أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    21-Jul-2026

حتى لا تتكرر أخطاء موازنة 2024*سلامة الدرعاوي

 الغد

خلال النصف الثاني من عام 2023، بدأت إيرادات الخزينة تتراجع بصورة ملحوظة نتيجة تداعيات الحرب في غزة، وانخفاض عوائد قطاعي التبغ والمركبات بفعل انتشار منتجات التدخين غير التقليدية والتوسع في استخدام السيارات الكهربائية.
 
 
ورغم وضوح هذه المؤشرات، أُعد مشروع قانون موازنة عام 2024 دون اتخاذ إجراءات استباقية تعوض تراجع الإيرادات، لتظهر لاحقاً فجوة قاربت 900 مليون دينار بين الإيرادات المقدرة والمتحققة، وهي فجوة ما تزال آثارها تنعكس على مسار الإصلاح المالي حتى اليوم.
واليوم، ومع اقتراب إعداد مشروع قانون موازنة عام 2027، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً للاستفادة من درس موازنة 2024 وعدم تكرار الخطأ ذاته، خصوصاً أن العام المقبل سيشهد تحديات مالية إضافية تتطلب قراءة استباقية للمخاطر، لا الاكتفاء بإعداد تقديرات تقليدية للإيرادات والنفقات.
فالحكومة ستواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في المحافظة على نمو الإيرادات، وضبط النفقات في الوقت نفسه، بالتزامن مع استمرار تنفيذ مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، والتوسع في الإنفاق الرأسمالي، وظهور التزامات مالية جديدة، أبرزها الزيادة المقترحة لموظفي القطاع العام والمتقاعدين التي تقدر كلفتها بنحو 250 مليون دينار، إضافة إلى نحو 150 مليون دينار لمبادرات ومشاريع رأسمالية، ما يعني ضغوطاً مالية إضافية تقارب 400 مليون دينار.
كما أن تقديرات الحكومة باستمرار النمو الاقتصادي تتأثر بعوامل خارجية لا يمكن إغفالها، فاستمرار التوترات الإقليمية قد ينعكس على السياحة والتجارة والنقل والاستثمار، وبالتالي على حصيلة ضريبة المبيعات وضريبة الدخل والرسوم الجمركية، في وقت تبقى فيه فوائد وأقساط الدين العام والدعم الاجتماعي من أكبر بنود الإنفاق التي تحد من المرونة المالية.
وفي المقابل، سيكون على الحكومة تعزيز الامتثال الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية ورفع كفاءة التحصيل، بالتوازي مع تنفيذ خطط خفض النفقات التشغيلية وتحسين كفاءة الإنفاق، دون التأثير في جودة الخدمات العامة.
لكن الأهم من ذلك كله، أن تتعامل الحكومة مع إعداد موازنة 2027 بمنهجية مختلفة، تقوم على التحوط المالي وإدارة المخاطر، لا على افتراض استمرار المؤشرات الاقتصادية الحالية كما هي.
فالمطلوب مراجعة شاملة لجميع القرارات التي أثرت أو قد تؤثر في أداء المالية العامة، سواء تعلقت بالإعفاءات أو الرسوم أو التشريعات أو أي سياسات انعكست على الإيرادات العامة، إضافة إلى مراجعة دقيقة للهيكل الضريبي، ليس بهدف فرض ضرائب جديدة، وإنما لاكتشاف الثغرات والتشوهات والملفات التي لم تخضع للتقييم الكافي، أو التي تأخر اتخاذ القرار المناسب بشأنها.
هذه المراجعة يجب أن تنطلق من مبدأ أساسي، وهو عدم المساس بالأمن المعيشي للمواطن أو تحميله أعباء مالية جديدة، بل البحث أولاً عن رفع كفاءة الإدارة المالية، ومعالجة الاختلالات، وتعظيم الإيرادات من خلال إصلاح السياسات والقرارات القائمة.
فالدرس الأهم من موازنة 2024 أنّ تجاهل المؤشرات المبكرة كانت كلفته مرتفعة على المالية العامة، أما نجاح موازنة 2027، فلن يقاس فقط بدقة أرقامها، وإنما بقدرة الحكومة على استباق المخاطر، واتخاذ إجراءات التحوط، وتصحيح الاختلالات قبل أن تتحول إلى فجوات مالية جديدة.