«المجمع الصناعي».. المنجم الأردني العالمي الأخضر*لما جمال العبسه
الدستور
مشروع المجمع الصناعي المشترك الذي أعلنت عنه شركتا مناجم الفوسفات الأردنية والبوتاس العربية يُمثل نقطة فارقة في مسار الاقتصاد الوطني، فهو ليس إعلاناً عن توسعة إنتاجية تقليدية، بل ولادة لمشروع اقتصادي وطني مستدام بالمعنى الحقيقي للكلمة. في إطاره تتعاون قوتان اقتصاديتان أردنيتان لتخرجا بصياغة واقعية تُجسد تحولًا هيكليًا في الاقتصاد الأردني، ليس محلياً بل على نطاق دولي.
ولادة هذا المشروع السيادي ستُمكّن الاقتصاد الوطني وتنقله إلى مصاف القوى المؤثرة في سلاسل القيمة العالمية، إذ يحمل أبعاداً اقتصادية وجغرافية وتنموية طويلة الأمد، وهو استجابة استراتيجية لواقع عالمي مضطرب، حيث أدت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى تعطيل مراكز الإنتاج التقليدية للأسمدة وعلى رأسها روسيا وبيلاروسيا، وأسهمت في زيادة الأسعار بنسبة تجاوزت 80 %، ما انعكس مباشرة على أسعار القمح والذرة والزيوت النباتية، وأعاد قضية الأمن الغذائي إلى صدارة الاهتمام الدولي.
أهمية المشروع تتجلى في توقيته، إذ يعبر عن الاستغلال الأمثل لما يُعرف بـ «نافذة الفرص» العالمية، وليس مبالغة القول إن الشركة الأردنية المتطورة لصناعات الأسمدة المتخصصة التي أُسست لتكون مظلة للمشروع، ستصبح أحد الملاذات الآمنة والموثوقة للتزود بالأسمدة عالمياً، فالإسراع في تدشين هذا المجمع ليس مجرد استجابة محلية، بل خطوة استباقية لملء الفراغ في السوق العالمية وتثبيت المملكة كمركز إقليمي وقاعدة إمداد لوجستية وصناعية لا يمكن تجاوزها في منظومة الأمن الغذائي العالمي.
من زاوية القيمة المضافة، يُمثل المشروع ثورة حقيقية في تفكيك معادلة الهدر الخام التي كبّلت الاقتصاد الأردني لعقود، حيث ظل أسيراً لتصدير المواد الأولية، بينما كانت المصانع الآسيوية والأوروبية تجني الأرباح الكبرى من إعادة تصنيع الموارد الأردنية وتصديرها، واليوم عبر هذا المجمع ننتقل إلى «اقتصاديات القيمة المضافة» التي تعني مضاعفة العوائد وتحقيق الاستدامة.
رقمياً، نصف إنتاج الفوسفات الأردني، أي نحو 6 ملايين طن، إذا ما تحول إلى أسمدة مركبة متطورة، سيقفز بالعوائد التشغيلية الى مستويات مرتفعة جدا، أما البوتاس فإن الانتقال من بيعه كخام إلى منتجات متطورة يعني مضاعفة العائد تقريباً، وهذا امر يكشف حجم الفارق بين تصدير المواد الخام وإنتاج الأسمدة عالية الجودة، وهو فارق بين اقتصاد تابع وآخر قادر على فرض نفسه في سلاسل القيمة العالمية.
عبقرية المشروع تكمن في قدرته على دمج قوتين تعدينيتين هائلتين في رقعة جغرافية متكاملة (العقبة والشيدية)، فعلى الخارطة التعدينية العالمية يهيمن المغرب على أكثر من 70 % من احتياطي الفوسفات العالمي، فيما تحتكر كندا نحو 30 % من سوق البوتاس، لكن الأردن ينفرد بميزة نسبية استثنائية، إذ يمتلك الموردين معاً، ما يمنح الشركة الجديدة مرونة تشغيلية هائلة وتخفيضاً غير مسبوق في كلف الإنتاج واللوجستيات، ويجعل المنتج الأردني النهائي الأكثر تنافسية عند اختراق أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.
من منظور الاقتصاد الكلي، يمثل هذا المجمع التطبيق العملي الأكثر نضوجاً لمستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، إذ لن يقتصر أثره على تحسين ميزان المدفوعات وزيادة الصادرات، بل سيمتد ليخلق بيئة جاذبة للصناعات التحويلية الرديفة، ويوفر فرص عمل نوعية تتطلب مهارات تكنولوجية وهندسية متقدمة، والأهم أنه يمنح الدولة مناعة استراتيجية ضد الصدمات الاقتصادية الخارجية (Commodity Price Shocks).
اما الأهمية الاستشرافية للمشروع تتضح أكثر عند النظر إلى التوقعات العالمية، حيث تشير الدراسات إلى أن الطلب على الأسمدة سيزداد بنسبة تتجاوز 30 % بحلول 2030، مدفوعاً بزيادة عدد السكان عالميًا إلى نحو 8.5 مليار نسمة، وتوسع الرقعة الزراعية في آسيا وأفريقيا، وهذا النمو في الطلب يعزز أهمية أن يكون الأردن لاعبًا رئيسياً في السوق، خاصة مع امتلاكه الموردين الأساسيين وقدرته على تحويلهما إلى منتجات متقدمة ذات قيمة مضافة عالية.
إن المجمع الصناعي المشترك بين الفوسفات والبوتاس ليس مجرد منشأة إنتاجية جديدة، بل هو نقطة التحول الهيكلي التي انتظرها الاقتصاد الوطني طويلاً، فالفارق بين تصدير التراب الخام وإنتاج أسمدة المستقبل الذكية هو الفارق بين اقتصاد ينتظر تقلبات العالم واقتصاد يشارك في توجيهها، والإسراع في تنفيذ المشروع وبناء سلاسل القيمة بالكامل من الاستخراج حتى التصدير هو الضمانة الحقيقية ليكون الأردن في قلب النظام الاقتصادي العالمي الجديد، ليس كمتابع، بل كلاعب رئيسي يصنع أمن العالم الغذائي من فوق أرضه.