الدستور
مؤخرا صدر عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة تقرير «المراجعة الثانية لاستراتيجية الوزارة للعام 2026» المصحوب بتقرير المتابعة والتقييم، هذا التقرير فيه شيئ من الإختلاف، فكما حمل في طياته نقاط القوة والإنجاز ذكر ابرز نقاط الضعف والتحديات، فكان كمن ينقد ذاته لكن يضع المشكلة وامكانيات حلها بإمتياز فني عالٍ، واعتقد ان الهدف من نقد الذات لوضع اليد على الجروج الهيكلية التي قد تعيق تحول الأردن الرقمي بالشكل والسرعة المطلوبة، وقدم خارطة طريق واقعية لتصحيح المسار قبل نهاية العام الحالي.
عند قراءة هذا التقرير وتفكيك محاوره الاستراتيجية نرى انه كشف عن مقارقة واضحة، فالوزارة تمتلك رؤية تشريعية وتنفيذية متطورة، لكنها تصطدم بأدوات تنفيذية تقليدية على أرض الواقع، ويمكن تتبع هذا التباين من خلال أربعة محاور رئيسية ضمن التقرير اولها ريادة الاعمال التي وُضع لها استراتيجيات وطنية لخلق بيئة مناسبة وحظيت بدعم سياسي رفيع، إلا انها تعاني من غياب ديمومة التمويل والاستثمار، وبحسب هذا التقرير فان المنح والمساعدات الأولية تنتهي سريعاً، وبالتالي يكون هناك هجرة مستمرة للعقول نحو الأسواق الخارجية نتيجة نقص الحوافز المالية المستدامة.
اما البيانات الوطنية والذكاء الاصطناعي تظهر نقاط القوة في جهوزية التشريعات وحوكمة البيانات لضمان السيادة الرقمية، في المقابل، يعترف التقرير بوجود بطء شديد في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، هذا البطء ليس لغياب الرؤية، بل بسبب نقص حاد في الكوادر البشرية المتخصصة وفجوة الرواتب بين القطاعين العام والخاص دون أن ننسى الاستقطاب للعمل في الخارج، مما يجعل الحكومة عاجزة عن استقطاب «علماء البيانات» ومهندسي الذكاء الاصطناعي.
وكذلك ذكر التقرير التزام الوزارة بالجدول الزمني لإنشاء مراكز الخدمات الشاملة في المحافظات للتخفيف عن الوسط والتسهيل على الناس الا ان هناك ضعفا في التنسيق والتعاون المشترك من قِبل بعض الجهات الحكومية الشريكة، والتي تباطأت في تزويد هذه المراكز بالموظفين المؤهلين أو ربط خدماتها، مما يكشف عن «مقاومة داخلية للتغيير» في جسد الإدارة العامة.
اما مشروع الشباب والتكنولوجيا والوظائف، فقد حصل على تمويلات دولية ومحلية ضخمة وبنية تحتية واعدة لاستيعاب طاقات الشباب، لكن تعدد الإجراءات البيروقراطية وغياب الرؤية التمويلية لما بعد فترة الدعم يقتل مرونة هذه المشاريع التي تتطلب سرعة فائقة في اتخاذ القرار.
وفي هذا الاطار العملي والعلمي لاعداد التقرير، لم تكتفِ الوزارة بالتعداد بل قامت ببناء مصفوفة حلول تنفيذية عاجلة وممولة من موازنتها المرصودة للعام 2026 والبالغة 41.6 مليون دينار والتي وجهت 75 % منها للنفقات الرأسمالية والتطويرية، حيث اقترحت التحول من المنح إلى الاستثمار المشترك لمواجهة جفاف تمويل الريادة، وبدأت الوزارة في تأسيس صناديق استثمارية مشتركة مع القطاع الخاص لضمان استدامة الشركات الناشئة تدار بعقليات استثمارية لا بيروقراطية.
كما فرضت أدوات إلزامية لربط كافة الخدمات المتبقية والبالغة 480 خدمة مستهدفة قبل نهاية العام للوصول إلى أتمتة 100 % من الخدمات القابلة للرقمنة، مع إعادة هندسة الخدمات القديمة لرفع جودتها بدلاً من التركيز على الكم فقط، وركزت على اهمية التدريب لمواجهة نقص الكفاءات في المراكز الحكومية.
ما سبق ليس سردا لما ورد في التقرير بقدر ما هو محاولة لابراز اهميته، الكامنة في أنه أنهى مرحلة التجميل اللفظي وفتح الباب أمام إصلاح حقيقي قائم على نقد الذات، خاصة وأن الأردن يمتلك البنية التحتية والتشريعية، لكنه كان بحاجة إلى بوصلة صريحة تحدد مكامن الضعف وتضع حلولاً واقعية، ليصبح التحول الرقمي الأردني أقرب إلى عقد جديد، حيث تتحول الاستراتيجية من وثيقة أنيقة إلى واقع ملموس يلمسه المواطن والمستثمر معاً.