نذر تضخم عالمي.. هل من أدوات للسيطرة على مستوياته المعتدلة محليا؟
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
في ظل اضطرابات متصاعدة تضرب سلاسل الإمداد العالمية، بفعل توترات جيوسياسية في ممرات حيوية، مثل مضيق هرمز، تعود الضغوط التضخمية إلى الواجهة، لتختبر قدرة الاقتصادات على احتواء الصدمات الخارجية.
وفي الحالة الأردنية، حيث يعتمد السوق نسبيا على الاستيراد ويظهر حساسية مرتفعة تجاه كلف الطاقة والنقل، تبرز الحاجة إلى أدوات أكثر فاعلية للسيطرة على التضخم والحفاظ على استقراره ضمن مستوياته المعتدلة، في ظل حالة من عدم اليقين الإقليمي.
ورغم الجهود الحكومية في ضبط الأسواق وتعزيز المخزون الاستراتيجي، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى قدرة هذه الأدوات على كبح أي موجات ارتفاع إضافية في الأسعار، وضمان عدم انتقال الضغوط الخارجية بشكل كامل، إلى الداخل؟
وأكد خبراء اقتصاديون، أن الصدمة الحادة التي تلحقها الحرب الإقليمية بأسواق السلع العالمية تحت تأثير أزمة مضيق"هرمز"، تجعل الاقتصادات الأكثر انفتاحا واستيرادا منها الاقتصاد الأردني، أكثر عرضة لانتقال هذه الصدمات إلى أسواقها المحلية.
وأشار هؤلاء الخبراء، إلى أن ارتفاع أسعار النفط، وزيادة كلف الشحن والتأمين البحري، إلى جانب تقلبات الأسواق العالمية، تشكل عوامل رئيسية في تغذية الضغوط التضخمية، لافتين إلى أن الاقتصاد الأردني، بحكم اعتماده الكبير على الاستيراد في الغذاء والطاقة، يتأثر بشكل مباشر بهذه التحولات، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات محليا.
كما أوضحوا، أن الأدوات التقليدية المتبعة في إدارة التضخم على أهميتها، لم تعد كافية وحدها لمعالجة جذور المشكلة المرتبطة بالبنية الهيكلية للاقتصاد، وارتفاع كلف الإنتاج والطاقة.
وبغية السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار، طالب الخبراء بضرورة البحث عن أدوات خلاقة تبدأ من الانتقال نحو مقاربات أكثر شمولية ومرونة، تقوم على تنويع مصادر الطاقة، تعزيز الإنتاج المحلي، تطوير سلاسل الإمداد، إلى جانب تبني سياسات مالية أكثر مرونة، تشمل توجيه الدعم للفئات الأكثر حاجة، وإعادة النظر في بعض الرسوم والضرائب خلال فترات الأزمات.
كما دعوا، إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير أدوات استباقية لامتصاص الصدمات السعرية، بما يحد من انتقال التضخم الخارجي إلى الداخل، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على التكيف مع موجات عدم اليقين المتصاعدة في البيئتين الإقليمية والدولية.
تحذيرات عالمية واسعة النطاق
وفي الأثناء، حذر صندوق النقد الدولي من مواجهة الاقتصاد العالمي، نتائج أسوأ بكثير من "السيناريو السلبي" الذي يعيشه حاليا.
ولفت الصندوق إلى أن الظروف الحالية، مع أسعار النفط التي تحوم حول 100 دولار للبرميل أو أعلى، وزبادة ضغوط التضخم، أدت بالفعل إلى تفعيل السيناريو السلبي لصندوق النقد الدولي.
أشار الصندوق، إلى أنه مع "السيناريو الأسوأ"، سيتباطأ النمو العالمي إلى 2.5 بالمائة، خلال العام الحالي، بينما سيرتفع التضخم إلى 5.4 بالمائة، في حين أن "السيناريو الأساسي"، الذي يفترض نزاعا قصير الأمد، يتوقع نموا بنسبة 3.1 بالمائة، وتضخما بنسبة 4.4 بالمائة".
وأكد الصندوق أنه يتابع عن كثب التأثير البطيء للصراع على سلاسل التوريد، مشيرا إلى ارتفاع أسعار الأسمدة بالفعل بين 30 و40 بالمائة، ما سيرفع أسعار المواد الغذائية بين 3 و6 بالمائة. وقد تتأثر قطاعات أخرى أيضا.
ويأتي التحذير، بعد أيام من تقرير آفاق أسواق السلع الأولية الصادر عن مجموعة البنك الدولي مؤخرا، الذي توقع ارتفاع أسعار السلع الأولية بوجه عام بنسبة 16 % في العام 2026 الحالي، مدفوعة بالتصاعد الحاد في أسعار الطاقة والأسمدة والمستويات القياسية، التي سجلتها أسعار عدد من المعادن الرئيسية.
ويرى البنك، أن أسعار الطاقة مرشحة للارتفاع بنسبة 24 % العام الحالي، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ الحرب في أوكرانيا 2022، في ظل الصدمة الحادة التي تلحقها الحرب الإقليمية بأسواق السلع العالمية.
انعكاس عالمي محتمل محليا
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش "إن مخاوف اندلاع مد تضخمي عالمي على وقع الاضطرابات الحاصلة في الإقليم، تتنامى بشكل كبير، وسط تحذيرات واضحة من صندوق النقد الدولي من وصول إلى العالم إلى السيناريو السلبي لهذا الصراع المندلع. التضخم في جوهره هو انعكاس لتفاعل معقد بين الطلب الكلي وتكاليف الإنتاج والسياسة النقدية، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميا، في ظل التوترات الجيوسياسية واضطرابات الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ينعكس مباشرة على معادلات التضخم عالميا ومحليا.
وأضاف أن هذه الصورة العالمية المتضطربة والارتفاع المستمر لبعض السلع عالميا، سينعكسان محليا بشكل مباشر، حيث ارتفع معدل التضخم في الأردن من نحو 1.1 % إلى 1.63 % في بداية العام الحالي، ثم إلى 1.87 % في آذار (مارس) من العام نفسه، ما يعكس ضغوطا تضخمية "معتدلة لكنها مستمرة"، وليست بمعزل عن التطورات الخارجية.
وأوضح أن طبيعة الاقتصاد الأردني، بوصفه اقتصادا مفتوحا يعتمد على الاستيراد في الغذاء والطاقة والسلع الأساسية، تجعله أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، خاصة أن واردات الغذاء والطاقة تمثل جزءا كبيرا من الاحتياجات المحلية، ما يعني انتقال أي ارتفاع خارجي مباشرة إلى الداخل.
وأشار، إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تتراوح بين 30 و40 % نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد، يمكن أن ينعكس على أسعار الغذاء بنحو 3 إلى %6، في وقت تستورد فيه المملكة ما بين 4 و5 مليارات دولار من احتياجاتها الغذائية، ما يجعل التضخم المستورد أحد أهم مصادر الضغط على الأسعار.
وأشار، إلى أن المخزونات الاستراتيجية، تلعب دورا مهما في "شراء الوقت" وتأجيل أثر الصدمات السعرية، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديا يتمثل في كلفة إعادة تعبئتها في بيئة أسعار مرتفعة، ما يعني أن أثرها يظل مؤقتا إذا طالت الأزمة.
ونوه، إلى أن ارتفاع كلف الشحن والتأمين البحري نتيجة إغلاق أو اضطراب الممرات البحرية، يرفع كلف الاستيراد بشكل كبير، وقد يخلق سلاسل إمداد بديلة أكثر كلفة، ما ينعكس في النهاية على الأسعار المحلية.
وفي ما يتعلق بالسياسات المطلوبة لإبقاء مستويات التضخم معتدلة، دعا عايش إلى أهمية تبني أدوات أكثر مرونة وابتكارا، تشمل آليات لامتصاص الصدمات السعرية بدل تمريرها الفوري للأسواق، مثل اعتماد تسعير مرن للطاقة يقوم على التعديل التدريجي، واستخدام متوسطات سعرية زمنية، لتقليل التذبذب، بدلا من الربط اللحظي بالأسعار العالمية.
كما أشار، إلى ضرورة وضع سياسات الضرائب المرنة، عبر تخفيف أو تعليق بعض الرسوم على السلع الأساسية والطاقة خلال فترات الأزمات، إلى جانب تعزيز الدعم المستهدف للفئات الأكثر تأثرا بدلا من الدعم العام.
المرحلة تتطلب مقاربات أكثر عمقا
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة "إن الاقتصاد الأردني يواجه ضغوطا تضخمية مستوردة في ظل استمرار الاضطرابات الإقليمية في الشرق الأوسط، بما في ذلك التوترات مع إيران، وما يرافقها من انعكاسات على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع عالميا".
وأكد أن التضخم لا يقتصر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل يمتد ليشكل تحديا للاستقرار الاجتماعي، ويضغط على القوة الشرائية، خصوصا لدى الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، كما ينعكس على النمو الاقتصادي ويزيد الأعباء المالية العامة والدين العام.
ولفت، إلى أن النمو الاقتصادي في الأردن ما يزال ضمن مستويات متواضعة تتراوح بين 2.7 و2.8 %، خلال العام الماضي، مع معدل بطالة يصل إلى نحو 21.4 %، ما يجعل الاقتصاد أكثر حساسية لأي صدمات سعرية إضافية. ومع ذلك، يصف المخامرة الضغوط الحالية بأنها "معتدلة نسبيا" مقارنة بدول أخرى، لكنها قابلة للتصاعد في حال استمرار الاضطرابات الإقليمية.
وأشار المخامرة، إلى أن الأدوات التقليدية مثل ضبط الأسواق، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، والسياسة النقدية المتوازنة، ساهمت في احتواء الضغوط التضخمية، لكنها تبقى غير كافية على المدى الطويل، ما لم تعالج الاختلالات البنيوية.
وبين، أن من أبرز التحديات الهيكلية اعتماد الاقتصاد الوطني الكبير على الاستيراد وارتفاع كلف الطاقة، موضحا أن الأردن يستورد نحو 96 % من احتياجاته من النفط والغاز، ما يجعله عرضة مباشرة لتقلبات الأسعار العالمية، وأي اضطرابات في ممرات الإمداد. كما أن ارتفاع كلف الشحن ينعكس على أسعار الواردات، في حين تنتقل زيادات أسعار المدخلات إلى أسعار الغذاء والسلع النهائية.
وبقصد ضبط مستويات التضخم محليا، دعا المخامرة إلى أهمية الانتقال نحو مقاربات أكثر عمقا، تقوم على تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في الاستثمار في الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة والصناعات الغذائية، إلى جانب تعزيز الاتفاقيات التجارية لتقليل الاعتماد على موردين محددين.
كما شدد على أهمية رفع كفاءة الإنفاق العام وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر حاجة، بدلا من الدعم العام، وتطوير برامج حماية اجتماعية رقمية أكثر دقة وفاعلية.
وأكد كذلك، ضرورة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإنشاء صناديق احتياط مرنة للطاقة والغذاء، إلى جانب تنفيذ إصلاحات هيكلية، تهدف إلى خفض الاعتماد على الاستيراد، وتحسين كفاءة سوق العمل والطاقة، مع توسيع التعاون الإقليمي لتطوير مشاريع طاقة مشتركة، واحتياطيات استراتيجية قادرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
التوسع في مصادر الطاقة المتجددة بزيادة مستويات الإنتاج المحلي.. خطوة أولية لضبط التضخم
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي منير دية أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من حالة عدم يقين وتقلبات جيوسياسية، انعكست بشكل مباشر على سلاسل الإمداد والتوريد، ودفعت بأسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة، سواء في النفط الذي تجاوز حاجز المائة دولار للبرميل، أو الغاز الطبيعي الذي سجل زيادات ملحوظة وصلت إلى ما بين 50 و60 %.
وبين دية، أن الاضطرابات في الممرات الحيوية، ومنها مضيق هرمز، وما تبعها من إغلاقات جزئية أو كلية، أثرت على حركة المصافي وامدادات الطاقة، كما دفعت العديد من الدول، إلى السحب من مخزونها الاستراتيجي، الأمر الذي ساهم في رفع معدلات التضخم عالميا بنسب متفاوتة، تبعا لدرجة اعتماد كل اقتصاد على الاستيراد ومدخلات الإنتاج الخارجية.
وأشار دية، إلى أن الاضطرابات التي شهدتها الممرات البحرية، مثل باب المندب ومضيق هرمز، أدت إلى ارتفاع كبير في كلف الشحن والتأمين البحري، وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 200 %، ما انعكس مباشرة على أسعار المستوردات.
وفيما يتعلق بالأردن، أوضح دية أن أبرز التداعيات تمثلت في ارتفاع كلف الطاقة، باعتبار أن أكثر من 90 % من احتياجات الطاقة مستوردة، وهو ما انعكس على أسعار المحروقات محليا، ومن ثم على قطاعات النقل والصناعة والزراعة، وصولاً إلى ارتفاع كلف السلع والخدمات بنسب متفاوتة.
وأكد أن مواجهة التضخم تتطلب توجها استراتيجيا نحو التوسع في مصادر الطاقة المحلية، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والصخر الزيتي والغاز، بما يساهم في تخفيف كلف الإنتاج وتعزيز الاستقرار السعري.
كما شدد دية، على أهمية رفع مستويات الإنتاج المحلي لزيادة المعروض في السوق، إلى جانب ضمان استمرارية سلاسل الإمداد والتوريد دون انقطاع، وتطوير الموانئ والمطارات والمنافذ البرية، بما يحد من اختلالات العرض والطلب.
وأضاف، أن ضبط كلف الإنتاج، خصوصا في قطاعي الصناعة والزراعة، يمثل عاملا محوريا في كبح التضخم، إلى جانب ضرورة مراجعة كلف الطاقة والمياه، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد وتوسيع مساراتها البديلة.