الغد-عبدالله الربيحات
منذ اندلاع الحرب الأميركية والاحتلال الإسرائيلي وإيران في المنطقة العربية، بات إغلاق مضيق هرمز يشكل ضغطا كبيرا على وصول موارد الطاقة والغذاء في العالم، ولم يكن الأردن خارج هذه الدائرة، ما يطرح تساؤلات حول ما قامت به الحكومة من خطط وإجراءات، تعزز وصول المنتجات الزراعية وانسابيتها إلى الأسواق.
ويرى خبراء في الزراعة أن الجهات الرسمية المعنية، قد تكون بدأت باتخاذ إجراءات وإطلاق مبادرات عدة، لمواجهة الأزمة الراهنة، بخاصة بعد إعلان حزمة من إجراءات تتعلق بتأمين المنتجات الزراعية.
وأشاروا إلى أن الأزمة الإقليمية الراهنة، تُعطل سلاسل الإمدادات الغذائية، وتعكّر وفرة السلع الأساسية في الأردن، لذا يجب أن تتكامل جهود مؤسسات الدولة، وأن يلعب أصحاب القرار التجاري والصناعي والتمويني، ومعهم أصحاب القرار المالي، دوراً حيوياً في إدارة ملفات الاستيراد والتوزيع والرقابة على الأسواق.
وأشاروا لأهمية الارتباط الوثيق بين هذه الجهات وتكامُل أدوارها، بما يمكن من تخفيف آثار الأزمة على المواطن، وان تضمن وزارة الصناعة والتجارة والتموين تدفق السلع، وأن تزيد "الزراعة" الطاقات الإنتاجية، وان تسهم وزارتي الداخلية والتنمية الاجتماعية بمتابعة وحماية الأكثر ضعفاً من وطأة الغلاء، وأن تطلق مبادرات تكامليّة في هذا الإطار، لنتمكن من تعزيز المرونة الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة تقلبات الأسواق الإقليمية، والمحافظة على استقرار السلة الغذائية الأساسية للمواطن.
إجراءات عاجلة لحماية الإنتاج الغذائي
مساعد الأمين العام للتسويق بوزارة لزراعة خليل عمرو، أكد اتخاذ الوزارة منذ اندلاع الحرب، إجراءات عاجلة لحماية الإنتاج الغذائي وضمان استمراريته، من بينها وقف تصدير الخراف الحية إلى دول الخليج، بخاصة وان نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء في المملكة تصل لـ42 %، ويسعى هذا الوقف، إلى الحد من ارتفاع أسعار لحوم الضأن في السوق المحلي، في ظل ارتفاع أسعار اللحوم في دول المنشأ، ووجود محاذير صحية على استيراد الضأن من دول كرومانيا وإسبانيا وسورية.
وبين عمرو، انه جرى التعامل مع معيقات حركة الطيران بعد تأخر وصول إرساليات لحوم طازجة تجاوزت فترة وصولها المسموحة 96 ساعة، بالسماح لهذه الإرساليات بالدخول، بعد إخضاعها للفحص في مسلخ أمانة عمّان الكبرى، والتأكد من سلامتها وصلاحيتها للاستهلاك. كما سمح باستيراد اللحوم من مناشئها الأصلية، مروراً عبر بلد ثالث لضمان استمرارية توريدها وتجاوز معيقات النقل.
ولفت إلى متابعة توفير مدخلات إنتاج قطاع الدواجن من الأعلاف وبيض التفريخ والصوص اللاحم، مبينا انه يتوفر شهرياً نحو 40 مليون بيضة تفريخ، ويكفي مخزون أعلاف الدواجن لنحو 110 أيام.
وأوضح انه لضمان استقرار إنتاج الدواجن، تشير المتابعات لانتظام دورة إنتاجها ووفرة المعروض منها، مع بلوغ مخزون لحوم الدواجن المجمدة من المنتج المحلي نحو 4.5 آلاف طن، مقارنة بألف طن العام الماضي، وكما يجري ذبح 930 ألف طير يومياً، إلى جانب توافر فائض في إنتاج بيض المائدة محلياً، وتقييد صادرات الدواجن بحيث لا يسمح بتصدير الأوزان الأكبر من 1000 غرام.
واكد عمرو، أن هناك متابعة حثيثة يوميا لمخزون الخضراوات والفواكه في مستودعات الجمارك (البوندد) والتبريد، كما يجري رصد الإنتاج المحلي وواردات الأسواق المركزية وحركة الصادرات عبر المعابر الحدودية.
وأضاف أن حركة الصادرات الزراعية تقيم باستمرار، بما يضمن عدم التأثير على احتياجات السوق المحلي، فقد علقت صادرات الخيار والبندورة حتى نهاية شهر رمضان الماضي، وجدد تعليق تصدير البندورة لحين طرح كميات كافية منها في الأسواق. مؤكدا متابعة مخزون مدخلات الإنتاج الزراعي من بذور وأسمدة ومبيدات وأعلاف دواجن، وإزالة أي معيقات تعترض انسيابها للأسواق طول 24 ساعة.
الحفاظ على منسوب تدفق الغذاء للأسواق
الخبير د. فاضل الزعبي، قال مع إعلان الحكومة حزمه إجراءات للحفاظ على منسوب تدفق المواد الغذائية إلى الأسواق، فيجب أن تتكامل جهود مؤسسات الدولة كافة في هذا النطاق، وأن تتحمل كل وزارة ومؤسسة مسؤولياتها، أي أنه على وزارة الصناعة والتجارة الإسراع بعمل منظومة الجمارك حين الحاجة، لتسهيل دخول المواد الغذائية الأساسية بأسعار مدعومة أو معفاة من الرسوم، وتعزيز الرقابة على الأسعار لمنع الاحتكار والمضاربات التي تنذر بارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية. كما عليها ضمان تنويع مصادر الاستيراد الإستراتيجية.
وأضاف، أنه يجب البحث عن أسواق بديلة أو شراكات إقليمية لتأمين القمح والسكر والزيوت، لإبقاء مخزونات آمنة كافية لاستخدامها عند الحاجة الملحة، والإجازة للوزارات بالتنسيق مع وزارة المالية في تنفيذ برامج دعم مالي أو تمويل استثنائي للمستوردين المحليين لسلع أساسية، لمنع شحّ المعروض واحتواء التضخم في الأسواق.
وأضاف الزعبي، يفترض بأصحاب القرار الزراعي تولي تطوير القدرة الإنتاجية المحلية للغذاء، لمواجهة نقص الاستيراد المحتمل، وتخفيف الضغط على السلة الغذائية، وهذا يبدأ بدعم المزارعين وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة (بذار وأسمدة ومعدات)، وتنظيم وحماية المساحات الزراعية الإنتاجية، لان الأمن الغذائي أولوية وطنية.
ولفت إلى وجوب تكثيف برامج تعميم الزراعتين المكثّفة والمائية، خصوصاً لمنتجات لا تزرع محلياً بكثرة كالخضراوات والفواكه، وتشجيع الزراعة المنزلية والمشتركات الإنتاجية لزيادة المعروض، وتعزيز جهود حفظ المحاصيل وتخزينها، عبر الجمعيات التعاونية الزراعية ومحطات فرز وتبريد وتخزين حديثة، وتفعيل السلاسل اللوجستية بين المناطق الزراعية والأسواق الحضرية، لتقليل الهدر وضمان وصول الإنتاج سريعاً.
وفي ظل ندرة المياه، أوضح الزعبي، ضرورة وضع خطط فورية لتحسين إدارة المياه في الزراعة، بتشجيع التقنيات الموفرة للمياه (ريّ بالتنقيط، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي) وعقد شراكة مع المياه، لتوزيع حصص الري بإنصاف بين المناطق. كل هذه الإجراءات الزراعية، تعزز الأمن الغذائي الداخلي وتخفف الاعتماد على أسواق الخارج في ظل أي اقتراب لأزمةٍ استيرادية أو ارتفاع حاد في الأسعار العالمية.
وأشار إلى انه يقع على عاتق التنمية الاجتماعية، مسؤولية حماية الطبقات الأشد ضعفاً من التضخم الجنوني في الأسعار التي ترفع تكلفة المعيشة، فهي الجهة المنوط بها تفعيل برامج الحماية الاجتماعية الطارئة (كـ"تكافل" أو "تمكين")، وزيادة موازنات الدعم المخصص للأسر محدودة الدخل، بالإضافة لتوزيع السلال الغذائية المجانية أو المدعومة عبر فروعها بالمحافظات.
كما لفت لأهمية التعاون مع البلديات والجمعيات الخيرية، لتأمين قنوات توزيع غذائية حتى لأكثر المناطق تهميشاً، وربطاً مع مؤسسات التموين، بغض النظر عن الإجراءات التجارية. وبالتوازي، يجب أن يكون مستشاروها حاضرون في مجلس التسعير أو اللجان الحكومية المعنية لمراقبة الأسواق، ورفع تقارير فورية عن أثر أي ارتفاع للسلع على الأسر المستهدفة، واقتراح حلول فورية (مثل تقديم قسائم شراء مدعومة لفترة معينة).
أما خريطة الفاعلين في هذا المجال، فينبغي وفق الزعبي، أن تشمل في المقام الأول؛ المياه والريّ، كونها الجهة المسؤولة عن توفيرها للزراعة، لتأمين توزيعها العادل للمزارعين، وتطوير مشاريع جديدة لمصادر المياه العادمة المعالجة، لضمان استدامة الإنتاج الزراعي. كما يُمكن لجهات التخطيط والتعاون الدولي، إيلاء الموضوع أهمية في الحوار مع المانحين والمؤسسات الدولية، للحصول على تمويلات طارئة لدعـم الأمن الغذائي، وكذلك دعم الأبحاث الزراعية غير التقليدية وتحسين أنواع المحاصيل.
وأضاف، علينا تعديل أو إلغاء الضرائب والرسوم الجمركية على أهمِّ مستلزمات الإنتاج الزراعي والغذائي والنباتي والأخضر، وإعادة النظر في السياسة المالية لتخفيف عبء الاقتصاد الكلي على الأسعار.
وقال الزعبي، إن الارتباط الوثيق بين هذه الجهات وتكامُل أدوارها، يمكنه التخفيف من آثار الأزمة على المواطن، بحيث تضمن الصناعة والتجارة والتموين تدفق السلع، والزراعة تزيد الطاقات الإنتاجية والداخلية، والتنمية الاجتماعية تحمي الأكثر ضعفاً من وطأة الغلاء. وبمبادرات تكامليّة نعزز المرونة الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة تقلبات الأسواق الإقليمية، ونحافظ على استقرار السلة الغذائية الأساسية للمواطن.
رفع الطاقة الاستيعابية لصوامع الحبوب
وبين الخبير د. نبيل بني هاني، أن الأردن وضع تأمين الغذاء على رأس أولوياته السيادية، إذ يوصى برفع الطاقة الاستيعابية لصوامع الحبوب، لتكفي احتياجاته لمدد زمنية آمنة تتجاوز العام، وتنويع سلاسل التوريد والبحث عن مسارات بديلة، لضمان تدفق السلع الأساسية دون انقطاع، واستمرارية مراقبة المخزون لضمان استقرار الأسواق في مواجهة أي اضطرابات إقليمية، قد تؤثر على طرق الشحن التقليدية.
وأضاف بني هاني، أنه يجب دعم الإنتاج المحلي والابتكار الزراعي، والاعتماد على الذات لأنه صمام الأمان الحقيقي؛ لذا علينا وضع تسهيلات لدعم المزارعين والمنتجين المحليين، لزيادة رقعة المحاصيل الاستراتيجية، بدمج التكنولوجيا الحديثة في الري، وتقليل كلف الطاقة، والسعي لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرصة لتعزيز "صنع في الأردن"، بما يضمن توافر المنتج الوطني بجودة عالية وأسعار عادلة، تنافس السلع المستوردة المتأثرة بتكاليف الشحن.
وأضاف أن الرقابة الصارمة وحماية المستهلك من الغلاء تكمن في عدم التهاون بحماية القوة الشرائية للمواطن؛ وتفعيل فرق الرقابة والتفتيش لتعمل على مدار الساعة، لضبط إيقاع الأسواق ومنع أي محاولات للاحتكار أو الرفع غير المبرر للأسعار. ووضع سقوف سعرية للمواد الأساسية عند الضرورة، وبالتوازي مع ذلك، نستمر بتعزيز برامج الحماية الاجتماعية لدعم الأسر العفيفة، وضمان وصول الدعم لمستحقيه، في ظل موجات التضخم العالمية والإقليمية.
كذلك يجب تطوير اللوجستيات والممرات التجارية البديلة، استجابة لإغلاقات الممرات البحرية، بحيث يعمل الأردن على تحويل ميناء العقبة إلى مركز لوجستي مرن، يربط التجارة البرية والبحرية بكفاءة عالية عبر التنسيق بشكل مكثف مع دول الجوار، لتفعيل خطوط نقل برية سريعة، وتسهيل الإجراءات الجمركية، ما يقلل من زمن وصول البضائع والتكاليف الإضافية الناتجة عن تأخر الشحن، ويضمن استمرارية انسياب السلع من وإلى المملكة دون عوائق.
عدم التهافت العفوي على المشتريات
الخبير د. سميح أبو بكر، أكد أن الإقليم يعيش حالة عدم استقرار، ويزيد مما ذلك حالة عدم اليقين الذي يتبلور بما نراه من أزمة أخلاقية عالمية، ممثلة بفرض عقوبات اقتصادية ومالية هنا وهناك بقوة العصا والنار، دون تأثير يذكر من قبل العقلاء أو المجالس الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومؤسساتها الأخرى.
وهنا يجب، وفق أبو بكر، أن ندرك بأننا في الأردن جزء من الإقليم والعالم، إذ نتأثر بسلاسل النقل والإنتاج المحلية والدولية، وأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية، باتت تؤثر علينا، ونحتاج إلى مدخلات إنتاجية لا تتعرض لخطر الوصول في الوقت المناسب، وللمخاطر نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وأسعار التأمينات. وفي ظل ذلك يجب بث الوعي بعدم التهافت العفوي على المشتريات وهنا يجب الحديث تكرارا عبر التلفزيون الرسمي لتخفيف القلق والهدوء المجتمعي من النواحي الاقتصادية الشرائية.
وأضاف أبو بكر انه لوعدنا 5 أعوام لزمن كورونا، فقد أدارتها الدولة باقتدار.
وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري، بين أنه مع الإعلان عن إجراءات تخفيف الغلاء وتواصل سلاسل التزويد، فيجب في المديين المتوسط والبعيد، تنظيم الإنتاج، وحوكمة القطاع الخاص مع تصنيف تعريف من هو المزارع، وتطوير البنية التحتية بالتقنيات والزراعة المحمية من تغييرات الحرارة والبرودة، لنحتوي الغلاء وضمان توفر الغذاء في ظل الأزمة الإقليمية.
أما في المدى القصير لا يوجد حل سوى فتح باب الاستيراد مع وضع سقوف جمركية لها لحماية الإنتاج المحلي وليس من خلال الحماية الإغلاقية التي ثبت عدم جدواها.