حافلات أصغر.. خطة لتوسيع شبكة النقل العام
الغد-محمود خضر الشبول
تتجه هيئة تنظيم قطاع النقل البري إلى توسيع خدمات النقل العام في المناطق غير المخدومة أو التي انقطعت عنها الخدمة، من خلال تشغيل مركبات سرفيس وحافلات صغيرة بسعة 14 راكبا، في خطوة تستهدف ربط القرى والأحياء بالمسارات الرئيسة، وتحسين الجدوى التشغيلية للخطوط التي لا يتناسب حجم الطلب فيها مع تشغيل حافلات متوسطة أو كبيرة.
وتستهدف خطة التشغيل في مرحلتها الأولى محافظات الزرقاء والمفرق وجرش، بالتوازي مع إجراء مسوحات ميدانية لحصر المناطق التي تفتقر إلى الخدمة أو تحتاج إلى مركبات أصغر، فيما تعمل الهيئة على إعداد أسس خاصة لخدمة المناطق غير المخدومة أو التي انقطعت عنها خدمات النقل.
وقال مدير عام هيئة تنظيم قطاع النقل البري المهندس رياض الخرابشة لـ"الغد"، إن الهيئة طرحت عطاء لتشغيل 50 مركبة سرفيس لخدمة عدد من المناطق في محافظة الزرقاء، فيما يجري العمل على إعادة طرح عطاءات في محافظتي جرش والمفرق، على أن يتواصل طرح العطاءات تباعا وفق احتياجات المناطق.
وأوضح أن الهيئة تنسق مع الحكام الإداريين ومديري فروعها في المحافظات لتحديد المناطق غير المخدومة، وتلك التي تحتاج إلى حافلات صغيرة أو مركبات سرفيس بدلا من الحافلات المتوسطة والكبيرة، تمهيدا لتوفير الخدمة وفق احتياجات كل منطقة.
وبين الخرابشة أن التوجه نحو المركبات الصغيرة يرتبط بالبحث عن حلول تتناسب مع طبيعة الطلب وتحقق استدامة الخدمة، خصوصا أن بعض المشغلين توقفوا عن العمل على خطوط لم تعد تحقق جدوى اقتصادية، ما يستدعي إعادة النظر في حجم المركبة وطبيعة التشغيل بما يوازن بين حاجة المواطنين وقدرة المشغل على الاستمرار.
وأشار إلى تجربة منشية بني حسن، حيث كان يعمل 15 باص "كوستر"، قبل استبدالها بـ22 مركبة سرفيس، مؤكدا أن التحول إلى المركبات الأصغر أسهم في زيادة استخدام النقل العام، في ظل قدرتها على تقديم خدمة أكثر ملاءمة لطبيعة الطلب.
وأكد الخرابشة أن الهيئة تعمل على تشجيع المشغلين وتوعيتهم بأهمية التوجه الجديد، بما يتيح إعادة تشغيل بعض الخطوط باستخدام مركبات أقل سعة وأكثر ملاءمة لحجم الطلب، إلى جانب تشجيع الأهالي ومؤسسات المجتمع المدني، ومنها الجمعيات، على المشاركة في تشغيل بعض الخطوط باعتبار النقل جزءا من الخدمات المقدمة للمجتمعات المحلية.
وقال إن الهيئة منفتحة على الحلول التي تسهم في تطوير منظومة النقل العام وإيصال الخدمة إلى مختلف المناطق وربطها بالمسارات الرئيسة، مشيرا إلى إجراء مسوحات ميدانية لحصر المناطق المستهدفة، وإعداد مسودة "أسس لخدمة المناطق غير المخدومة أو التي انقطعت عنها الخدمة"، سيتم إعلانها قريبا.
ويرى خبراء، أن نجاح التوجه لا يرتبط بإدخال مركبات أصغر فحسب، وإنما بقدرة نموذج التشغيل على تحقيق الجدوى والاستمرارية، وربط الخطوط الفرعية بالمسارات الرئيسة، واختيار السعة والتردد اللذين يتناسبان مع حجم الطلب في كل منطقة.
وفي هذا السياق، قالت وزيرة النقل السابقة المهندسة وسام التهتموني لـ"الغد": إن استخدام الحافلات الصغيرة في المناطق البعيدة والقرى التي تفتقر إلى خدمات النقل العام من شأنه تعزيز المنظومة وتشجيع المواطنين على استخدامها، خصوصا في المناطق التي يصعب على سكانها الوصول إلى المسارات الرئيسة أو التي تعمل فيها حافلات بسعات تفوق حجم الطلب.
وأوضحت أن أهمية المشروع تتجاوز توفير وسيلة نقل داخل المنطقة إلى إنشاء خطوط تغذية تربط المسارات الفرعية بالرئيسة، مشيرة إلى أن أنظمة النقل ذات السعة العالية، ومنها الباص سريع التردد، تحتاج إلى خطوط تغذية تزيد قدرتها على استقطاب الركاب وتعزز جدواها التشغيلية.
وأضافت أن التوسع العمراني واستحداث أحياء جديدة يفرضان تطوير شبكة النقل وربط القرى والألوية والأحياء بالخطوط الرئيسية، على أن يستند تحديد سعة المركبات وعددها إلى حجم الطلب الفعلي واحتياجات السكان.
وأكدت التهتموني أن نجاح التجربة يتطلب مرونة في التعامل مع المشغلين الحاليين وتشجيعهم على الاستثمار، والاستفادة من التكنولوجيا في تحديد المسارات التي تحتاج إلى تعزيز، بما يراعي احتياجات الطلبة والموظفين، إلى جانب إمكانية إشراك الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني في تشغيل بعض الخدمات المحلية.
من جهتها، قالت وزيرة النقل السابقة الدكتورة لينا شبيب لـ"الغد": إن فكرة استخدام المركبات الصغيرة لخدمة المناطق غير المخدومة مهمة، لكنها تحتاج إلى خطة واضحة للتطبيق تراعي مختلف الجوانب، وفي مقدمتها الجدوى الاقتصادية وقدرة المشغلين على الالتزام باستمرارية الخدمة.
وأشارت إلى أن تجارب سابقة واجهت مشكلات تتعلق باستدامة التشغيل، إذ يلجأ بعض المشغلين إلى طلب تغيير خطوطهم باتجاه مناطق أكثر كثافة سكانية وأكثر جدوى اقتصاديا، ما يستدعي معالجة هذه المسألة منذ مرحلة تصميم الخدمة لضمان استمرارها في المناطق المستهدفة.
وأكدت شبيب أن النقل العام قطاع حيوي، وأن توفير الخدمة للمواطنين يتطلب البحث عن نماذج تشغيل قادرة على خدمة التجمعات السكانية المتباعدة، حتى في الحالات التي يصعب فيها على إيرادات الخط تغطية كلف التشغيل.
ورأت أن من بين الخيارات الممكنة دراسة تقديم دعم حكومي للكلف في الخطوط التي لا تستطيع تغطية نفقاتها، إلى جانب تشجيع حلول النقل التشاركي، بما يساعد على توفير الخدمة في المناطق ذات الطلب المحدود أو التجمعات السكانية المتباعدة.
كما أشارت إلى إمكانية الاستفادة من التطبيقات الذكية في تقديم خدمات النقل في بعض هذه المناطق، باعتبارها خيارا قد يكون أكثر جدوى في حالات معينة، شريطة توافر البنية التحتية اللازمة لاستخدام التكنولوجيا والوصول إلى الخدمة.
وتبرز الجدوى الاقتصادية بذلك كأحد أبرز تحديات التوسع في خدمة المناطق منخفضة الطلب، إذ يتطلب استمرار الخطوط إيجاد توازن بين كلفة التشغيل وعدد الركاب والتعرفة من جهة، وضمان وصول خدمة النقل العام إلى المناطق التي تحتاج إليها من جهة أخرى.
وفيما تمضي الهيئة في حصر المناطق غير المخدومة وتحديد احتياجاتها، يظل نجاح التوجه- بحسب خبراء- مرتبطا بمواءمة حجم المركبات والخطوط مع الطلب الفعلي، ووضع نموذج تشغيلي يحقق الاستدامة، سواء من خلال تشجيع المشغلين أو إشراك مؤسسات المجتمع المدني أو دراسة آليات الدعم للخطوط منخفضة الجدوى، بما يوسع نطاق النقل العام ويربط القرى والأحياء بالمسارات الرئيسة.