اندماج البنوك.. خيار استراتيجي يعزز الكفاءة ويواجه التحديات
الدستور - هلا أبو حجلة
عاد ملف اندماج البنوك إلى الواجهة مجددًا، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المصرفي عالميًا، وارتفاع كلف التشغيل، وتسارع متطلبات التحول الرقمي، ما يدفع البنوك إلى البحث عن خيارات استراتيجية تعزز قدرتها التنافسية وتدعم استدامة أعمالها. ويُنظر إلى الاندماج كأحد الأدوات التي تتيح للبنوك تكوين كيانات مالية أكبر وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية، خاصة في ظل التوسع في تمويل المشاريع الكبرى، والحاجة إلى رفع كفاءة إدارة المخاطر، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية.
وفي السياق المحلي، يتمتع القطاع المصرفي الأردني بمستويات عالية من الملاءة والسيولة، ما يجعله قادرًا على استيعاب مثل هذه التحولات، إلا أن الحديث عن الاندماجات يرتبط بمدى الحاجة الفعلية لتعزيز الكفاءة التشغيلية، وتوسيع الحصة السوقية، وتحقيق وفورات الحجم.
ويرى مختصون أن اندماج البنوك قد يسهم في تقليل الكلف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز القدرة على الاستثمار في التكنولوجيا المالية، إلى جانب دعم القدرة التمويلية للاقتصاد الوطني، خصوصًا في القطاعات الحيوية. في المقابل، تبرز تحديات تتعلق بالحفاظ على مستوى المنافسة في السوق، وضمان عدم تأثر العملاء سلبًا، سواء من حيث الرسوم أو جودة الخدمات، إضافة إلى الجوانب المتعلقة بدمج الأنظمة والموارد البشرية.
ويعتمد نجاح أي عملية اندماج على وجود إطار رقابي واضح يوازن بين تحقيق الكفاءة الاقتصادية والحفاظ على استقرار القطاع المصرفي، بما يضمن حماية حقوق المودعين وتعزيز الثقة في النظام المالي.
تطوير البيئة المصرفية
وقال الخبير الاقتصادي منير دية، إن المنافسة في القطاع البنكي تشكّل ركيزة أساسية لتحسين كفاءة السوق المالية وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للعملاء، مشيرًا إلى أن تنوّع المنتجات البنكية وتطورها يعكس سعي البنوك إلى استقطاب شرائح أوسع من المتعاملين.
وأضاف أن المنافسة تسهم بشكل مباشر في خفض كلف الخدمات والرسوم، وتدفع البنوك إلى تبنّي الابتكار الرقمي وتطوير أدواتها التمويلية، الأمر الذي يعزز الشمول المالي ويرفع من مستوى الثقة بالقطاع المصرفي.
وأشار إلى أن المنافسة المدروسة لا تؤدي إلى إضعاف البنوك، بل على العكس، تدفعها إلى تحسين أدائها التشغيلي ورفع كفاءتها، بما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي من خلال توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية.
استحواذات ناجحة
ومن أبرز عمليات الاندماج والاستحواذ المصرفي في الأردن استحواذ بنك الاتحاد على البنك الاستثماري (2024) والتي تُعد من أبرز التحركات المصرفية في السوق مؤخرًا، وجاءت في إطار توجه بنك الاتحاد لتعزيز حضوره وتوسيع أعماله، حيث تهدف الصفقة إلى تكوين كيان مصرفي أقوى وأكثر قدرة على المنافسة وتقديم خدمات مالية متطورة.
وهي من أبرز الصفقات في السوق المحلي، هدفت إلى التوسع وتعزيز الحصة السوقية، مع دمج العمليات تحت مظلة واحدة.
كما استحواذ البنك الأردني الكويتي على بنك عودة – الأردن (2021) جاء ضمن توجه استراتيجي لتعزيز التواجد في السوق المصرفي المحلي ورفع القدرة التنافسية. انتقال أعمال بنك بلوم الأردن إلى المؤسسة العربية المصرفية – الأردن في إطار إعادة هيكلة إقليمية، أسهمت في توحيد العمليات وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
خيار يعزز القطاع
بدوره قال الخبير الاقتصادي عفيف سليمان، أن اندماج البنوك يُعد خيارًا مهمًا وأداة فاعلة لتعزيز متانة وملاءة القطاع المصرفي، خاصة في سوق صغيرة نسبيًا كالسوق الأردني، مشيرًا إلى أن نجاح هذه العمليات يعتمد بالدرجة الأولى على كفاءة الإدارة الجديدة وقدرتها على توظيف خبرات الإدارتين ودمجها ضمن نموذج تشغيلي متكامل.
وأوضح أن أبرز المنافع المتوقعة تتمثل في خفض التكاليف التشغيلية من خلال دمج الفروع المتقاربة وتقليص النفقات الإدارية، إلى جانب رفع كفاءة رأس المال وتحسين مؤشرات الملاءة المالية، ما يعزز قدرة البنك الناتج على التوسع في الإقراض وتمويل المشاريع الكبرى.
كما لفت إلى أن إعادة تقييم الأصول قد توفر مكاسب إضافية، خصوصًا لمساهمي البنك الأصغر، في ظل وجود أصول مُطفأة دفتريًا لكنها تحتفظ بقيم حقيقية أعلى.
وعلى صعيد العملاء، أشار سليمان إلى أن الاندماج قد ينعكس في صورة خدمات مصرفية أكثر تنوعًا وتطورًا، نتيجة توحيد الأنظمة وتوسيع شبكة الصرافات والفروع، إلى جانب إمكانية تقديم عروض وفوائد أكثر تنافسية للحفاظ على قاعدة العملاء، خاصة عملاء البنك الأصغر.
وفي المقابل، حذر من أن الاندماج قد يؤدي إلى تراجع مستوى المنافسة في حال انخفاض عدد البنوك بشكل ملموس، ما قد ينعكس على كلف الخدمات وجودتها، مؤكدًا أن هذا الأثر يبقى مرهونًا بمدى قوة البيئة الرقابية والتشريعية.
وشدد على أن دور البنك المركزي يبقى محوريًا في ضمان نجاح عمليات الاندماج.
وخلص إلى أن اندماج البنوك يمثل خيارًا اقتصاديًا منطقيًا لتعزيز صلابة القطاع المصرفي، شريطة أن يتم تنفيذه ضمن إطار مدروس يوازن بين تحقيق الكفاءة والحفاظ على المنافسة والاستقرار المالي.
70 مليار دينار موجودات البنوك
بدوره أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب، أنه في ظل المتغيرات الاقتصادية المتسارعة، والتطورات التقنية المتلاحقة، وارتفاع متطلبات الامتثال والحوكمة، تبرز عمليات اندماج البنوك كأحد الخيارات الاستراتيجية لتعزيز كفاءة ومتانة القطاع المصرفي الأردني.
وأوضح الحدب أن القطاع المصرفي الأردني يتمتع بأسس قوية، حيث يبلغ حجم موجودات البنوك نحو 70 مليار دينار، أي ما يتجاوز 170% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تتجاوز نسبة كفاية رأس المال 18%، وهي أعلى من المتطلبات الدولية، إلى جانب مستويات سيولة مريحة، ما يعكس متانة القاعدة المالية للقطاع وقدرته على مواجهة الصدمات.
وأشار إلى أن عدد البنوك العاملة في المملكة يبلغ نحو 20 بنكاً، وهو عدد مرتفع نسبياً مقارنة بحجم الاقتصاد، ما يفتح المجال أمام إعادة هيكلة القطاع بما يعزز كفاءته التشغيلية ويرفع قدرته التنافسية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بارتفاع كلف التشغيل وتسارع التحول الرقمي.
واوضح الحدب لم يعد الاندماج مجرد توسع في الحجم، بل أداة استراتيجية لبناء مؤسسات مصرفية أكثر قدرة على تمويل المشاريع الكبرى، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة، التي تشكل محوراً رئيسياً في رؤية التحديث الاقتصادي.
وأضاف أن من أبرز المكاسب الاقتصادية للاندماج تحقيق وفورات الحجم، حيث تشير التجارب الدولية إلى إمكانية خفض التكاليف التشغيلية بنسبة تتراوح بين 10% إلى 20%، إلى جانب تحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا والأمن السيبراني، وهي مجالات تتطلب إنفاقاً متزايداً يصعب على البنوك الصغيرة تحمله منفردة.
وأشار إلى أن القطاع المصرفي يلعب دوراً محورياً في دعم النشاط الاقتصادي، حيث بلغت التسهيلات الائتمانية المقدمة نحو 35.7 مليار دينار، ما يعكس أهمية البنوك في تمويل مختلف القطاعات الاقتصادية وتحفيز النمو.
كما لفت إلى أن حجم الودائع في البنوك الأردنية يعكس مستوى عالياً من الثقة، حيث تُقدّر بنحو 50 مليار دينار، ما يوفر قاعدة تمويلية قوية تدعم الاستقرار المالي.
وأكد الحدب أن نجاح الاندماجات المصرفية يتطلب مجموعة من الضوابط، أبرزها إجراء فحص نافي للجهالة بشكل دقيق، وتقييم شامل للمخاطر، ووضع خطة تكامل تشغيلية واضحة، إلى جانب الحفاظ على حقوق المودعين والمساهمين، وتعزيز مستويات الإفصاح والشفافية.
تعزيز الملاءة المالية
من جانبه قال الخبير الاقتصادي وجدي مخامره، اندماج البنوك يشكل خيارًا مناسبًا ومفيدًا لتعزيز متانة القطاع المصرفي الأردني، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الإقليمية والعالمية والمتطلبات الرقابية المتزايدة، مستعرضا تجار ناجحة في عمليت اندماج بنوك
وأوضح ان أبرز المنافع الاقتصادية المتوقعة من الاندماج تتمثل في تعزيز الملاءة المالية ورفع نسب كفاية رأس المال (CAR) فوق المتطلبات الدولية غالباً فوق 17% ويحسن القدرة على امتصاص الصدمات التي قد تتعرض لها البنوك، كذلك تحقيق ما يسمى بوفورات الحجم وتخفيض التكاليف مما يحسن الكفاءة والربحية للبنوك المندمجة.
وبين ان الدراسات تشير إلى أن الاندماج يحسن الكفاءة التشغيلية والربحية دون وجود احتكار كامل مع دور البنك المركزي في هذا الجانب وغالباً ما تكون المنافع أكبر من المخاطر.
وحول انعكاس الاندماج على العملاء أكد مخامرة قد يكون للاندماج اثر ايجابي حيث ان وجود بنوك أكبر ستساهم في تقديم خدمات أفضل وأكثر تنوعًا للعملاء، ويمكن أن تنخفض الرسوم والفوائد على القروض بفضل وفورات الحجم. كما تحسن البنوك الكبيرة من جودة الخدمة وشبكة الفروع والانتشار.