الدستور
الأردني يدرك تماما معنى الماء، ويدرك أكثر معنى أن ينتظر دور ضخها لحيه أو شارعه، ويعرف كيف يحسب ما تبقى في الخزانات منزوعة العوامات، وكيف يؤجل الغسيل إلى يوم تتدفق فيها الحنفيات. ففي بلد لا تتجاوز فيه حصة الفرد السنوية نحو 63 مترا مكعبا، تصبح تلك الإجراءات جزءا من هندسة حياتنا اليومية، ولهذا تبدو أرقام عمليات السطو على خط مياه الديسي المعلنة قبل يومين مرعبة ومفزعة على نحو لا يكاد يصدق.
نحو 14 ألف اعتداء على الخط منذ 2014 حتى الآن، منها 1800 اعتداء خلال عام 2025. وترجمة هذا الرقم تعني أن أربعة عشر ألف مرة امتدت يد آثمة مارقة غير خائفة ولا مترددة إلى شريان حيوي في حياتنا وقطعته وحولته إلى خزانها الخاص. أربعة عشر ألف مرة كان هناك من يرى في خط المياه فرصة للربح والثراء دون أن يشعر للحظة بخوف أو وجل.
المؤلم أكثر أن نحو 70 في المئة من فاقد المياه لدينا يرتبط بتلك السرقات والاعتداءات، ونعلم أن كل واحد في المئة من الفاقد يقدر بخمسة ملايين متر مكعب وهي كمية تكفي احتياجات نحو 81 ألف إنسان لعام كامل. أي حين تتحول تلك الأرقام إلى بشر، نكتشف أن الفاقد أكثر من ماء يتسرب من الشبكة أو يسرق ليروي مزارع خاصة أو يباع بالصهاريج؛ ولهذا يجب أن نحول السؤال من، لماذا يسرق هؤلاء؟ إلى كيف لم نستطع ردعهم طيلة تلك الفترة؟.
لدينا قانون، وعقوبات، وغرامات، ومصادرة للأدوات، ولدينا أكثر من ثمانية ملايين دينار جرى تحصيلها من المخالفين. ومع ذلك تتسع الظاهرة ولا تتوقف. وهذا يجعل القضية تتجاوز أخلاق السارق إلى كفاءة معاقبته. فالقانون لا يقاس بما يقوله عن الجريمة، وإنما بما يقوم به بعد أن تقع، وحين تتكرر الجريمة آلاف المرات، فهذا يعني أن خللا واضحا في دوائر الكشف والملاحقة وإنفاذ القانون وإحلال الردع، وكل ذلك يحتاج إلى مراجعة صريحة واضحة.
ماؤنا ليس ما يجري داخل الأنابيب، إنه ما يبقى لنا إذا وصل إلى بيوتنا، فمن يسرقه لا يأخذ مترا مكعبا أو صهريجا؛ هو يأخذ شيئا من حياتنا؛ وعليه فحماية حياتنا تبدأ من قانون قوي وتطبيقه دون محاباة أو مواربة. ثم ما المانع أن نتعرف على أسماء السارقين؟