أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    12-Mar-2026

جدل حجب الألعاب يعيد طرح قضية السيادة الرقمية العربية

 الغد-إبراهيم المبيضين

 في ظل التسارع المذهل الذي يشهده الاقتصاد الرقمي العالمي، لم تعد صناعة الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى قطاع استراتيجي يقود الابتكار والنمو في الاقتصاد الرقمي. ويؤكد خبراء أن المنطقة العربية تقف اليوم أمام فرصة تاريخية للتحول من دور المستهلك للمحتوى الرقمي إلى دور المنتج السيادي له.
 
 
ويرى الخبراء أن الجدل المتصاعد في العديد من الدول، ومنها الأردن، حول حجب أو تقييد بعض الألعاب الإلكترونية ذات المخاطر العالية، يسلط الضوء على ضرورة تطوير صناعة الألعاب الرقمية العربية ودعم المطورين المحليين، بما يمكّن من إنتاج ألعاب تعكس القيم والثقافة واللغة العربية وتقدم محتوى مناسبا للأطفال والشباب، في صناعة تتجاوز إيراداتها العالمية اليوم 200 مليار دولار.
كما يشدد الخبراء على أن التعامل مع الألعاب الأجنبية لا يقتصر على المنع أو التقييد، بل يتطلب أيضا تعزيز الوعي المجتمعي بالمحتوى الذي تبثه هذه الألعاب، إذ إن المسؤولية في هذا المجال مشتركة بين الحكومات والأسر والمؤسسات التعليمية والمجتمع ككل، لتجنب المخاطر الاجتماعية والصحية والنفسية التي قد تنجم عن بعض المحتويات الرقمية.
تحذيرات محلية من ألعاب «خطرة»
وكانت مديرية الأمن العام حذرت من مخاطر بعض الألعاب الإلكترونية التي قد تبدو مناسبة للأطفال في ظاهرها، لكنها تحمل محتوى نفسيا خطيرا، ومن بينها لعبة Doki Doki Literature Club التي انتشرت أخيرا عبر الإنترنت ومنصات مشاركة الفيديو.
ودعت المديرية أولياء الأمور إلى منع تحميل اللعبة على الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية، ومراقبة ما يتم تنزيله أو مشاهدته من قبل الأبناء، إلى جانب تعزيز الحوار معهم حول الاستخدام الآمن للإنترنت والألعاب الرقمية.
وأكدت استمرار جهودها التوعوية لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية وتعزيز الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، داعية إلى الإبلاغ عن أي محتوى قد يشكل خطرا على سلامة الأطفال أو صحتهم النفسية.
وسبق ذلك إعلان هيئة تنظيم قطاع الاتصالات خلال الربع الأخير من العام الماضي حظر غرف الدردشة في لعبة Roblox بعد تقارير أشارت إلى أن بعض مكونات اللعبة قد تنطوي على مخاطر تتعلق بإمكانية تعرض الأطفال للإساءة أو الاستغلال.
كما أعلنت الهيئة في وقت سابق حجب لعبة الحوت الأزرق نظرا لما تشكله من خطر على حياة الأطفال والمراهقين بعد تسجيل حوادث مرتبطة بها في عدد من الدول.
غياب صناعة عربية قوية
وقال خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس هاني البطش إن صناعة الألعاب الإلكترونية تشهد انتشارا غير مسبوق، وأصبحت جزءا أساسيا من حياة الأطفال والشباب في العالم العربي، ليس فقط كوسيلة للترفيه بل كبيئة رقمية متكاملة يقضي فيها المستخدمون ساعات طويلة يوميا.
وأضاف أن هذا الانتشار الواسع يكشف في الوقت ذاته عن مجموعة من المخاطر التي تتطلب التعامل معها بوعي استراتيجي، خصوصا في ظل غياب صناعة عربية قوية في هذا القطاع.
وأوضح البطش أن الألعاب الرقمية لم تعد مجرد تسلية، بل أصبحت أداة مؤثرة في تشكيل القيم والسلوكيات والهوية الثقافية لدى الأجيال الجديدة، لافتا إلى أن معظم الألعاب يتم تطويرها في بيئات ثقافية مختلفة عن المجتمعات العربية، ما قد يؤدي إلى نقل أنماط سلوكية وفكرية لا تتوافق مع البيئة الاجتماعية المحلية.
وأشار أيضا إلى أن التعرض الطويل لبعض الألعاب العنيفة قد يعزز سلوكيات خطرة مثل العنف المفرط أو المشاركة في تحديات قد تؤدي إلى إيذاء النفس، إضافة إلى ارتباط الاستخدام المفرط بارتفاع مستويات القلق والعزلة الاجتماعية والإدمان الرقمي.
كما نبه إلى ما وصفه بـ«الفخاخ المالية» داخل العديد من الألعاب الرقمية، حيث تدفع نماذج الشراء داخل اللعبة الأطفال إلى إنفاق مبالغ مالية دون إدراك كامل للعواقب.
صناعة الألعاب.. فرصة اقتصادية وثقافية
وأكد البطش أن سوق الألعاب الإلكترونية يعد من أسرع الأسواق الرقمية نموا في العالم، بينما يشهد الشرق الأوسط نموا متسارعا في أعداد اللاعبين وحجم الإنفاق على الألعاب.
وقال إن هذا الواقع يطرح سؤالا استراتيجيا مهما: لماذا تبقى الدول العربية مستهلكة لهذا المحتوى الرقمي بدلا من أن تكون منتجة له؟
وأوضح أن تطوير صناعة ألعاب عربية يمكن أن يفتح الباب أمام إنتاج محتوى رقمي يعكس التاريخ والثقافة العربية، من خلال ألعاب مستوحاة من التراث والقصص التاريخية أو الشخصيات العلمية المؤثرة.
كما يمكن تطوير ألعاب تعليمية توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لتعزيز التعلم لدى الأطفال بطريقة تفاعلية تجمع بين الترفيه والمعرفة.
وأشار إلى أن بناء صناعة ألعاب عربية يتطلب رؤية متكاملة تشمل دعم الشركات الناشئة في مجال تطوير الألعاب، وتشجيع الاستثمار في الاستوديوهات الرقمية، إضافة إلى تطوير برامج تعليمية متخصصة في تصميم الألعاب والبرمجة والرسوم الرقمية.
المسؤولية جماعية
من جهته أكد مؤسس شركة «ميس الورد» المتخصصة في ألعاب الموبايل نور خريس أن الجدل الذي أثارته بعض الألعاب الرقمية في الآونة الأخيرة يسلط الضوء على الفجوة بين الشكل البريء لبعض الألعاب والمحتوى الحقيقي الذي قد تتضمنه.
وأشار إلى أن كثيرا من الأطفال أصبحوا يمتلكون وصولا غير مقيد إلى التطبيقات والمنصات الرقمية، ما يجعل من السهل تحميل أي لعبة بنقرة واحدة.
وأوضح أن بعض الألعاب، مثل لعبة Doki Doki Literature Club، قد تتضمن موضوعات غير مناسبة للأطفال، مثل تصوير إيذاء النفس أو التلاعب النفسي، رغم أنها تبدو في ظاهرها ألعابا بسيطة.
وشدد خريس على أن المسؤولية في التعامل مع هذه الظاهرة مشتركة بين الحكومات والأسر والمؤسسات التعليمية، مؤكدا أن الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة المخاطر الرقمية.
كما دعا إلى تطوير أطر تنظيمية عربية تتماشى مع التشريعات الدولية لتنظيم استخدام الألعاب والمنصات الرقمية.
الصناعة المحلية بحاجة إلى دعم
وأشار خريس إلى أن عددا من شركات الألعاب الأردنية حقق نجاحات لافتة خلال السنوات الماضية وأسهم في إثراء المحتوى العربي على منصات الألعاب، إلا أن هذه الصناعة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدعم.
وأوضح أن رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن أكدت أهمية صناعة الألعاب باعتبارها من القطاعات المؤثرة في الاقتصاد الرقمي.
كما تعمل الحكومة، من خلال وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، على تطوير قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية ودعم الشركات الناشئة والمطورين المحليين بهدف تحويل الأردن إلى مركز إقليمي لهذه الصناعة.
تحديات الانتشار العالمي
من جانبه قال الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي إن سوق الألعاب الإلكترونية يمثل أحد المكونات المهمة للاقتصاد الرقمي، إلا أن الاقتصار على اللغة العربية قد يحد من انتشار بعض الألعاب خارج المنطقة.
وأشار إلى أهمية دعم المحتوى العربي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والترجمة الفورية لتعزيز وصول الألعاب العربية إلى الأسواق العالمية.
وأضاف أن المطورين يواجهون تحديا في تحقيق التوازن بين عناصر التحفيز التي تحافظ على استمرارية اللعب وبين تجنب التأثيرات النفسية والاجتماعية السلبية، خصوصا في ظل وجود ألعاب قد تخفي محتوى معقدا خلف تصميم بسيط.
وبحسب الصفدي، تشير دراسات في علم النفس الرقمي إلى أن الاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية أو المشاركة في بعض التحديات الخطرة قد يؤدي إلى آثار متعددة مثل القلق واضطرابات النوم وضعف التركيز.
كما صنفت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب الرقمية ضمن الحالات المرتبطة بالسلوك الإدماني، ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه البيئة الرقمية على السلوك الإنساني.
ويرى أن الحل لا يكمن في منع التكنولوجيا بشكل كامل، إذ أصبح العالم الرقمي جزءا أساسيا من الحياة اليومية، بل في بناء ثقافة استخدام واعية.
ويبدأ ذلك بتفعيل أدوات الرقابة الأبوية على الأجهزة الرقمية، وتنظيم وقت استخدام الشاشات، ومتابعة نوعية المحتوى الذي يتعرض له الأطفال، إلى جانب الحوار المفتوح معهم حول مخاطر الإنترنت وتشجيعهم على ممارسة الأنشطة الواقعية مثل الرياضة والهوايات الإبداعية.
وختم بالقول إن الألعاب الإلكترونية تمثل اليوم جزءا أساسيا من المشهد الرقمي العالمي، وبينما توفر فرصا كبيرة للتعلم والتفاعل، فإنها قد تحمل مخاطر حقيقية إذا غاب الوعي الرقمي.
وأضاف أن المعادلة الصحيحة ليست في رفض التكنولوجيا، بل في تعلم استخدامها بذكاء، فالتكنولوجيا أداة محايدة، لكن طريقة استخدامها هي التي تحدد ما إذا كانت وسيلة للتعلم والإبداع أم مصدرا لمخاطر غير متوقعة.