أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    14-Apr-2026

اجتماعات صندوق النقد الدولي*د. رعد محمود التل

 الراي 

تأتي اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في واشنطن بين 13 و18 نيسان 2026 في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع تباطؤ النمو العالمي مع عودة الضغوط التضخمية، في ظل تصاعد غير مسبوق للمخاطر الجيوسياسية، خصوصًا في الشرق الأوسط. بالتأكيد هذه الاجتماعات ليست حدث سنوي تقني فقط، بل أصبحت مساحة لإعادة قراءة شكل الاقتصاد العالمي في مرحلة تتسم بعدم اليقين.
 
التقديرات التي يطرحها صندوق النقد الدولي تشير إلى تراجع لآفاق النمو العالمي، مقابل ارتفاع الضغوط التضخمية في عدد من الاقتصادات. الجديد في هذه المرحلة أن التضخم لم يعد مدفوعًا بزيادة الطلب، بل باضطرابات في جانب العرض، أي ما يُعرف بـ"صدمة عرض سلبية"، ناتجة عن اختلالات في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والغذاء. هذا النوع من التضخم أكثر تعقيدًا لأنه لا يستجيب بسهولة لرفع أسعار الفائدة، ما يضع السياسات النقدية أمام حدود واضحة في قدرتها على المعالجة.
 
في هذا السياق، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع الطلب على موارده التمويلية إلى ما بين 20 و50 مليار دولار، وهو رقم يعكس اتساع رقعة الدول التي تعاني من ضغوط اقتصادية، هذا التطور يعني عمليًا أن دور الصندوق يتحول من إدارة أزمات محدودة إلى إدارة بيئة عالمية متكررة الصدمات، خصوصًا في الاقتصادات النامية والدول المستوردة للطاقة.
 
الشرق الأوسط يمثل عنصرًا محوريًا في هذه المعادلة، فالتوترات الجيوسياسية في المنطقة بما في ذلك الحرب الايرانية الأخيرة، لا تبقى ضمن الإطار السياسي أو الأمني، بل تنتقل مباشرة إلى أسواق الطاقة والشحن والتأمين كما هو معروف، وأي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس سريعًا على أسعار النفط، وبالتالي على التضخم العالمي، ما يجعل الشرق الأوسط ليس فقط متأثرًا بالاقتصاد العالمي بل جزءًا من تشكيل اتجاهاته.
 
في خضم هذا المشهد، يبرز "النموذج الاردني" كحالة اقتصادية استطاعت أن توازن بين ضرب الصواريخ في المنطقه واستمرار دوران عجلة الاقتصاد دون توقف أو تعطل ما شكل حاله إدارة مميزة للأزمة مع الاخذ بعين الاعتبار الارتفاعات العالمية التي حدثت على أسعار بشكل عام وبالاخص في قطاع الطاقة. الأردن يخضع حاليًا لمراجعة خامسة ضمن برنامج "التسهيل الممدد"، إضافة إلى المراجعة الثانية ضمن "مرفق الصلابة والاستدامة" مع صندوق النقد. هذه المراجعات ليست تقنية فقط، بل تمثل إشارة ثقة عالمية بشأن مسار الاقتصاد الاردني وقدرته على الاستمرار في برنامج الإصلاح.
 
صحيح أن نجاح هذه المراجعة يفتح الباب أمام تمويل مباشر يعادل حوالي 130 مليون دولار، إضافة إلى نحو 110 ملايين دولار ضمن برنامج المرونة والاستدامة، ليصل إجمالي الدعم المرتبط بهذه المرحلة إلى نحو 240 مليون دولار. هذا صحي بلغة الارقام، لكن وبرغم محدوديتها مقارنة بالاقتصاد العالمي، الا أنها تحمل وزناً كبيراً في السياق الأردني لأنها تؤكد على الثقة العالمية بإدارة الاردن لاقتصاده ومنعته أمام الازمات التي تحدث في منطقة لا تغيب عنها الاضطرابات.
 
طبعا أهمية هذا الدعم التمويلي في هذه المرحله يتضح أكثر عند النظر إلى بنية الاقتصاد الأردني. فالأردن اقتصاد غير نفطي، ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، خصوصًا في الطاقة والغذاء. لذلك، أي ارتفاع في أسعار النفط أو اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد، وعلى مستويات التضخم لذلك أي تمويل سيشكل أداة استقرار اقتصادي ونقدي.
 
لكن في المقابل من المهم التأكيد، بأن استمرار الاعتماد على التمويل الدولي يعكس تحديًا هيكليًا أعمق. فكل دفعة تمويل، بما في ذلك الـ130 مليون دولار من التسهيل الممدد و110 ملايين دولار من برنامج المرونه والاستدامة، تأتي مقابل التزامات إصلاحية تتزايد في العمق لا في الشكل فقط. فالصندوق لم يعد يركز على تقليص العجز فقط، بل على إعادة هيكلة قطاعات الطاقة، تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز الاستدامة المالية طويلة الأجل.
 
بشكل عام يتزايد القلق من ارتفاع مستويات الدين العالمي إلى مستويات أخرى من التعقيد، فالدول اليوم تواجه معادلة صعبة بين ارتفاع تكلفة خدمة الدين نتيجة الفوائد المرتفعة، وبين تباطؤ النمو الذي يقلل من قدرة الاقتصادات على توليد الإيرادات. هذا الوضع يضغط بشكل خاص على الدول النامية، ويجعل أي صدمة خارجية قابلة للتحول إلى أزمة مالية سريعة.
 
اجتماعات واشنطن 2026 تعكس أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي هو عدم الاستقرار، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد بشكل مباشر. وفي هذا السياق، يظهر الأردن كجزء من شبكة الاستقرار المالي الدولي، تؤهله الحصول على دعم يقارب 240 مليون دولار في هذه المرحلة، لكنه في الوقت ذاته يواجه اختبارًا أعمق يتعلق بقدرته على تحويل هذا الدعم إلى مسار إصلاحي يقلل من الاعتماد على التمويل الخارجي.