"الريشة".. تقليل كلف الإنتاج ودعم أمن الطاقة
الغد-رهام زيدان
أكد خبراء أن تطوير حقل الريشة الغازي وزيادة إنتاجه تدريجيا من شأنه أن يعزّز الاستفادة من الموارد المحلية ويدعم أمن الطاقة في الأردن ويخفض كلف الإنتاج في وقت تشير فيه التقديرات الحكومية إلى وجود احتياطيات كبيرة في الموقع.
وبيّن الخبراء أن ثمة تحديات تتعلق بكلف الاستكشاف وحفر الآبار وزيادة الإنتاج والبنية التحتية، ومدى القدرة على تحويل الاحتياطيات إلى إنتاج تجاري مستدام سيما وأن الأمر يحتاج إلى عقد شراكات عالمية وتوظيف تقنيات وخبرات متطورة.
ويقع حقل الريشة في شمال شرق الأردن على بعد نحو 370 كيلومترا من العاصمة عمان، ضمن منطقة امتياز تبلغ مساحتها نحو 7500 كيلومتر مربع، فيما تشير أرقام حكومية إلى أن معدل إنتاج الحقل تجاوز 75 مليون قدم مكعب يوميا خلال العامين الماضي والحالي، ضمن خطة تصاعدية تستهدف رفع الإنتاج إلى نحو 150 مليون قدم مكعب يوميا بحلول العام 2029، وصولا إلى نحو 418 مليون قدم مكعب في العام 2030.
وتستخدم الكميات لتغذية محطة الريشة، إلى جانب تزويد عدد من الصناعات بالغاز الطبيعي، ففيما تستورد المملكة إجمالي الغاز لتوليد الكهرباء بكميات تصل إلى 340 مليون قدم مكعب يوميا بما يسهم الغاز الطبيعي حاليا بما نسبته 66 % من إنتاج الكهرباء محليا.
وبحسب دراسة أعلنتها وزارة الطاقة والثروة المعدنية نهاية العام 2024، يقدَّر متوسط احتياطيات حقل الريشة بنحو 11 تريليونا و990 مليار قدم مكعب، مع إمكان استخراج قرابة 4.6 تريليون قدم مكعب، أي نحو 39 % من إجمالي الاحتياطي.
وتتراوح الكميات القابلة للاستخراج بين 2.835 و6.350 تريليون قدم مكعب، وفق السيناريوهات المختلفة، بحسب أرقام الدراسة.
ويشار إلى أن جلالة الملك عبدالله الثاني ترأس اجتماعا أخيرا لمتابعة أعمال الحكومة في قطاع الغاز وخطط تطويره واطّلع على سير العمل في تنفيذ خطة تطوير حقل الريشة وزيادة إنتاجه ومستجدات ربطه بخط الغاز العربي لتعزيز إمدادات الغاز.
وقال مؤسس ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض: إن "التوسع في تطوير حقل الريشة الغازي وربطه بخط الغاز العربي يمثل خطوة إستراتيجية مهمة لتعزيز أمن الطاقة في الأردن، وزيادة الاعتماد على الموارد المحلية، وتقليل التعرض للمخاطر السياسية والأمنية المرتبطة باستيراد الطاقة، خاصة في ظل الاضطرابات الإقليمية واحتمالات تعطل الإمدادات".
وبيّن عوض أن هذه الخطوة تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى اعتماد الأردن على الغاز المستورد، بما فيه الغاز المستورد من الاحتلال الإسرائيلي، فزيادة إنتاج الريشة تتيح تقليل هذا الاعتماد تدريجيا، وتمنح الأردن استقلالية أكبر في إدارة احتياجاته من الطاقة.
غير أن تحقيق ذلك يتطلب، بحسب عوض، استثمارات مستمرة في الاستكشاف والإنتاج والبنية التحتية، وخططا واقعية تراعي قدرات الحقل وكلف تطويره والطلب المتوقع، مع متابعة التنفيذ وفق مؤشرات واضحة.
وأضاف عوض: "الربط بخط الغاز العربي الرابط بين جنوب المملكة وصولا إلى شمالها ثم سورية، يشكل عنصرا أساسيا في هذا المسار، لأنه يسهل نقل الغاز المحلي إلى مراكز الاستهلاك، ويوسع فرص استخدامه في توليد الكهرباء والأنشطة الصناعية".
وتبرز هنا، وفق عوض، أهمية وصول الغاز إلى المصانع بشروط وأسعار تساعد على خفض كلف التشغيل والإنتاج، وتحسين تنافسية المنتجات الأردنية، وتشجيع الاستثمار وتوليد فرص عمل جديدة ولائقة، كما ينبغي متابعة انعكاس هذه الوفورات على توسع الإنتاج والتشغيل، وعلى أسعار السلع والخدمات حيثما أمكن.
وفي الوقت نفسه، يستدعي أمن الطاقة بناء مزيج متنوع ومرن يجمع بين الغاز المحلي والطاقة المتجددة وبدائل متعددة للاستيراد، بما فيها الغاز الطبيعي المسال عبر العقبة، إذ إن تعدد المصادر ومسارات الإمداد يعزّز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات، ويحد من مخاطر الانقطاع وتقلب الأسعار.
وقال عوض: "من الضروري أيضا تطوير خطط فعالة للاستيراد والتصدير، تستند إلى سيناريوهات مختلفة للتطورات الإقليمية، وتعطي الأولوية لتلبية الاحتياجات المحلية وتأمين بدائل سريعة عند الطوارئ، أما التصدير، فينبغي تقييمه في ضوء وجود فائض فعلي وجدوى اقتصادية واضحة، مع مراعاة الالتزامات التعاقدية وكلف النقل".
وبذلك، يصبح تطوير الريشة جزءا من سياسة وطنية متكاملة لتعزيز أمن الطاقة والسيادة الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي والمصادر الخارجية، وتخفيض كلف الطاقة.
وتكتمل أهمية هذه السياسة عندما تنعكس نتائجها على تنافسية الاقتصاد، وفرص العمل، وتحسين المستويات المعيشية للمواطنين، وفقا لعوض.
من جهته، قال المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية د. أحمد حياصات: إن "استخدام الغاز يعد من أفضل أنواع الوقود المتاحة، نظرا إلى قدرته على خفض الكلفة مقارنة بزيت الوقود والديزل بأكثر من النصف في الوقت الراهن، إلا أن الأردن ما يزال يستورد كميات كبيرة من الغاز، في ظل عدم كفاية الإنتاج المحلي لتلبية احتياجات المملكة".
وأضاف حياصات: "هناك خطط حديثة تستهدف الوصول إلى مرحلة الاكتفاء من الغاز خلال عام أو عامين"، لافتا إلى أن تمكن الأردن من إنتاج كميات كبيرة من الغاز محليا من حقل الريشة سيمثل إنجازا مهما، من شأنه خفض كلفة إنتاج الكهرباء، وكذلك تقليل كلف الطاقة على المصانع والمؤسسات، من خلال إتاحة ربطها بالغاز، الذي ستكون كلفته أقل بكثير من البدائل الأخرى.
وشدد على أهمية أن تترافق خطط زيادة إنتاج الغاز مع تصور واضح لكيفية الاستفادة من أي فوائض مستقبلية تتجاوز احتياجات المملكة، مبينا أن خط الغاز العربي يمكن أن يشكل منفذا مهما لتصدير هذه الكميات إلى دول المنطقة، ومنها سورية ولبنان، وربما مصر، بما يعزّز الاستفادة الاقتصادية من موارد الغاز المحلية.
وقال الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي: إن "تطوير حقل الريشة للغاز يجب أن يبقى أولوية وطنية، باعتبار أن كل كمية من الغاز يتم إنتاجها محليا تسهم في خفض فاتورة الاستيراد وتعزيز أمن الطاقة في المملكة".
وأضاف: "التعامل مع إمكانات الحقل يجب أن يستند إلى بيانات واقعية، بعيدا عن الإفراط في التفاؤل"، موضحا أن قيمة أي تقديرات مرتبطة بحجم الاحتياطيات المثبتة والقابلة للاستخراج اقتصاديا، وبالإنتاج التجاري المستدام الذي يصل فعليا إلى المستهلك.
وأوضح أن الحديث عن رفع الإنتاج إلى 84 مليون قدم مكعبة يوميا، أو استهداف مستويات تتجاوز 400 مليون قدم مكعبة يوميا بحلول العام 2030، يحتاج إلى بيانات واضحة واختبارات إنتاج طويلة الأمد تثبت قدرة الآبار على المحافظة على معدلات تدفق مستقرة ومستدامة.
ولفت إلى أن الحقل ينتج الغاز فعليا في الوقت الحالي، إلا أن التوسع الكبير في الإنتاج يتطلب استكمال أعمال الاستكشاف والتقييم، وحفر مزيد من الآبار الإنتاجية، والاستعانة بشركات عالمية متخصصة، إلى جانب توظيف خبرات وتقنيات متطورة في عمليات الحفر والإنتاج.
وفي المقابل، أكد الشوبكي أن الكميات المتاحة من الغاز تمثل أهمية كبيرة للصناعات الأردنية، مشيرا إلى بدء نقل الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) بواسطة الشاحنات إلى المصانع، بما يتيح خفض كلف الوقود وتوليد الكهرباء، ولا سيما في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، الأمر الذي يعزّز قدرتها التنافسية.
وقال: "هذه المنفعة العملية تستحق التوسع والدعم، في ظل ما يمكن أن يوفره الغاز المحلي من بديل أقل كلفة للصناعات، ويسهم في تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتقليل أعباء الإنتاج".
وفيما يتعلق بإمكانية ربط حقل الريشة بخط الغاز العربي، رأى الشوبكي أن أهمية هذا الخيار المحتملة كبيرة، إلا أن القرار الاستثماري يجب أن يستند إلى كميات إنتاج مستدامة، ووجود طلب مضمون، إلى جانب دراسة اقتصادية تقارن كلفة النقل بالعوائد المتوقعة، مشيرا إلى أنه لا يمكن المضي في إنشاء خط أنابيب كبير اعتمادا على توقعات الإنتاج وحدها، كما لا ينبغي إغفال كلف معالجة الغاز وتطوير الآبار والبنية التحتية اللازمة لرفع الإنتاج ونقله.
وبشأن إستراتيجية الاستيراد والتصدير، دعا الشوبكي إلى وضع خطة مرنة لتنويع مصادر وموردي الغاز ومسارات التزويد، وضمان جاهزية مرافق استقبال الغاز المسال وإعادة تغويزه في العقبة، إلى جانب توفير عقود وخطط بديلة للتعامل مع أي انقطاع محتمل في الإمدادات الإقليمية.
وأشار إلى أن الأردن يستطيع، بالتوازي مع تطوير إنتاجه المحلي، تعزيز دوره في تجارة الغاز وعمليات عبوره وإعادة تصديره، بما يستفيد من موقع المملكة الجغرافي والإستراتيجي كممر إقليمي للطاقة.
وأكد أن أي توجه بهذا الخصوص يجب أن يضع ضمان استمرارية الإمدادات وأولوية تلبية احتياجات السوق المحلية في مقدمة الاعتبارات، موضحا أن النجاح الحقيقي يتمثل في وصول الغاز بانتظام وبكلفة تنافسية إلى المصانع ومحطات توليد الكهرباء. ولفت الشوبكي إلى أهمية استثمار الموقع الإستراتيجي للأردن بما يعزّز دوره كممر إقليمي للطاقة، وربما كممر دولي مستقبلا، خصوصا في ظل توسع خطط الطاقة في دول الخليج، وإمكان دراسة خيارات نقل الغاز أو النفط عبر خطوط الأنابيب إلى الأسواق والمشترين في أوروبا.
وخصصت الحكومة في الميزانية الحالية نحو 35 مليون دينار لتطوير الحقل عبر شركة البترول الوطنية، من إجمالي إنفاق رأسمالي للقطاع يناهز 57.5 مليون دينار، بهدف تسريع أعمال الحفر ورفع الإنتاج خلال السنوات المقبلة.