الغد-محمود خضر الشبول
في ظل استمرار التحديات المالية والتشغيلية التي تواجه قطاع النقل العام، تتجدد مطالب مشغلين وممثلين عن القطاع بتفعيل صندوق دعم نقل الركاب، ووضع آليات واضحة لتوجيه موارده.
يأتي هذا في الوقت الذي يحتاج فيه المشغلون إلى تخفيف الأعباء التشغيلية عنهم مع الحفاظ على استمرارية تقديم الخدمة وجودتها، دون تحميل الركاب أعباء إضافية من خلال رفع أجور النقل.
ويرى عاملون في القطاع أن صدور نظام إدارة صندوق دعم نقل الركاب رقم (38) لسنة 2026 يمثل فرصة للانتقال من برامج الدعم التشغيلي المؤقتة، ومنها دعم بدل المحروقات الذي صُرف خلال فترات سابقة، إلى منظومة تمويل أكثر استدامة، ترتبط بمستوى الخدمة وانتظام الرحلات، وتساعد على تحديث الأسطول وتطوير البنية التحتية للنقل العام.
وتبرز هذه المطالب في وقت يشتكي فيه مشغلون من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وكلف الصيانة والتراخيص والرسوم، بالتزامن مع تراجع الإيرادات نتيجة المنافسة من خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية والمركبات الخصوصية التي تعمل مقابل أجر، مؤكدين أن استمرار هذه الضغوط دون حلول تمويلية مناسبة قد يؤثر في قدرتهم على المحافظة على مستوى الخدمة.
ويطرح النظام الجديد تساؤلات حول آليات توجيه الدعم، ومدى شموله المشغلين الأفراد والشركات، وعلاقته ببرامج دعم المحروقات السابقة، إلى جانب إمكانية ربط المخصصات المالية بمؤشرات الأداء والتوسع في خدمات النقل المنتظم، بما يحقق منفعة مشتركة للمشغلين والركاب.
مطالب بدعم مستدام وربطه بجودة الخدمة
وفي هذا السياق، أكد نائب نقيب أصحاب الحافلات الأردنية جهاد الصفدي أن النقابة تطالب باستمرار بدعم قطاع النقل العام، باعتباره مكونًا أساسيًا في منظومة النقل، مشيرًا إلى أن المشغلين يواجهون تحديات متزايدة تتعلق بارتفاع كلف التشغيل وارتفاع أسعار المشتقات النفطية والمنافسة من المركبات العاملة من خلال التطبيقات الذكية والمركبات الخصوصية العاملة مقابل أجر.
وأوضح الصفدي أن رفع أجور النقل ليس خيارًا يصب في مصلحة المشغلين أو الركاب، ما يستدعي البحث عن حلول بديلة تضمن استمرارية الخدمة وتخفف الضغوط المالية عن العاملين في القطاع.
وأشار إلى أن الحكومة قدمت دعمًا مباشرًا للنقل العام عام 2022 نظرا لارتفاع أسعار المشتقات النفطية مقابل عدم رفع أجور النقل، لكنه استمر لفترة قصيرة قبل توقفه، ثم استؤنف خلال عام 2024 لعدة أشهر قبل توقفه مجددًا، لافتًا إلى أن المراجعات مع الجهات المعنية أرجعت توقف الدعم إلى عدم توفر المخصصات المالية اللازمة.
وبين أن النقابة تقدمت بمقترحات إلى هيئة تنظيم النقل البري تتعلق بتوجيه الدعم إلى المشغلين المنظمين ضمن شركات، وتشجيع المشغلين الأفراد على الائتلاف ضمن شركات إدارة، إلى جانب ربط الدعم بتقديم خدمات نقل منتظمة وفق ترددات ومواعيد محددة.
وأضاف أن هذه الآلية يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة النقل العام من خلال تعزيز أنظمة الرقابة والتتبع والدفع الإلكتروني، وتخفيف الأعباء التشغيلية عن المشغلين، بما يشجع المواطنين على استخدام وسائل النقل العام.
وطالب الصفدي بتخفيض الضرائب المفروضة على المشتقات النفطية المستخدمة في النقل العام، وإتاحة قروض دون فوائد من خلال الصندوق للمشغلين، لتمكينهم من تحديث الأسطول واستبدال الحافلات التي انتهى عمرها التشغيلي.
وشدد على أهمية تسريع الإجراءات التنفيذية المتعلقة بالصندوق، ووضع تعليمات تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحقق التوازن بين المحافظة على استدامة القطاع وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
ومن جانبه، قال أمين سر نقابة أصحاب الحافلات الأردنية وصاحب شركة نقل عصمت جرادات إن دعم بدل المحروقات المباشر أسهم خلال فترات صرفه في تخفيف جزء من الكلف التشغيلية، خصوصًا أن أجور النقل، بحسب قوله، لم تشهد منذ عام 2018 سوى زيادة واحدة محدودة لم تكن كافية لمواكبة ارتفاع النفقات.
وأوضح جرادات أن المشغلين يواجهون ارتفاعًا في الكلف مقابل تراجع الإيرادات نتيجة المنافسة من التطبيقات الذكية والمركبات الخصوصية العاملة مقابل أجر، مقدرًا انخفاض إيرادات بعض المشغلين بنسب تراوحت بين 40 % إلى 55 %.
واقترح جرادات اعتماد آليات دعم ترتبط بالأداء الفعلي، من بينها احتساب الدعم وفق المسافات المقطوعة، بما يشجع المشغلين على الالتزام بتقديم الخدمة ويضمن توجيه الموارد المالية بصورة أكثر ارتباطًا بالنشاط التشغيلي.
ودعا إلى توسيع مشروع النقل المنتظم ليشمل الخطوط الفرعية والمغذية، وعدم اقتصاره على الخطوط الرئيسية بين المحافظات، موضحًا أن تكامل الشبكة يسهم في زيادة أعداد المستخدمين وتحسين إيرادات المشغلين، ويتيح توسيع نطاق الاستفادة من برامج الدعم.
وأكد جرادات أهمية وضع معايير واضحة للاستفادة من صندوق دعم نقل الركاب، وإتاحة قروض بفوائد منخفضة لتحديث الحافلات، إلى جانب توجيه جزء من موارده لتطوير محطات التحميل والتنزيل ومظلات انتظار الركاب وتحسين الترددات الزمنية، بما يعزز ثقة المواطنين بالنقل العام.
مشغلون يطالبون بتخفيف الكلف وتوسيع مظلة الدعم
من جهته، قال صاحب سرفيس يعمل على خط مجمع المحطة–ماركا الجنوبية رمزي الزبون، إن مشغلي السرافيس يواجهون أعباء مالية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وكلف الصيانة سواء الدورية او الطارئة، في وقت لا تتناسب فيه الإيرادات مع حجم النفقات التشغيلية.
وأشار الزبون إلى أن الدعم الحكومي الذي خصص للنقل العام عام 2022، وشمل مركبات السرفيس، صُرف لفترة محدودة قبل توقفه، ثم استأنف خلال عام 2024 لعدة أشهر قبل أن يتوقف مجددًا.
وأضاف: "الزيادة المحدودة التي طرأت على أجور النقل خلال السنوات الماضية لم تكن كافية لتعويض ارتفاع الكلف، داعيًا إلى مراجعة آلية احتساب الأجور بصورة دورية، بما يراعي المتغيرات التشغيلية وظروف الخطوط.
وأكد ضرورة شمول مشغلي السرافيس ببرامج الدعم، خصوصًا في ظل المنافسة المتزايدة من التطبيقات الذكية والمركبات الخصوصية التي تعمل مقابل أجر، مشيرًا إلى أن استمرار ارتفاع النفقات دون إجراءات مساندة يضع ضغوطًا إضافية على المشغلين الأفراد.
بدوره، أكد منير الشطناوي صاحب شركة نقل أهمية إعادة تقديم الدعم للمشغلين، موضحًا أن القطاع يواجه تحديات متراكمة تتعلق بارتفاع أسعار المحروقات وكلف التراخيص والصيانة والرسوم، إلى جانب المنافسة التي تؤثر على حجم الإيرادات.
وبين الشطناوي أن الدعم الحكومي بدل المحروقات صُرف خلال فترتين متقطعتين قبل توقفه، في حين لم تشهد أجور النقل سوى زيادة محدودة لا تغطي، بحسب تقديره، الارتفاع في الكلف التشغيلية.
وأشار إلى أن استمرار هذه الظروف يستدعي تدخلًا حكوميًا من خلال الدعم المباشر أو غير المباشر، وتفعيل أدوات صندوق دعم نقل الركاب، بما يتيح للمشغلين الاستمرار في تقديم الخدمة والمحافظة على جاهزية الأسطول وتحديثه.
وشدد على ضرورة تطوير خطط تنظيم النقل العام بصورة تضمن حقوق المشغلين وتحافظ في الوقت نفسه على مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين، لافتًا إلى الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لاستدامة النقل العام.
صندوق دعم الركاب.. إطار تمويلي أوسع
وكان نظام إدارة صندوق دعم نقل الركاب رقم (38) لسنة 2026 صدر في الجريدة الرسمية خلال تموز(يوليو) الماضي، استنادًا إلى قانون تنظيم نقل الركاب رقم (19) لسنة 2017، بهدف تنظيم إدارة موارد الصندوق وتحديد آليات الدعم والتمويل والاستثمار الموجهة لتطوير خدمات النقل العام.
ويتضمن النظام تشكيل لجنة لإدارة الصندوق وتحديد صلاحياتها، وإتاحة تقديم المنح والقروض والحوافز للمستفيدين، إلى جانب تمويل مشاريع تطوير البنية التحتية وأنظمة النقل الذكية وبرامج بناء القدرات في القطاع، كما يجيز الاستثمار في المشاريع وإقامة الشراكات التي تسهم في تطوير خدمات النقل العام.
وتشمل أهدافه بحسب بيان سابق نشرته وزارة النقل دعم تطوير خدمات النقل العام والمشغلين، والمساهمة في تخفيف أجور النقل عن فئات مستهدفة، من بينها طلبة الجامعات الرسمية والأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن، إلى جانب تمويل تحديث الأسطول وإدخال الأنظمة الذكية.
ويختلف الإطار التمويلي للصندوق عن برامج بدل المحروقات التي تحدث عنها المشغلون، إذ يتيح النظام أدوات متعددة للدعم والاستثمار، ولا يقتصر على المساهمة في تغطية كلف الوقود، غير أن تحديد العلاقة المالية بين الصندوق وبرامج الدعم التشغيلي، وحجم المبالغ المصروفة من موارده، يحتاج إلى بيانات تنفيذية رسمية.
وتعيد مطالب المشغلين طرح مسألة آليات توزيع الدعم ومعايير الاستفادة منه، ومدى إمكانية ربط التمويل بالالتزام بالترددات الزمنية والمسافات المقطوعة وجودة الخدمة، بما يحقق التوازن بين تخفيف الأعباء المالية عن المشغلين وتحسين خدمات النقل المقدمة للمواطنين.
كما تبرز أهمية تحديد نطاق شمول المشغلين الأفراد والشركات، ومدى استفادة الخطوط الفرعية والمغذية من أدوات التمويل الجديدة، خصوصًا مع التوسع في مشاريع النقل المنتظم بين المحافظات.
وفي ضوء هذه المطالب، يبقى التحدي المرتبط بتطبيق الصندوق متمثلًا في تحويل الإطار التشريعي إلى برامج دعم واضحة المعايير والتمويل، تضمن استمرارية خدمات النقل العام وتطويرها، مع المحافظة على قدرة المواطنين على تحمل أجور التنقل.