التعداد العام 2026.. تحديث بيانات جديدة لإعادة قراءة احتياجات الاقتصاد والتنمية
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
مع انطلاق التعداد العام للسكان والمساكن 2026 غدا الخميس، يبدأ الأردن عملية واسعة لتحديث واحدة من أهم قواعد البيانات الوطنية، في مسعى لتوفير صورة أكثر دقة عن السكان والمساكن وتوزيعهم وخصائصهم، بما يعزز قدرة صانع القرار على التخطيط للخدمات والمشروعات وتوجيه الموارد وفق الاحتياجات الفعلية.
ويستمر التعداد حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) القادم، ضمن مرحلتين؛ تبدأ الأولى خلال الأيام الثلاثة الأولى من الشهر من خلال التعداد الذاتي لنحو 20 % من المشمولين، فيما تنطلق في الرابع من تشرين الأول(أكتوبر) مرحلة التعداد الوجاهي، التي يتولى خلالها الباحثون زيارة الأسر واستكمال البيانات حتى نهاية الشهر.
ولا يأتي التعداد كعملية طارئة أو منفصلة عن مسار العمل الإحصائي في المملكة، إذ يجري الأردن تعداده السكاني بصورة دورية كل عشر سنوات، ويستعد حاليا لتنفيذ التعداد الوطني السابع، مستندا إلى خبرة تراكمية في هذا المجال، وإلى تطور الأدوات المستخدمة في جمع البيانات ومعالجتها.
وتزداد أهمية التعداد الحالي في ظل التحولات التي شهدها المجتمع خلال العقد الأخير، سواء على مستوى التوزيع السكاني بين المحافظات والمناطق، أو التركيبة العمرية، أو أنماط السكن، أو تغير الاحتياجات المرتبطة بالخدمات والبنية التحتية.
فمعرفة عدد السكان وحدها لا تكفي لصناعة القرار؛ إذ تحتاج الجهات المعنية إلى معرفة أين يتركز السكان، وكيف تتوزع الأسر، وما خصائص المساكن، وما الاحتياجات التي تفرضها التحولات الديموغرافية والمكانية. وهذه البيانات تشكل مدخلا مهما عند تحديد مواقع المدارس والمراكز الصحية وشبكات الطرق والخدمات الأساسية، إلى جانب التخطيط للاستثمارات والمشروعات التنموية.
ومن هذه الزاوية، فإن القيمة الرئيسة للتعداد لا تتوقف عند الأرقام التي سيعلن عنها بعد انتهاء العملية، وإنما في ما ستتيحه هذه الأرقام من قاعدة معلومات يمكن البناء عليها في السنوات المقبلة، سواء من قبل المؤسسات الحكومية أو القطاع الخاص أو الباحثين والجهات المعنية بالتخطيط والتنمية.
وتبرز في التعداد الحالي أيضا مسألة التحول الرقمي، إذ يجري تنفيذ العملية من خلال منظومة إلكترونية تعتمد على الأجهزة اللوحية وربط البيانات والأنظمة ذات العلاقة، بما يتيح جمع البيانات ومعالجتها بصورة أكثر سرعة وتنظيما، ويفتح المجال أمام تطوير قواعد بيانات يمكن الاستفادة منها في عمليات إحصائية وتنموية لاحقة.
وتشكل المرحلة الميدانية الجزء الأوسع من العملية، مع مشاركة نحو 12 ألف باحث ومشرف ومدرب، يتولون الوصول إلى الأسر في مختلف مناطق المملكة خلال شهر التعداد. ويجعل ذلك من تعاون المواطنين والمقيمين عاملا حاسما في الوصول إلى بيانات أكثر اكتمالا ودقة.
وفي هذا السياق، تمثل الثقة أحد العوامل الرئيسية في نجاح التعداد، خصوصا أن جودة النتائج تعتمد في النهاية على دقة المعلومات التي يتم تقديمها. ولذلك فإن توضيح طبيعة التعداد وأهدافه وآليات حماية البيانات يمثل جزءا أساسيا من العملية، إلى جانب تمكين الأسر من التحقق من هوية الباحثين المشاركين فيها.
كما أن التعداد لا يرتبط بفرض ضرائب أو ترتيب التزامات مالية جديدة على الأسر، وإنما يهدف بصورة أساسية إلى توفير بيانات سكانية واجتماعية ومكانية تساعد في التخطيط واتخاذ القرار.
كما أن الاستفادة من التعداد لا تنتهي بإعلان نتائجه، إذ يمكن أن تشكل بياناته أساسا لتحديث قواعد البيانات وتنفيذ مسوح إحصائية لاحقة، بما يسمح بمتابعة التحولات السكانية والاجتماعية بصورة أكثر انتظاما، وتقييم التغيرات التي تطرأ على احتياجات المناطق والفئات المختلفة.
وتتسع دائرة المستفيدين من هذه البيانات لتشمل القطاع الخاص والمستثمرين، إذ يمكن أن تساعد المؤشرات السكانية والمكانية في قراءة الأسواق وتحديد مواقع الأنشطة الاقتصادية والخدمية وفهم أنماط الطلب، ما يمنح البيانات الإحصائية بعدا يتجاوز الاستخدام الحكومي المباشر.
وبذلك، يدخل الأردن التعداد العام 2026 باعتباره أكثر من عملية لحصر السكان والمساكن؛ فهو محاولة لتحديث الصورة التي تستند إليها القرارات التنموية، في وقت تتغير فيه الخريطة السكانية والاحتياجات الخدمية والاقتصادية بصورة مستمرة.
فالبيانات التي سيجمعها التعداد خلال شهر واحد يفترض أن تمتد فائدتها لسنوات، وكلما كانت أكثر دقة وشمولا، أصبحت القدرة على قراءة الواقع وتحديد الأولويات وتوجيه الموارد أكثر ارتباطا بالاحتياجات الفعلية للسكان.