الغد-عبد الرحمن الخوالدة
أكد اقتصاديون أن رؤية التحديث الاقتصادي تمثل ركيزة أساسية لتعزيز منعة الاقتصاد الوطني الأردني في مواجهة تقلبات الجغرافيا السياسية، من خلال تبني نهج أكثر مرونة واستباقية، يرفع قدرته على امتصاص الصدمات في بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار.
وأوضحوا أن الرؤية تحمل في جوهرها بعداً تحصينياً واضحاً، إذ توفر خارطة طريق متكاملة لتنمية الاقتصاد الوطني عبر دمج البعد الجغرافي السياسي في عملية التخطيط، إلى جانب دعم القطاعات التنافسية وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع إستراتيجية قادرة على تحقيق النمو المستدام.
وتُعد الرؤية، التي أُطلقت عام 2023 بمشاركة أكثر من 500 خبير ومختص، برنامجاً إصلاحياً يمتد لعقد كامل، يركز على إعادة هيكلة الاقتصاد، وتعزيز النمو المستدام، والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، بما يعزز قدرة الأردن على التكيف مع التحديات الإقليمية والدولية.
وفي إطار تعزيز صمود الاقتصاد الوطني، شدد الخبراء على أهمية توسيع القاعدة الإنتاجية، لا سيما في قطاعي الزراعة والصناعة، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، إضافة إلى بناء منظومة إنذار مبكر، وتقوية شبكات الحماية الاجتماعية. كما دعوا إلى استحداث مؤسسات متخصصة تدمج بين التحليل السياسي والاقتصادي، بما يسهم في رفع جاهزية الدولة للتعامل مع الأزمات.
ويأتي ذلك في ظل واقع إقليمي مضطرب، حيث يواجه الاقتصاد الأردني سلسلة من الأزمات والصراعات الممتدة، التي انعكست على مسارات التنمية والاستثمار، ما يعزز الحاجة إلى تبني إستراتيجيات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة.
الاستعداد المسبق بديلاً عن إدارة الأزمات التقليدية
في هذا السياق، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض إن الاقتصاد الأردني يتأثر بشكل كبير بالجغرافيا السياسية المحيطة، كونه اقتصاداً صغيراً ومفتوحاً يعتمد على الاستيراد والطاقة الخارجية والتجارة الإقليمية والسياحة والتحويلات والمساعدات.
وأوضح أن الحروب وإغلاق الحدود وتعطل سلاسل التوريد وارتفاع كلف النقل والتأمين، إلى جانب تقلبات أسعار الطاقة والغذاء، تتحول سريعاً من عوامل خارجية إلى ضغوط مباشرة على النمو والأسعار والمالية العامة وفرص العمل.
وأشار عوض إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة النظر في أدوات التعامل مع هذه المتغيرات، لافتاً إلى أن الإدارة التقليدية للأزمات، القائمة على ردود الفعل قصيرة الأجل، لم تعد كافية. وأكد ضرورة الانتقال إلى نهج يقوم على الاستعداد المسبق، وبناء القدرة على التكيف، ووضع سيناريوهات واضحة للتعامل مع الصدمات قبل وقوعها.
وبيّن أن تعزيز صمود الاقتصاد يتطلب مجموعة من الأدوات، أبرزها توسيع القاعدة الإنتاجية الوطنية، خاصة في الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة من خلال تنويع المصادر، وتوسيع المخزون الاستراتيجي، والاستثمار في الطاقة المتجددة.
كما شدد على أهمية بناء منظومة إنذار مبكر وربطها بمؤسسات صنع القرار، مؤكداً أن الحماية الاجتماعية تمثل عنصراً أساسياً في تعزيز الصمود، إلى جانب تحسين كفاءة المالية العامة وتنويع الأسواق والشركاء التجاريين والممرات اللوجستية.
الجغرافيا السياسية في صلب التخطيط الاقتصادي
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش أن التخطيط الاقتصادي لا يمكن فصله عن الجغرافيا السياسية، مشيراً إلى أن أي استراتيجية اقتصادية فعالة يجب أن تدمج بين الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والسياسات والعلاقات الدولية.
وأوضح أن هذا النهج يتطلب الأخذ بعين الاعتبار عوامل مثل الحدود والمخاطر السياسية الإقليمية وفرص الاستثمار، إلى جانب كيفية تقليل المخاطر التي تؤثر على الاقتصاد، من خلال دمج الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة في إطار تخطيطي متكامل.
وبيّن عايش أن الأردن، بحكم موقعه واعتماده على التجارة والطاقة المستوردة، يحتاج إلى خطط مرنة قادرة على التكيف مع الأزمات وتقلبات الطاقة والتغيرات الحدودية.
وأشار إلى أن أدوات امتصاص الصدمات تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز القطاعات الإنتاجية المحلية في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، إضافة إلى إنشاء احتياطيات مالية واعتماد سياسات نقدية مرنة، وتقليل الاعتماد على شريك تجاري واحد.
ولفت إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي تتبنى هذا النهج، إذ تتضمن بعداً تخطيطياً تحصينيا يهدف إلى تعزيز صمود الاقتصاد، من خلال دمج البعد الجغرافي السياسي في التخطيط، ودعم القطاعات التنافسية، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع إستراتيجية.
وأكد أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إنشاء مؤسسات متخصصة، مثل مراكز للدراسات السياسية والاقتصادية، وهيئات لإدارة الموارد الإستراتيجية وسلاسل الإمداد، ومؤسسات لإدارة المخاطر والتخطيط الاقتصادي الإستراتيجي والبحث والتطوير التكنولوجي.
وشدد على أن هذا النهج يمكن الأردن من التحول من اقتصاد متلقٍ للصدمات إلى اقتصاد قادر على مقاومتها، مع التركيز على الريادة الاقتصادية والجودة الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة.
الاعتماد على الذات.. خط الدفاع الأول
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي منير دية أن الأردن يعمل في بيئة إقليمية ملتهبة، تتسم بتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية، ما يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لتداعيات مباشرة تفرض الحاجة إلى خطط اقتصادية مرنة وقابلة للتكيف.
وأشار إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي تؤطر هذا التوجه من خلال تعزيز الاعتماد على الذات، خاصة في قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج.
وأوضح أن الرؤية تركز على تطوير قطاع الطاقة، بما يشمل الغاز الطبيعي والصخر الزيتي والطاقة المتجددة، لرفع نسبة الإنتاج المحلي إلى أكثر من 70%، بما يضمن استقرار الإمدادات والأسعار.
كما أكد أهمية تعزيز الأمن الغذائي عبر دعم الزراعة المحلية ووضع روزنامة زراعية واضحة، إلى جانب تطوير الصناعات الوطنية الأساسية، خاصة الغذائية والبتروكيماوية، من خلال توفير بنية تحتية وحوافز استثمارية.
وأشار دية إلى أن تعزيز الاحتياطيات النقدية، التي بلغت نحو 28 مليار دولار، إلى جانب السياسات النقدية والمالية، يسهم في تعزيز الاستقرار النقدي وزيادة ثقة السوق. واختتم بالتأكيد على أن التركيز على الاعتماد على الذات في الطاقة والغذاء والصناعة يمثل خط الدفاع الأول للاقتصاد الأردني، ويعزز قدرته على مواجهة التقلبات الخارجية، ويمنحه مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات الإقليمية المتواصلة.