أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    24-Feb-2026

كيف يسهم التنبؤ الاقتصادي باتخاذ قرارات مصيرية؟

 الغد-عبدالرحمن الخوالدة

 في ظل هشاشة المشهد العالمي والإقليمي على الصعيد الاقتصادي والسياسي منذ عدة سنوات، تطفو على السطح بين الحين والآخر متغيرات وأزمات اقتصادية "غير محسوبة".
 
 
ومع تضخم هذه الحالة وسط أجواء إقليمية ملبدة باحتمالات تصعيد أميركي– إيراني، وتنامي مستويات اللايقين السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم، عدا عن التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الأردني، تبدو الحاجة ملحة أردنيا للالتفات إلى استحداث أدوات وطنية للتنبؤ الاقتصادي، قادرة على تقييم الواقع الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري والمعيشي في المملكة، والتخفيف من حدة التأثر بالأزمات المحيطة.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن بناء منظومة وطنية متكاملة للتنبؤ لم يعد خيارا تقنيا يمكن تأجيله، بل يمثل ركيزة مؤسسية لتعزيز استقلالية القرار الاقتصادي ورفع جودة التخطيط المالي والنقدي.
ويرى هؤلاء أن الاقتصادات التي تفتقر إلى أدوات قراءة استباقية لمسارات النمو والتضخم والعجز والدين، تبقى أكثر عرضة لسياسات قصيرة الأجل قائمة على ردود الفعل، بدل التخطيط المبني على تحليل المسارات والسيناريوهات.
ودعا الخبراء إلى ضرورة تطوير نماذج وطنية تستند إلى بيانات محلية دقيقة ومحدثة، قادرة على محاكاة أثر السياسات قبل إقرارها، سواء تعلق الأمر برفع الدعم، أو تعديل الضرائب، أو توجيه الإنفاق الرأسمالي، أو إدارة الدين العام، فضلا عن ضرورة إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في أدوات التنبؤ يمثل نقلة نوعية في قدرة الدولة على قراءة الاتجاهات واستخلاص الأنماط، وتسريع الاستجابة للصدمات، خصوصا في اقتصاد يتأثر سريعا بالمتغيرات الإقليمية والدولية.
كما شددوا على أهمية إنشاء مستودع بيانات وطني يشكل مرجعية تحليلية موحدة، تغذي النماذج الاقتصادية وتدعم بناء سيناريوهات متعددة، بما يتيح تقدير المخاطر وتقليل كلفة المفاجآت.
ويقصد بأدوات التنبؤ الاقتصادي أنها علمية منهجية تقوم على استخدام البيانات التاريخية، والنماذج الإحصائية والاقتصادية، وتحليل الاتجاهات، من أجل اشتقاق تقديرات مستقبلية لمتغيرات رئيسة مثل النمو، والتضخم، والبطالة، والإيرادات العامة، والعجز، وسعر الصرف، والدين العام.
التنبؤ الاقتصادي حجر الزاوية في بناء سياسات مالية ونقدية واستثمارية رشيدة
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش "إن التنبؤ الاقتصادي يشكل حجر الزاوية في بناء سياسات مالية ونقدية واستثمارية رشيدة"، مبينا أن أهمية التنبؤ تنبع من كونه يستند إلى أرضية تاريخية فعلية، وليس إلى تقديرات عشوائية، ما يجعله أكثر إدراكا للواقع الاقتصادي والاجتماعي والمالي والاستثماري والمعيشي في الدولة، وأكثر قدرة على توفير مرجعيات موثوقة تستند إلى المسار الذي أوصل الاقتصاد إلى حالته الراهنة، سواء كانت نتائجه إيجابية أم سلبية.
وأوضح عايش أن الحكومات تحتاج إلى منظومة متكاملة من أشكال التنبؤ، تبدأ بالتنبؤ الكلي قصير ومتوسط الأجل، الذي يشمل توقعات العجز في الموازنة، والبطالة، والعجز في الميزان التجاري، والتضخم، والنمو، ويوازيه التنبؤ المالي والضريبي المرتبط بتقدير الإيرادات الضريبية، والإنفاق العام، وكلفة خدمة الدين، إضافة إلى التنبؤ النقدي المتعلق بمسارات السيولة، والتضخم، والفائدة، وسعر الصرف، والضغوط النقدية.
وأشار إلى أهمية التنبؤ القطاعي الذي يغطي قطاعات الطاقة، والمياه، والصناعة، والإنشاءات، والزراعة، والتكنولوجيا، والأدوية وغيرها، إلى جانب التنبؤ الديموغرافي وسوق العمل، الذي يعنى بتقدير الطلب على الوظائف، واتجاهات الهجرة، ونمو السكان، وأنماط البطالة.
كما لفت إلى التنبؤ الاجتماعي القائم على معدلات الفقر، ودخل الأسرة، وأنماط الإنفاق، فضلا عن نماذج السيناريوهات والمخاطر المرتبطة بالأزمات المالية، أو التغير المناخي، أو الصدمات الطاقية والإقليمية.
وأكد أن هذه الأشكال مجتمعة تشكل منظومة مترابطة تسند عملية صنع القرار، وتحولها من ردود فعل متأخرة إلى تخطيط استباقي قائم على البيانات، فالدولة التي لا تمتلك أدوات تنبؤ دقيقة تعجز عن تقدير حجم مواردها قبل إقرار الموازنة، ولا تستطيع استباق الضغوط التضخمية والمالية، أو تقييم أثر قراراتها قبل تنفيذها، ما يرفع كلفة الأخطاء ويضعف كفاءة تخصيص الموارد.
وأضاف: "أدوات التنبؤ تساعد في إعداد موازنات مبنية على تقديرات واقعية للإيرادات، وتمنع تضخيمها ومن ثم تضخيم النفقات والوقوع في عجز متفاقم وزيادة الدين وكلفة خدمته، كما تمكن من تقدير سقف العجز الممكن تحمله، وحساب أثر أي تعديل ضريبي أو دعم حكومي على التضخم والنمو، وتحديد حجم الإنفاق الملائم ضمن حدود الإمكانات المتاحة".
وعلى الصعيد الاستراتيجي، أوضح عايش أن التنبؤ يسهم في تقييم جدوى مشاريع البنية التحتية الكبرى قبل إطلاقها، وقياس أثر إصلاحات الدعم والضرائب والسياسات المختلفة، وتحليل استدامة الدين والإيرادات الضريبية، واختيار القطاعات الأعلى عائدا على المدى المتوسط والطويل لتحفيزها، كما يعزز التخطيط الاستثماري، ويزيد من جاذبية بيئة الأعمال عبر تقليل درجة عدم اليقين، لا سيما في مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال بناء سيناريوهات متعددة: أساسي، وأفضل، وأسوأ.
 نقص الكفاءات المتخصصة في الاقتصاد القياسي والخبرات الاكتوارية
 وبيّن أن غياب أدوات التنبؤ الوطنية يدفع الدول إلى الاعتماد على توقعات مؤسسات دولية، أو نماذج خارجية، أو تقديرات بنوك ومكاتب دراسات قد لا تعكس خصوصية الاقتصاد المحلي، من حيث هيكل الاستهلاك، أو حجم الاقتصاد غير الرسمي، أو سلوك القطاع المصرفي، ما قد يؤدي إلى سياسات غير منسجمة مع الواقع الداخلي. وأشار إلى أن أبرز التحديات أمام استحداث أدوات تنبؤ وطنية تتمثل في كلفة بناء قواعد بيانات متكاملة وتحديثها المستمر، وتطوير نماذج اقتصادية متقدمة، ونقص الكفاءات المتخصصة في الاقتصاد القياسي وتحليل البيانات والخبرات الاكتوارية، إضافة إلى هجرة الكفاءات، وضعف التكامل بين الوزارات والمؤسسات الاقتصادية، فضلا عن مشكلات جودة البيانات وتأخر نشرها وصعوبة قياس بعض الأنشطة، لا سيما الاقتصاد غير الرسمي.
 ولفت إلى أن رفع جودة القرار الاقتصادي يرتبط بوجود بنية بيانات متكاملة، تقوم على إنشاء مستودع بيانات مركزي تُجمع فيه المعلومات من مصادر متعددة داخل الدولة أو المؤسسة، ثم تُنظَّم وتُخزَّن بطريقة تتيح تحليلها بشكل منهجي، وإصدار تقارير دقيقة، وصياغة سياسات مبنية على الأدلة، موضحا أن هذا المستودع لا يمثل مجرد قاعدة بيانات كبيرة، بل منصة تحليلية متخصصة تستخدم في دعم عمليات التنبؤ، وتغذية النماذج الاقتصادية، وبناء السيناريوهات المستقبلية.
غياب أدوات التنبؤ المحلية يزيد من احتمالية اتخاذ قرارات متأخرة
 من جانبه قال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة إن غياب قراءة استباقية للمؤشرات الرئيسية يبقي الاقتصاد رهين السياسات قصيرة الأجل وإن وجود أدوات وطنية قوية ومعتمدة للتنبؤ الاقتصادي يمثل ركيزة أساسية لتعزيز قدرة الأردن على فهم الواقع الاقتصادي والتحضير للمستقبل، إذ تكمن أهميتها في تحسين جودة التخطيط الاقتصادي وتوفر رؤية مستقبلية مبنية على بيانات وإحصائيات محلية، مما يساهم في إعداد خطط اقتصادية واقعية".
 كما تساعد هذه الأدوات في توقع الأزمات التي قد تظهر أو توقع فرص اقتصادية قبل حدوثها.
وأضاف "إن وجودها يساهم في تقليل الاعتماد على التقديرات الخارجية؛ حيث إن بيانات المؤسسات الدولية قد لا تعكس بدقة الواقع المحلي أو أولوياته، كما أن وجود أدوات وطنية يزيد من استقلالية القرار الاقتصادي ويساعد على تخصيص الموارد بشكل أفضل، علاوة على المساهمة في التقليل من المخاطر المالية؛ حيث إن التنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية (مثل التضخم، والبطالة، ونسب النمو) يمكّن الحكومة والمؤسسات المالية من تسريع الاستجابة للصدمات الاقتصادية، فضلا عن دورها الكبير في تعزيز الثقة لدى المستثمرين".
ولفت إلى أن توفر أدوات وطنية موثوقة سيعزز شفافية الأداء الاقتصادي ويشجع على الاستثمار الداخلي والخارجي.
وأوضح أنه يمكن لأدوات التنبؤ أن تساعد الحكومة في التخطيط المالي واتخاذ القرارات الاقتصادية الإستراتيجية من خلال توقع الإيرادات والنفقات؛ إذ تساعد في تقدير العوائد المستقبلية للضرائب، ومعرفة تأثير السياسات المالية إذا ما تم رفع الدعم أو فرض ضرائب جديدة، علاوة على دورها في المساهمة في إدارة الدين العام؛ إذ إنه من خلال طرح سيناريوهات تقديرية يمكن تحديد متى وكيف يتم سداد الديون، ووضع إستراتيجيات لتخفيف مشاكل السيولة، إضافة إلى رصد التأثيرات الاقتصادية للسياسات الحكومية.
ولفت المخامرة إلى أن غياب أدوات التنبؤ يجعل صانع القرار يعتمد على مؤشرات خارجية غير دقيقة والاعتماد على مؤشرات عالمية قد لا تكون مختصة بالخصائص المحلية، بالإضافة إلى الاعتماد على تقارير دولية تعتمد تقديرات عامة وليست مفصلة. بعبارة أخرى، فإن غياب أدوات التنبؤ المحلية يزيد من احتمالية اتخاذ قرارات متأخرة أو غير مناسبة للظروف الحقيقية. من جهة أخرى، أشار المخامرة إلى أن الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة يمثلان نقلة نوعية في أدوات التنبؤ الاقتصادي، حيث يساهم الذكاء الاصطناعي في استخراج الأنماط الخفية في البيانات بسرعة، ومعالجة عدد كبير من نقاط البيانات مثل حركة الأسواق، واستهلاك الطاقة، والمعاملات المصرفية، وكذلك اكتشاف أنماط غير خطية وتأثيرات غير مباشرة يصعب على النماذج التقليدية التقاطها، مما يزيد الدقة والسرعة في عدة سيناريوهات اقتصادية، خاصة في اقتصادات سريعة التغير مثل الأردن.
 أدوات التنبؤ الوطنية تعد ضرورة لتعزيز القدرة على قراءة المسارات الاقتصادية
 بدوره، أكد رئيس مركز الفيتيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن التنبؤ الاقتصادي أصبح اليوم أكثر صعوبة وتعقيدا، وأحيانا يقترب من "التكهن" بسبب كثرة المتغيرات وتسارع تغيرها، خصوصا مع التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وارتفاع مستوى عدم اليقين خلال السنوات الأخيرة، في عالم يُعاد تشكيله استراتيجيا بشكل متسارع (اقتصاديا وسياسيا).
 واستدرك عوض: مع ذلك، لا تفقد أدوات التنبؤ قيمتها؛ بل تزداد أهميتها عندما تستخدم كأدوات لإدارة المخاطر وبناء السيناريوهات، لا كوعود يقينية بدقة النتائج، كما أن التطورات في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليل المتقدم للبيانات جعلت بناء نماذج متعددة الفرضيات والسيناريوهات أكثر إمكانية وواقعية.
بالنسبة للأردن، يرى عوض أن أدوات التنبؤ الوطنية تعد ضرورة لتعزيز القدرة على قراءة المسارات الاقتصادية بمرجعية محلية، وتقليل الاعتماد على تقديرات خارجية قد تكون عامة أو غير مناسبة لخصوصية الاقتصاد الأردني.
وقال: "هذه الأدوات تساعد الحكومة في التخطيط المالي عبر تقدير الإيرادات والنفقات ضمن سيناريوهات مختلفة، ومحاكاة أثر المتغيرات الأساسية التي تؤثر على مسار الاقتصاد مثل تغير أسعار الطاقة والفائدة، وغيرها من المتغيرات، وتقدير تطور خدمة الدين والعجز، وقياس نتائج السياسات قبل تطبيقها".
وأضاف: "كما تؤدي دورا محوريا في دعم الإصلاحات الهيكلية عبر تقدير كلفتها قصيرة الأجل وآثارها على النمو والتشغيل والعدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، ما يرفع جودة ترتيب الأولويات ويحد من المخاطر السياسية والاجتماعية ويمكن دمج نتائج التنبؤ في سياسات الاستثمار العام والخاص بتوجيه الإنفاق الرأسمالي نحو القطاعات الأعلى أثرا".
وأشار عوض إلى أن أبرز التحديات التي تواجهنا في الأردن في التنبؤ الاقتصادي تتمثل في فجوات البيانات الأساسية التي تشمل مختلف القطاعات الاقتصادية، وضعف التنسيق المؤسسي، ومع ذلك، يبقى تطوير أدوات تنبؤ وطنية استثمارا إستراتيجيا لتحسين السياسات.