الغد
لا أقصد الوقوف في وجه مصطلحات تجارية واقتصادية عالمية مستقرة، ومفاهيم كرسها أصحاب المال، بنفوذهم وألبسوها لبوس العدل بعيدا عن عناصر القوة المتفاوتة بين طرفين، وإلى مصالح متقاطعة بين المنتج أو التاجر القوي، والمستهلك الأقل قوة. وإلى وهم بأن المستهلك الذي يملك حق الطلب ـ نظريا ـ، يستطيع أن يواجه المنتج» صاحب حق العرض واقعيا»، وصولا إلى معادلة سعرية منصفة.
غير أنني لم أجد مفهوما واقعيا يعبر عن حالة التسليم الحكومي بفرضية العرض والطلب مخالفا لتلك الصورة التي تقوم على مبدأ إمكانية استغلال حاجة المستهلك لرفع السعر وتحقيق أرباح مرتفعة. وهو المصطلح الذي أصبح معتمدا في كل التشريعات، ومبررا من قبل جميع الأطراف رغم بشاعته في بعض الظروف وبخاصة الظروف الاستثنائية التي تواجه الوطن وتنعكس على مختلف الفئات وبخاصة محدودة الدخل منهم.
عامل الصعوبة في تطبيقات ذلك المصطلح إمكانية استغلال ظروف استثنائية من قبل البعض للتحكم في عوامل العرض لتحقيق مكاسب تفوق قدرة عامة الناس وتحول دون توفير متطلباتهم المعيشية.
الدافع إلى طرح هذه القضية في هذا الظرف بالذات ما ننتظره من ظروف استثنائية تعيشها المنطقة والعالم، على خلفية الحرب الهوجاء التي تتسع دائرتها، والتي تجافي منطق الأشياء، وتغتصب راحة الناس وقدرتهم على التكيف، وتثير قلقهم. كما تضع الحكومات في مواقف لا تختلف كثيرا عن مواقف العامة من الناس.
فتداعيات الحرب ترشح المنطقة والعالم إلى أزمة تزويد قد تمتد إلى كافة مناحي الحياة سواء في مجال توفير متطلبات المعيشة أو القدرة على تحمل كلفها المادية.
ودون التقليل من شأن القطاعات التجارية والاقتصادية، وتأكيدا على احترام دورهم الوطني البارز، فكل عناصر الفخر التي يتحدث عنها البعض من ممثليهم تتوقف عند جهود توفير السلع اللازمة. دون الإشارة إلى ضبط مستوى الأرباح التي عادة ما يتم رفعها بشكل لافت، وبما يتخطى الارتفاع العالمي، ويبالغ في احتساب الكلف الإضافية المترتبة على عمليات الاستيراد أو التصنيع أو كليهما، محتكمين إلى معادلات العرض والطلب. والتي تعني أساسا أن عملية العرض يمتلكها التاجر. بينما عملية الطلب تكون بيد المستهلك ولكن بشكل جزئي، وتكون محكومة بجملة عناصر أبرزها موقعها في سلة الاستهلاك، ومدى الحاجة الماسة لها.
من هنا، وفي ضوء ما نعيشه من ظروف استثنائية، وما ننتظره من صعوبات نتوقع أن تنعكس على مستوى التزويد بالمواد الأساسية، فمن المهم جدا الخروج عن المألوف قليلا، والتوافق على ضوابط توظف تلك المعادلات إنسانيا ووطنيا، وإلى ميثاق شرف مضمونه الاستمرار في توفير السلع والمتطلبات الحياتية الضرورية، وبسقف لهامش ربحي مقبول يعين المستهلك على توفير متطلباته، ويوفر للتاجر دخلا يغطي نفقاته ويمكنه من العيش الكريم.
وفي الشق الموازي أن تبادر الحكومة ومن خلال أذرعها المختصة، والهيئات الشعبية إلى تنظيم لقاءات وحوارات تطرح الفكرة وتعظم إيجابياتها وصولا إلى توافق شامل على ضوابط أساسية تمكن الدولة بكل عناصرها من تخطي المرحلة الصعبة التي فرضت علينا والتي لا نملك إلا التعاطي معها بما يحمي الوطن ويصونه ويوفر للمواطن سبل العيش المقبول، وأن تعمل الدولة أيضا على دعم الأسواق الموازية، ومنها المؤسسة الاستهلاكية العسكرية ذات السمعة الطيبة، وكذلك» المدنية» لتعزيز دورهما في هذه المرحلة الصعبة التي تتطلب تكاتف الجميع.