الغد-تيسير النعيمات
يُعد الموقع الجغرافي المتميز والمتوسط للأردن في قلب الإقليم عاملاً حاسمًا في الحفاظ على استقرار سلاسل التزويد والإمداد، حتى في ظل سيناريوهات إغلاق ممرات مائية استراتيجية مثل مضيقي باب المندب وهرمز، وفق تقديرات خبراء في قطاع الشحن والنقل والخدمات اللوجستية.
وأكد خبراء، في تصريحات صحفية، أن المملكة تمتلك مجموعة واسعة من البدائل والخيارات التي تضمن استمرار تدفق البضائع دون انقطاع، رغم التحديات التي قد تفرضها التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وأوضحوا أن مسارات الشحن للبضائع المتبادلة مع أوروبا لم تشهد تغييرات تُذكر، سواء للواردات أو الصادرات، في حين يتم التعامل مع البضائع القادمة من الصين وشرق آسيا عبر مسارات بديلة تشمل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، أو المرور عبر قناة السويس وصولًا إلى ميناء العقبة، أو عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، مع الإقرار بارتفاع كلف الشحن والتأمين، إضافة إلى تأثير ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات في مضيق هرمز.
وأشار النائب الأول لرئيس مجلس إدارة غرفة تجارة الأردن وممثل قطاع الخدمات والاستشارات، جمال الرفاعي، إلى أن إغلاق مضيق هرمز يؤثر بشكل مباشر على حركة الشحن إلى موانئ الخليج العربي، فيما ينعكس إغلاق باب المندب على الملاحة في البحر الأحمر.
وبيّن الرفاعي أن الموقع الجغرافي للأردن يمنحه ميزة استثنائية، إذ يسهل الوصول إليه عبر عدة مسارات، منها الشحن إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط في مصر أو تركيا أو سورية، ومن ثم نقل البضائع برًا إلى داخل المملكة.
وشدد على أن سلاسل التزويد والإمداد إلى الأردن لا تواجه مخاطر حقيقية، لافتًا إلى أن ارتفاع كلف الشحن ظاهرة عالمية لا تقتصر على المملكة، بل تشمل مختلف دول الإقليم والعالم، مؤكدًا أن الزيادة في الكلف على الأردن تبقى أقل مقارنة بغيره من دول المنطقة.
من جهته، أوضح نائب رئيس مجلس إدارة المنظمة الدولية للوكالات الملاحية (فوناسبا)، الدكتور دريد محاسنة، أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على إغلاق وشيك لمضيق باب المندب، مشيرًا إلى أن العديد من خطوط الملاحة العالمية كانت قد غيّرت مساراتها بالفعل إلى طريق رأس الرجاء الصالح منذ اندلاع الأزمة السابقة المرتبطة بالحرب على قطاع غزة.
وأضاف أن عدم تسجيل أي استهداف للسفن في مضيق باب المندب خلال الفترة الأخيرة يُعد مؤشرًا إيجابيًا، لافتًا إلى أن السفن التي كانت تتجه إلى الموانئ العراقية يمكن أن تُعاد توجيهها نحو ميناء العقبة أو الموانئ السورية، مع التأكيد على أن جاهزية ميناء العقبة تمنحه أفضلية تشغيلية مقارنة بغيره.
وفيما يتعلق بالبدائل المتاحة في حال تصاعد الأزمات، أشار محاسنة إلى أن الخيارات تشمل استخدام الموانئ السعودية على البحر الأحمر، أو الالتفاف عبر أفريقيا ورأس الرجاء الصالح، أو المرور عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، ومن ثم النقل البري أو عبر قناة السويس إلى العقبة.
وأكد أن سلاسل التزويد إلى الأردن ستبقى مستقرة، رغم الارتفاع المتوقع في كلف الشحن والتأمين.
بدوره، أوضح نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع، الدكتور ضيف الله أبو عاقولة، أن إغلاق مضيق باب المندب يعني فعليًا تعطّل الملاحة في البحر الأحمر، ما يفرض على السفن سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، مرورًا بقناة السويس، قبل الوصول إلى ميناء العقبة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة زمن الشحن وارتفاع التكاليف.
وأشار إلى أن البضائع القادمة من أوروبا لا تواجه إشكاليات كبيرة، إذ يمكن نقلها عبر موانئ مثل اللاذقية أو من خلال المسارات البرية، بينما تكمن التحديات الأساسية في البضائع القادمة من شرق آسيا والولايات المتحدة، إلى جانب التأثيرات غير المباشرة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة في حال إغلاق مضيق هرمز.
ورغم ذلك، اعتبر أبو عاقولة أن الأردن يمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص، من خلال تعزيز موقعه كمركز لوجستي إقليمي، بما يدعم استمرارية حركة التجارة، ويعزز الصناعات المحلية، ويحمي المصالح الاقتصادية الوطنية.
وأكد أن المؤشرات الحالية تعكس حالة من الاستقرار في الأسواق المحلية، دون تسجيل نقص في السلع أو ارتفاعات ملحوظة في الأسعار حتى الآن.
مضيق باب المندب: أهمية إستراتيجية للتجارة العالمية
يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويربطه بخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، ما يجعله جزءًا رئيسا من أقصر الطرق البحرية بين شرق آسيا وأوروبا.
ويحظى المضيق بأهمية إستراتيجية واقتصادية وعسكرية كبيرة، ما جعله محورًا للصراعات الإقليمية والدولية، حيث سعت قوى متعددة إلى تعزيز نفوذها فيه عبر إنشاء قواعد عسكرية والسيطرة على الممرات الحيوية.
ويقع المضيق بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، حيث يحده اليمن من الجانب الآسيوي، وجيبوتي من الجانب الأفريقي، ويبلغ عرضه نحو 30 كيلومترًا.
وتزايدت أهميته مع تطور التجارة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، تُقدّر بنحو 10 % من إجمالي الملاحة العالمية، فيما تعبره سنويًا أكثر من 21 ألف سفينة.
كما يُعد من أبرز ممرات نقل الطاقة عالميًا، حيث يمر عبره نحو 6.2 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، أي ما يقارب 9 % من إجمالي النفط المنقول بحرًا.
ويؤدي إغلاق المضيق، في حال حدوثه، إلى اضطرار السفن للالتفاف حول جنوب أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، ما يزيد مسافة الرحلة بنحو 6 آلاف ميل بحري، ويرفع بشكل كبير كلف الشحن وزمن التسليم.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة منذ أواخر عام 2023، اتجهت العديد من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها وتجنب المرور عبر البحر الأحمر، ما انعكس على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وزاد من التحديات التي تواجه التجارة الدولية.