"الحماية الاجتماعية".. من إدارة الفقر لمنع السقوط فيه
الغد-محمود الطراونة
لم يعد الفقر في السياسات الاجتماعية الحديثة يُقاس فقط بمن هم تحته، بل بمن هم مهددون بالسقوط إليه، وبمدى قدرة الدولة على التقاط الأسرة قبل أن تتحول أزمتها العابرة إلى هشاشة مزمنة، ثم إلى فقر يصعب الخروج منه.
وفي هذا الإطار، تكتسب الإستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية 2025–2033 أهميتها؛ فهي لا تطرح مجرد إعادة توزيع للدعم أو توسيعا لقوائم المستفيدين، وإنما تسعى إلى إعادة بناء مفهوم الحماية نفسه، عبر وصل المساعدة النقدية بالخدمات الاجتماعية، وربط التمكين بسوق العمل، وتوسيع مظلة التأمين الاجتماعي، وإنشاء أدوات للاستجابة المبكرة للصدمات.
وهنا، فإن الرهان لم يعد يقتصر على قدرة الدولة على تقديم المساعدة في الوقت المناسب فقط، بل على قدرتها على منع الفقر قبل وقوعه، وتقليص مدة البقاء فيه، ومنع عودة الأسرة إليه بعد خروجها منه.
تقوم الإستراتيجية على أربعة محاور، تتبلور في: "كرامة" للمساعدات الاجتماعية، و"تمكين" للخدمات الاجتماعية، و"فرصة" للعمل والضمان، و"صمود" للاستجابة للصدمات. غير أن القيمة الحقيقية لذلك لا تكمن في تقسيم الاختصاصات، بل في قدرتها على العمل كمنظومة واحدة تتحرك حول الأسرة واحتياجاتها، لا حول المؤسسات وبرامجها المنفصلة.
من الأمان إلى الوقاية
يمتلك الأردن اليوم شبكة دعم اجتماعي واسعة؛ إذ تستفيد 249 ألف أسرة في هذا الإطار من الدعم النقدي الشهري المتكرر، وتضم هذه الأسر 1.121 مليون فرد، تُقدَّر كلفة دعمهم بنحو 259 مليون دينار سنويا، لكن اتساع شبكة الحماية لا يعني بالضرورة أن مخاطر الفقر تتراجع.
فارتفاع عدد المنتفعين قد يؤشر إلى تحسن قدرة الدولة على الوصول إلى الفئات المحتاجة، لكنه قد يعكس أيضا اتساع دائرة الهشاشة الاقتصادية. وهنا تنتقل القصة من حجم الحماية إلى أثرها؛ فالمطلوب ليس فقط أن تعرف الدولة من يحتاج إلى الدعم، بل لماذا يحتاج إليه، وما الذي يمكنه منع استمرار حاجته، وما التدخل المناسب إذا كانت الأسرة قادرة على العمل، وما الذي يمكن تقديمه إذا كانت غير قادرة على ذلك.
اختبار نجاح الدعم
وإذا كان الدعم النقدي يوفر الحد الأدنى من الأمان للأسرة، فإن التحدي يبدأ عندما يصبح السؤال: ماذا بعد الدعم؟ إذ يستهدف البرنامج التنفيذي لصندوق المعونة الوطنية رفع نسبة المنتفعين المحالين إلى برنامج التشغيل الوطني، ضمن الفئة العمرية (18–45 عاما)، من 7 % إلى 15 % بحلول العام 2028، ورفع المحالين إلى التدريب المهني إلى 5 آلاف مستفيد تراكميا، وكذلك رفع نسبة الأسر المستفيدة من الخدمات الإضافية والدعم النقدي من 25 % إلى 35 %.
غير أن هذه الأهداف، على أهميتها، تقيس في جانب منها حركة المنتفع في النظام، ولا تكشف وحدها ما إذا كان النظام نجح في تغيير وضعه الاقتصادي. فالإحالة إلى التدريب ليست وظيفة، والإحالة إلى التشغيل ليست بالضرورة عملا مستقرا، والعمل نفسه لا يصبح حماية من الفقر ما لم يوفر دخلا مستداما وظروفا لائقة.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للتمكين يبدأ بعد التوظيف: هل بقي الشخص في العمل؟ وهل تحسن دخل الأسرة؟ وهل انخفض اعتمادها على الدعم؟ وهل عادت إلى البرنامج بعد فترة؟
من هنا، يتوجب أن تتحول منظومة التقييم من عدّ الإحالات إلى قياس مسار الأسرة بعد الإحالة، وهذا هو الفارق بين سياسة تشغيل تستوعب الأرقام، وسياسة تمكين تغير الواقع الاقتصادي للأسرة.
حين تصبح البيانات أداة للقرار
في قلب هذا التحول، يأتي السجل الاجتماعي الذي تستهدف الحكومة عبره توحيد الوصول إلى خدمات الحماية الاجتماعية والوصول إلى 12 خدمة بحلول 2028. لكن لا ينبغي أن ينتهي الأمر عند رقمنة طلبات المساعدة، فالقيمة الحقيقية تبدأ عندما تنتقل الدولة من التعامل مع كل منفعة باعتبارها ملفا مستقلا، إلى قراءة الأسرة باعتبارها وحدة واحدة من الاحتياجات والمخاطر.
فأسرة لديها طفل من ذوي الإعاقة، أو والد مريض، أو امرأة لا تستطيع العمل بسبب مسؤوليات الرعاية، لا تحتاج بالضرورة إلى دعم نقدي إضافي فقط؛ قد تحتاج إلى تدخل صحي أو اجتماعي، أو خدمة رعاية، أو تدريب، أو تشغيل. وهنا يمكن للسجل أن يصبح "عقل" المنظومة، بحيث يحدد الاحتياج، ويربطه بالخدمة، ويتابع النتيجة.
لكن ذلك يتطلب أكثر من منصة إلكترونية؛ إذ يحتاج إلى بيانات محدثة، وتبادل فعال للمعلومات بين المؤسسات، ومعايير موحدة، وحوكمة للبيانات وحماية للخصوصية. فالسجل لا ينجح عندما تختفي الورقة، بل عندما يتغير القرار الذي تتخذه الدولة بشأن الأسرة.
اقتصاد الرعاية
لا يمكن اختزال التمكين الاقتصادي في التدريب والتشغيل، فبعض عوائق العمل تقع خارج سوق العمل نفسه، والرعاية غير المدفوعة للأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة قد تحرم أفرادا من الأسرة، وخصوصا النساء، من الدخول إلى السوق أو الاستمرار فيه. وهنا تكتسب خدمات الحضانات والرعاية والتدخل المبكر أهمية تتجاوز بعدها الاجتماعي المباشر؛ فهي في الوقت نفسه بنية تحتية للمشاركة الاقتصادية.
قبل الوصول إلى "المعونة"
ففي حين يعالج الدعم النقدي جانبا من الفقر القائم، فإن الضمان الاجتماعي يتعامل مع أحد أهم مصادر الفقر المحتمل، إذ إن العامل الذي يفقد عمله أو قدرته على الكسب، أو يصل إلى الشيخوخة من دون دخل تأميني كافٍ، يمكن لمشكلته الفردية أن تتحول سريعا إلى أزمة دخل للأسرة.
لذلك، فإن توسيع التغطية التأمينية لأنماط العمل الجديدة والمرنة والجزئية جزء من الوقاية من الفقر، لا مجرد إصلاح في منظومة الضمان. وهنا تضع الإستراتيجية توسيع الحماية للعاملين ضمن محور "فرصة"، ما يربط العمل بالحماية التأمينية، ويحد من انتقال الأسرة إلى الحاجة عند فقدان مصدر الدخل. لكن التوسع في الشمول يضع أمام الدولة معادلة لا يمكن تجاهلها، وهي توسيع قاعدة المشمولين مع الحفاظ على استدامة النظام التأميني؛ فالحماية التي لا تستطيع الاستمرار ماليا لا توفر أمانا طويل الأجل.
"صمود".. الاختبار قبل الأزمة
أدخلت الإستراتيجية مفهوم الاستجابة للصدمات إلى صلب منظومة الحماية، في محاولة لتحويلها من أحداث طارئة إلى مخاطر يمكن الاستعداد لها. وفي هذا النطاق، تتجه إلى تطوير نظام للإنذار الاجتماعي المبكر، وربط المخاطر بالبيانات الجغرافية والاجتماعية، بينما يستهدف البرنامج التنفيذي إدراج 75 % من السكان على خريطة جغرافية للمخاطر مرتبطة بنظام الإنذار المبكر بحلول 2028.
الاختبار الصامت للإستراتيجية
كلما اتسعت الحماية، اتسعت كلفتها، لكن القضية ليست كم ستنفق الدولة، بل ماذا ستحصل عليه اجتماعيا مقابل كل دينار تنفقه؟
فالإنفاق على الوقاية قد يكون أقل كلفة من الإنفاق بعد تحول المشكلة إلى فقر مزمن، كما أن دعم التدريب أو الرعاية أو التأمين قد يكون أكثر جدوى من استمرار الأسرة لسنوات طويلة في الاعتماد على المساعدة. لذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير في فلسفة تقييم الإنفاق الاجتماعي، لتنتقل من حساب قيمة المساعدات وعدد المستفيدين، إلى قياس كلفة منع الأسرة من السقوط في الفقر، وكلفة إخراجها منه، وكلفة منع عودتها إليه.
وهذا يتطلب أيضا تقليل الازدواجية بين البرامج، وتوحيد البيانات، وتحسين الاستهداف، وربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس.
الفجوة حين تملؤها الإستراتيجية
ويبقى أحد أصعب تحديات الحماية الاجتماعية بين الفقر والاستقرار أن هناك أسرا قد لا تقع ضمن معايير الاستحقاق للدعم، لكنها لا تمتلك حماية كافية من صدمة كبيرة، كفقدان وظيفة أو الإصابة بمرض، أو ارتفاع كلفة السكن أو العلاج، أو فقدان مصدر دخل رئيس. كل ذلك قد يدفعها سريعا إلى دائرة الحاجة، وهذه الفئة تمثل اختبارا حقيقيا للمفهوم الوقائي في الإستراتيجية.
فإذا تدخلت الدولة فقط بعد وصول الأسرة إلى شروط الاستحقاق، فإنها تكون قد أدارت الفقر، أما إذا امتلكت القدرة على رصد مؤشرات الهشاشة والتدخل قبل الانزلاق، فإنها تكون قد بدأت فعليا في منع الفقر.
قياس نجاح الإستراتيجية
إذا كان يتوجب على الدولة الانتقال من مؤشرات النشاط إلى مؤشرات الأثر، فليس المهم فقط عدد المنتفعين، بل كم أسرة خرجت من الدعم واستمرت خارج منظومة المساعدات؟ وكم من المحالين إلى العمل استمروا فيه بعد سنة؟ وكيف تغير دخل الأسرة بعد التشغيل؟ وكم أسرة عادت إلى الدعم بعد خروجها؟ وكم امرأة دخلت السوق أو حافظت على وظيفتها نتيجة خدمات الرعاية؟ وكم أسرة حصلت على أكثر من خدمة ضمن مسار متكامل؟ وكم استغرقت الاستجابة بعد وقوع صدمة؟ وهل أدى السجل الاجتماعي إلى تقليل الازدواجية وتحسين الاستهداف؟
بحلول 2033، ستكشف هذه المؤشرات ما إذا كانت الإستراتيجية قد أحدثت تحولا اجتماعيا أم أعادت تنظيم البرامج القائمة، من إدارة الفقر إلى كسر دائرته. إذ إن التحول الذي تقترحه الإستراتيجية المحدثة لا يقوم على إلغاء الدعم، ولا يمكن أن يقوم على افتراض أن جميع الفقراء قادرون على العمل، بل يقوم على تغيير نوع التدخل بحسب طبيعة الهشاشة؛ فالقادر على العمل يحتاج إلى مسار اقتصادي مستدام، ومن فقد مصدر دخله مؤقتا يحتاج إلى حماية تمنع سقوطه، ومن لا يستطيع العمل يحتاج إلى حماية وخدمات مستمرة.