدم الفائق (Supercharged Progress) يمثل حدوث "القفزة الوكيلة" (Agentic Leap)، وهي اللحظة التي ينتقل فيها الذكاء الاصطناعي من مجرد "أداة" تنفذ الأوامر إلى "فاعل مستقل" يدير عمليات كاملة.
وفي هذا العالم، يتحول الموظف إلى "منسق وكلاء" (Agent Orchestrator)؛ حيث لا يقوم بتنفيذ المهام بنفسه، بل يدير محفظة من الوكلاء الرقميين والأنظمة الذكية، مما يتطلب مهارات إشرافية وتصميمية رفيعة المستوى.
وقال: "الانتقال الناجح نحو هذه السيناريوهات يعتمد على القرارات الإستراتيجية التي نتخذها اليوم. المستقبل ملك لأولئك الذين يجمعون بين الرؤية البشرية الثاقبة والقوة الخوارزمية الفائقة".