أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    19-Jan-2026

تباطؤ الاقتصاد العالمي وأثره على خريطة الاستثمار* د.حيدر المجالي

 الغد

كشف أحدث تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) عن تراجع معدل نمو الاقتصاد العالمي من %2.9 في 2024 إلى 2.6 % خلال عام 2025، في ظل حالة متزايده من عدم اليقين تهيمن على المشهد الاقتصادي العالمي نتيجة ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار الفائدة واضطراب سلاسل التوريد بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا وحرب غزة مما أدى إلى تعميق الاضطرابات الاقتصادية عبر تأثيرها المباشر على أسعار الطاقة والسلع ومسارات التجارة الدولية.  وأضاف التقرير أن معدلات الاستثمار العالمي تشهد تراجعا بنسبة 11 % بسبب التوترات العالمية وارتفاع كلف الإقراض وانخفاض النمو.
 
 
وبفعل السياسات الجمركية الأميركية توترت العلاقات التجارية بين الاقتصادات الكبرى، تراجع نمو التجارة العالمية من 4 % في 2024 إلى 2.5 % في عام 2025 وفقا لمنظمة التجارة العالمية 
ويُتوقع تباطؤ النمو الأميركي إلى 1.8 % خلال 2025 ثم 1.5 % في 2026، في حين يُرجح انخفاض معدل النمو الصيني من 5 % إلى 4.6 % خلال الفترة ذاتها.
وعلى المستوى الهيكلي، واجه الاقتصاد العالمي تحديات خطيرة تمثلت في بطء الإنتاج وانخفاض الاستثمارات وارتفاع الديون العالمية إلى 346 تريليون دولار، أي ما يعادل 3 أضعاف حجم الاقتصاد العالمي بأكمله. وانعكست هذه الأزمات مباشرة على المجتمع، حيث سجلت نسبة الفقر ارتفاعا إلى أكثر من 9 % خلال 2025، مع وجود أكثر من 800 مليون جائع، معظمهم في دول الجنوب العالمي. كما أشارت أونكتاد إلى أن تمويل التنمية المستدامة يتراجع بوتيرة سريعة وان الاستثمار العالمي ينجرف بعيدا عن أهداف التنمية.
ووفق تحليل موسع نشرته مجلة الإيكونوميست في أكتوبر الماضي، فإن الدول الغنية تسير نحو أزمة مالية تشبه ما عاشته الأرجنتين في القرن الـعشرين حيث تتجه الحكومات إلى الإنفاق المفرط والعجز المتفاقم بدلا من الإصلاح المالي، مما ينذر بعودة التضخم نتيجة للهروب من الديون. وأشار التحليل أن الديون العامة في الدول الغنية مجتمعة ارتفعت إلى نحو 110 % من الناتج المحلي، وهو مستوى لم يسجل منذ عصر نابليون في القرن الـتاسع عشر عندما أغرقت الدول الأوروبية نفسها في الديون لتمويل الحروب.
في ظل هذا المخاض الاقتصادي الصعب، شهدت خريطة الاستثمار العالمي تحولات واضحة في أولوياتها واتجاهاتها، نتيجة التداخل بين العوامل الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية فقد تغير اتجاه الاستثمار نحو أصول آمنه ومتطوره كالتكنولوجيا والسندات الحكومية والذهب والمنتجات المالية المدعومة حكوميا والعملات البديلة و صناديق الاستثمار المتداولة  (ETFs) إضافة إلى العقارات. في المقابل تراجع الإنفاق الاستهلاكي بسبب زعزعة الثقة في الاقتصاد و تباطؤ النمو وازدادت  التوترات التجارية ولجأت الشركات إلى خفض النفقات و تأجيل المشاريع الجديدة، وتغيرت ملامح السياسات النقدية للدول لتحفيز البنوك على تقديم قروض بأسعار فائدة منخفضة واتجهت بعض الاستثمارات إلى الأسواق الناشئة بسبب تكاليف الإنتاج المنخفضة وإمكانيات النمو، رغم المخاطر المرتبطة بها. ورغم هذه التحديات، ما تزال ديناميكية الاقتصاد العالمي تؤهله لان يتماشى مع كافة الاتجاهات الجديدة وفهمها لتحقيق استراتيجيات استثمارية فعالة. فقد شهدنا مؤخرا أن الاستثمارات العالمية تتجه نحو دول توفر فرص نمو عالية مثل الصين والهند وإندونيسيا وتركيا كما عزز التحول التكنولوجي، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتقنيات المالية، أهمية الابتكار وأثره على نوعية الاستثمارات. كذلك أثرت التغيرات في سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على دول معينة على أولويات الاستثمار وأصبحت الأمور تدار بطرق ووسائل مختلفه، فتزايد التركيز على الاستثمارات المستدامة وازداد الطلب على المشاريع التي تساهم في حماية البيئة وتعزيز المسؤولية الاجتماعية. وأسهمت التوترات الجيوسياسية في إعادة توجيه تدفقات الاستثمار، إلى جانب تنامي الاهتمام بقطاع الرعاية الصحية، والنمو المتسارع في الاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية.
وفيما يخص التحولات الإقليمية فقد شهدت بعض المناطق، مثل الشرق الأوسط وأفريقيا، اهتماما عالميا ملحوظا كوجهات جديدة للاستثمار تدر عوائد جيدة مقارنه مع الأسواق التقليدية ما جعل خريطة الاستثمار العالمي أكثر غموضا وأقل ضمانا، وفرض اعتبارات جديدة على مفهوم الأمن المالي للدول. 
‏في الختام تختلف تأثيرات تباطؤ الاقتصاد على خريطة الاستثمار العالمي بشكل كبير اعتمادًا على السياق الاقتصادي والسياسي مما يستدعي اتباع خطوات جريئة لتحقيق التعافي العام, فعلى مستوى الدول تبرز الحاجة إلى إصلاح النظام المالي و توسيع نطاق التمويل المستدام وتقليص الفجوة الرقمية وتحديث قواعد الاستثمار بالشكل اللائق اما على مستوى الأفراد فسيظل المستثمرون بحاجة إلى التفكير العميق حول كيفية الحفاظ على أمان استثماراتهم والاستفادة من الفرص الجديدة. 
لقد لعبت التحولات في خريطة الاستثمار العالمي دورا محوريا في تغيير عقلية المستثمر، من الثقة بالنمو والأسهم، إلى البحث عن الأمان عبر السندات، ثم التحوط من النظام المالي نفسه باللجوء إلى الذهب واليوم، ومع تصاعد الديون السيادية وعودة التضخم، قد نكون أمام عصر توازن جديد بين الأصول، حيث تتراجع هيمنة النظام المالي التقليدي لصالح الأصول الحقيقية. فهل سنشهد التغيير الحقيقي في المنظومة المالية العالمية.