التشفير المقاوم للحوسبة الكمية.. تحصين للنظام المالي وتعزيز لثقة المستثمرين
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
فيما تتسارع التحولات التقنية وتتضاعف التهديدات السيبرانية بوتيرة غير مسبوقة عالميا، لم يعد أمن النظام المالي الذي يعتبر أحد أهم مرتكزات الاستقرار الاقتصادي في أي دولة خيارا مؤجلا.
وفي هذا الإطار، أعلن البنك المركزي الأردني أخيرا إصدار خريطة طريق قطاعية للانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمية للقطاعين المالي والمصرفي، في خطوة إستراتيجية تهدف إلى تحصين البنية التحتية المالية وحماية الأنظمة المصرفية من مخاطر مستقبلية قد تمس جوهر الثقة والاستدامة في القطاع.
ويعكس هذا التوجه نهجا استباقيا يضع أمن النظام المالي في صدارة الأولويات، ويؤسس لمرحلة متقدمة من الجاهزية الرقمية، بما يضمن استمرارية عمل المؤسسات المالية ويحافظ على متانة القطاع وقدرته التنافسية. فإلى أي حد تنعكس هذه الخطوة على أمن النظام المالي الأردني وثقة المتعاملين به في مواجهة مخاطر الحوسبة الكمية؟
وأكد مختصون أن خطوة البنك المركزي الأردني بإطلاق خريطة طريق للانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمية تشكل خطوة استباقية لتعزيز منظومة الأمان المصرفي وحماية البيانات الحساسة من مخاطر الاختراق والابتزاز الإلكتروني. وبين هؤلاء أن خريطة الطريق ستبدأ عامي 2026 و2027 كمرحلة تأسيسية لبناء البنية التحتية اللازمة، فيما سيصبح الالتزام الإلزامي بأنظمة الحوسبة الكمية في القطاعات الحرجة اعتبارا من عام 2030.
وأوضح هؤلاء أن هذه الخطوة تأتي في إطار جهود البنك المركزي المستمرة للتحول الرقمي وتعزيز متانة الأمان المصرفي الوطني، مشيرين إلى أن المبادرات السابقة، مثل الشمول المالي والتحول الرقمي والدفع الإلكتروني وتعزيز الأمن السيبراني، عززت قدرة المؤسسات على مواجهة الهجمات الإلكترونية، وحسّنت تصنيف الأردن الائتماني، ورفعت مستوى الثقة بالقطاع المصرفي محليا وإقليميا.
ويشار إلى أن الحوسبة الكمية هي تقنية حديثة تعتمد على مبادئ ميكانيكا الكم لمعالجة المعلومات بسرعة وكفاءة تفوق الحواسيب التقليدية، وتمكّن من حل مشكلات معقدة مثل فك التشفيرات، ما يجعلها أداة قوية لكنها في الوقت نفسه تشكّل تهديدًا لأمن البيانات في البنوك والمؤسسات المالية.
تفاصيل خريطة طريق للانتقال إلى التشفير
وأعلن البنك المركزي أن خريطة الطريق تندرج ضمن جهود البنك المركزي الأردني في توفير بيئة مالية رقمية آمنة ومستقرة، من خلال تمكين المؤسسات المالية من الاستعداد المنهجي لمخاطر الحوسبة الكمية وتأثيراتها المحتملة على أنظمة التشفير المستخدمة حالياً. وتهدف الخريطة إلى دعم القطاع في بناء الجاهزية الفنية والتنظيمية، واتباع نهج مرحلي ومدروس للانتقال إلى حلول تشفير مقاومة للكم، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية وتوصيات الجهات المرجعية المختصة.
كما تركز الخريطة تركز خريطة الطريق على وضع مسار واضح ومنهجي للانتقال التدريجي نحو بيئة تقنية قادرة على مواجهة مخاطر الحوسبة الكمية، وذلك من خلال دمج المخاطر المتعلقة بالحوسبة الكمية ضمن سجل مخاطر المؤسسة وتعزيز الحوكمة، وبناء القدرات المؤسسية لدعم هذا الانتقال على المدى الطويل.
توسع المصارف الأردنية
وقال ممثل القطاع المصرفي في غرفة تجارة الأردن فراس سلطان إن البنك المركزي قاد خلال السنوات الأخيرة جهودا كبيرة لإرساء التحول الرقمي والتكنولوجي في مؤسسات القطاع المصرفي المحلي كافة، وتمكينه من مواكبة التطور العالمي، واضعا إياه في مقدمة القطاعات المصرفية في المنطقة من حيث التقدم التكنولوجي.
وأوضح سلطان أن البنك المركزي أطلق خلال الأعوام الأخيرة عددا من المبادرات والإستراتيجيات الداعمة للتحول الرقمي، من بينها إستراتيجية الشمول المالي، ومبادرتا التحول الرقمي والدفع الإلكتروني، إضافة إلى إستراتيجية تعزيز الأمن السيبراني، إلى جانب مساعدة مؤسسات القطاع المصرفي على مكافحة غسل الأموال ووضع الأسس اللازمة للتعامل مع الجرائم المالية المختلفة.
وبين أن مؤسسات القطاع المصرفي ستنخرط في الالتزام بخريطة الطريق الجديدة المتعلقة بالانتقال إلى الحوسبة الكمية والإيفاء بمتطلباتها، مشددا على أن الأنظمة والتعليمات التي أصدرها البنك المركزي خلال الفترة الماضية عززت من متانة الأمان المصرفي الوطني وقدرته على مجابهة الهجمات السيبرانية.
وأكد أن السياسات والتعليمات التي انتهجها البنك المركزي على مدار السنوات الماضية، ولا سيما منذ جائحة كورونا، ساهمت في تحسين التصنيف الائتماني للأردن لدى معظم وكالات التصنيف العالمية بصورة لافتة، وبلوغه مستويات غير مسبوقة منذ 21 عاما، إضافة إلى تجنيب الاقتصاد الوطني التأثر بموجة التضخم العالمي.
ولفت سلطان إلى أن خريطة الطريق الجديدة ستسهم في تعزيز توسع القطاع المصرفي المحلي داخليا وخارجيا، ورفع سمعته ومنسوب الثقة به، مشيرا إلى أن القطاع يمتلك حاليا فرصا للتوسع في السوق السوري، بعد أن حقق توسعا مؤخرا في العراق.
خطوة استباقية لتحصين الأمان المصرفي
بدوره، قال الخبير في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي حمزة العكاليك إن التطور الكبير الذي طرأ عالميا في مجال الحوسبة الكمية، لا سيما بعد انتقال استخدامها من المجال العلمي إلى المجال التجاري، وما تمتلكه هذه الحواسيب من قدرة على تفكيك التشفيرات العملاقة للمؤسسات التجارية والمالية، وارتفاع منسوب مخاطر الاختراق، جاء إطلاق البنك المركزي لإستراتيجية خريطة الطريق القطاعية للانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمية كخطوة استباقية لتعزيز منظومة الأمان المصرفي المحلية.
وأضاف أنه بموجب هذا التوجه، سيكون مطلوبا من القطاعات الخاضعة لقانون البنك المركزي، من بنوك ومصارف وشركات صرافة وتمويل، والتي تتعامل مع بيانات كبيرة وذات خصوصية عالية، استخدام أنظمة الحوسبة الكمية في المرحلة المقبلة، مبينا أن عامي 2026 و2027 سيشكلان مرحلة تأسيسية لبناء البنية التحتية اللازمة، على أن يبدأ الاستخدام الإجباري لهذه الأنظمة في القطاعات الحرجة المختلفة اعتبارا من عام 2030.
وأوضح العكاليك أن المختصين في الهكر والجرائم الإلكترونية واختراق الأنظمة الحوسبية والمصرفية باتوا اليوم يتجهون إلى جمع أكبر قدر ممكن من البيانات وتخزينها، ثم تنفيذ عمليات الاختراق لاحقا، حيث يعمدون بعد جمع البيانات إلى ابتزاز المؤسسات بدفع مبالغ مالية مباشرة مقابل عدم تنفيذ الاختراقات، وفي حالات أخرى يتم اللجوء إلى بيع هذه البيانات في الأسواق، ما يجعل سرية البيانات التي تميز القطاعات الحرجة كالبنوك عرضة للنشر ويصعب السيطرة عليها.
ولفت إلى أن البنك المركزي الأردني يعد نموذجا عربيا في مجال التحول الرقمي ومواكبة أحدث التقنيات والأنظمة التكنولوجية المطبقة في القطاع المصرفي العالمي، موضحا أن الأردن يعد أول دولة تطلق خريطة طريق للانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمية، إذ من المتوقع أن تطلق كل من السعودية والإمارات خريطة مماثلة.
وحول الأبعاد الاقتصادية لهذا التوجه، بين العكاليك أن الاستقرار الرقمي والأمان المصرفي أصبحا في الوقت الراهن من المعايير الرئيسة التي يعتمد عليها المستثمرون في تقييم الأسواق وبناء قراراتهم الاستثمارية، مشيرا إلى أن هذا التحول سيكون له أثر إيجابي في تشجيع الاستثمار وتعزيز الثقة بالمنظومة المصرفية المحلية.
وفيما يتعلق بالتحديات التي قد تواجه عملية التحول، أشار العكاليك إلى أن الكلفة المالية المرتفعة لاستخدام أنظمة الحواسيب الكمية، إلى جانب الحاجة إلى تأهيل الكوادر البشرية، تعد من أبرز التحديات، إلا أن بناء خريطة الانتقال على أساس التدرج الزمني سيمكن المؤسسات المالية من تجاوز هذه التحديات.
درء مخاطر التهديد السيبراني
من جانبه أكد المدير التنفيذي والمستشار السابق بالبنك المركزي الأردني زيان زوانة، أن لهذه الخطوة الإستراتيجية التي اتخذها البنك المركزي أثرا إيجابيا في تعزيز أمن القطاع المالي والمصرفي الأردني، مما يساعد في حفظ أموال البلد، ومواطنيه بعيدا عن أي اختراقات تكنولوجية.
وأوضح زوانة أن خريطة الانتقال هذه من شأنها تعزيز جاذبية القطاع لجميع المتعاملين مع القطاع (زبائن ومدخرين ومقترضين ومستثمرين)، مما يعمق ثقتهم بالقطاع عموما ومفرداته المصرفية الفردية سواء كانت بنوكا أردنية أو بنوكا عاملة في الأردن، ويوثق علاقة المتعاملين مع بنوكهم ويطمئنهم، أن أموالهم وتعاملاتهم والمعلومات الخاصة بهم بأمان، وليس من السهل اختراقها والحصول عليها من قبل أي طرف لا علاقة له بها.
وبين زوانة أن خطوة المركزي هذه تساعد في تعميق ترتيب الأردن الإيجابي لمحطة استقطاب التدفقات الرأسمالية من الخارج، وقد لمس الأردنيون خلال السنوات الماضية تطور خدمات البنوك ونقلتها التكنولوجية النوعية التي يسرت تعامل المواطنين مع بنوكهم وفق ممارسات تمكن المواطنين من إجراء جانبا من تعاملاتهم مع بنوكهم بسهولة وأمان ويسر، باستخدام أجهزة الموبايل واستخدام آليات الدفع والتحويل، مما يعتبر خدمات متقدمة من القطاع المالي والمصرفي للمتعاملين وبمبادرة من البنك المركزي وبإشرافه ومتابعته.
ولفت زوانة إلى أنه يسجل للبنك المركزي مبادراته الاستباقية دائما لتعامل مع المتغيرات والأزمات المختلفة، حيث أن خريطة الطريق التي أعلنها تأتي درءا لمخاطر التهديد السيبراني واختراقات الهكر وتقليل تداعياتها.