الغد- رهام زيدان
يؤكد خبراء أن استخدام المصادر المتجددة في إنتاج الكهرباء وتدني كلفتها مقارنة بالمصادر التقليدية لا يغني عن ترشيد الاستهلاك.
وشدد الخبراء على ضرورة تحسين كفاءة استهلاك الطاقة قبل التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، حتى لا تُستخدم الطاقة المنتجة في غير مكانها الصحيح.
ويشير الخبراء إلى أن تحسين كفاءة استهلاك الطاقة يمكن أن يأتي عبر عدة طرق، غير خفض فاتورة الكهرباء، من بينها تقليل الأحمال، وخفض الفاقد، وتقليل تكاليف الصيانة والتوقفات، وإطالة عمر الآلات والمعدات.
وقال الخبير الاقتصادي م. موسى الساكت: "إن الطاقة المتجددة لا تغني عن الترشيد وكفاءة الاستهلاك"، موضحا أن الطاقة المتجددة تعالج مصدر الطاقة وتكلفتها، بينما تعالج كفاءة الطاقة طريقة استهلاك الطاقة.
وبين الساكت أنه لن يكون من المنطقي إنتاج طاقة أرخص أو أنظف ثم هدر جزء منها بسبب معدات قديمة أو عمليات إنتاج غير كفؤة، مؤكدا أن كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة ليستا بديلتين، وإنما جزء من إستراتيجية صناعية واحدة لخفض تكلفة الإنتاج ورفع تنافسية المنتج الأردني.
وأوضح أنه عندما يمكن خفض تكلفة الطاقة، فإن ذلك يعزز القدرة على المنافسة في الأسواق المحلية والتصديرية، وهذا في النهاية ينعكس على الاقتصاد الوطني بأكمله.
وبين أنه في القطاعات الإنتاجية تحديدا، فإن كل كيلوواط/ساعة يتم توفيره من خلال رفع الكفاءة هو بمثابة إنتاج طاقة لم نعد بحاجة إلى شرائها أو توليدها، ولذلك فإن الترشيد وكفاءة الطاقة يجب أن يكونا الخطوة الأولى قبل الاستثمار في زيادة قدرات الطاقة المتجددة.
وأضاف الساكت: "بشكل مباشر وقابل للقياس، فإن الوفر لا يأتي فقط من خفض فاتورة الكهرباء، وإنما أيضا من تقليل الأحمال، وخفض الفاقد، وتقليل تكاليف الصيانة والتوقفات، وإطالة عمر الآلات والمعدات".
وقال: "كثير من إجراءات كفاءة الطاقة الصناعية لا تحتاج إلى استثمارات كبيرة، إذ إن هناك إجراءات تشغيلية وإدارية، وتحسينا لأنظمة المحركات والضخ والهواء المضغوط والتبريد والإضاءة والعزل الحراري، يمكن أن تحقق وفرا ملموسا خلال فترة زمنية قصيرة".
وأشار الساكت إلى أن الاستثمار في كفاءة الطاقة يخفض بالعادة حجم الطاقة التي يحتاجها المصنع أصلا، وبالتالي يقلل أيضا حجم الاستثمار المطلوب في مشروع الطاقة المتجددة، مشيرا إلى وجود فرصة كبيرة في الصناعة الأردنية.
وأكد ضرورة الانتقال من مفهوم الترشيد بمعنى تقليل الاستهلاك فقط، إلى مفهوم أكثر تقدما هو كفاءة الطاقة، أي إنتاج الكمية نفسها أو كمية أكبر من المنتجات باستخدام طاقة أقل.
من جهته، قال مدير برامج الطاقة والبيئة في بعثة الاتحاد الأوروبي، عمر أبو عيد: إن "ترشيد استهلاك الطاقة في القطاعات الإنتاجية يعد مجديا للغاية، باعتباره يندرج ضمن مفاهيم كفاءة استخدام الموارد، ما يجعل طريقة احتسابه وتطبيقاته ذات أثر إيجابي كبير في هذه القطاعات".
وفيما يتعلق بمقارنة جدوى ترشيد استهلاك الطاقة بالطاقة المتجددة، أوضح أبو عيد أن الطاقة المتجددة مفيدة للمناخ ولخفض انبعاثات الكربون، كما أنها تمثل بديلا لمصادر الطاقة التقليدية، وقد تكون أكثر جدوى من حيث السعر، إلا أن مبادئ ترشيد الطاقة، لكونها تندرج ضمن مفاهيم كفاءة استهلاك الموارد، يكون أثرها في العادة أكبر.
وأضاف، إن الطاقة المتجددة، حتى عند تطبيقها، ينبغي أن تسير جنبا إلى جنب مع مفاهيم ترشيد الطاقة، باعتبارها مصدرا بديلا للكهرباء، وقد تكون في بعض المراحل أوفر من مصادر الطاقة التقليدية، مشيرا إلى أن الصناعة تستخدم مصادر كهرباء أرخص ثمنا من المصادر التقليدية، ومنها الغاز والطاقة المتجددة، مؤكدا أن الدمج بين الجانبين هو الخيار المناسب، وليس النظر إلى أحدهما على أنه أجدى من الآخر.
وأوضح أبو عيد أن البداية تكون عادة بالترشيد، باعتباره جزءا من عملية الاستخدام الأمثل للموارد، إذ يتم إجراء تدقيق يكشف أوجه التوفير والاستخدام، إلى جانب تحديد بعض الأدوات الإدارية المثلى للترشيد وانعكاساتها على العملية الإنتاجية.
وقال: "البداية تكون دائما من الاستهلاك الأمثل للموارد، ليأتي ترشيد الطاقة كجزء من هذه العملية، بالتوازي مع إمكانية دعم المصنع بالطاقة المتجددة".
وبين أن دعم المصنع بالطاقة المتجددة بالكامل قد يكون صعبا، إذ إنه في حال عدم وجود تخزين، لن يتمكن المصنع من الحصول على الكهرباء على مدار الساعة، ولذلك يمكن أن يكون الدعم جزئيا أو ضمن منظومة مشتركة، على سبيل المثال، مع عدة مصانع إنتاجية في المنطقة أو ضمن المدن الصناعية.
وأضاف: "الترشيد يكون دائما جزءا من عملية مشتركة، تشمل، على سبيل المثال، مفاهيم التكامل بين الطاقة والمياه والبيئة، وكذلك كفاءة استخدام الموارد، إذ تجري مراجعة شاملة للموارد المستخدمة في العملية الإنتاجية، بما يشمل المواد الخام والمياه والطاقة والكهرباء".
وأوضح: "لذلك انعكاسات مهمة، إذ تدخل أحيانا أجزاء أخرى من العملية الصناعية ضمن مبادئ وتطبيقات كفاءة الطاقة وترشيدها، مثل استخدام البخار الناتج عن الصناعة، وكذلك التبادل الحراري الناتج عن الصناعة".
من جهتها، قالت المدير التنفيذي لشركة SustainMEN والخبيرة في الاقتصاد الأخضر، شدى الشريف: إن "كفاءة الطاقة تسير يدا بيد مع الطاقة المتجددة"، مشيرة إلى أن الأولوية فعليا يجب أن تكون للتركيز على كفاءة الطاقة في البداية، قبل النظر في إدماج تكنولوجيات الطاقة المتجددة، بما يضمن أن يكون حجم الاستثمار في الطاقة المتجددة بأعلى كفاءة ممكنة.
وأضافت: "بدلا من تركيب نظام بقدرة 10 ميجاوات، فإن تنفيذ إجراءات كفاءة الطاقة في البداية قد يتيح الاستثمار في نظام مناسب بحجم أقل، وبالتالي بتكلفة أقل، ما يرفع المردود الاقتصادي لهذه الاستثمارات".
وبينت أن كفاءة الطاقة ترتبط بشكل وثيق بأمن الطاقة، وعدم الاعتماد على الاستيراد، وتقليل فاتورة الطاقة الوطنية، وكذلك خفض فاتورة الطاقة على المؤسسات، فيما يندرج ذلك أيضا ضمن محرك نمو الموارد المستدامة في رؤية التحديث الاقتصادي، ويعزز التوجه نحو اقتصاد دائري مبني على الإدارة الكفؤة للموارد ورفع أمن التزويد.
وأوضحت أن الكفاءة تبدأ من مرحلة تصميم المنشآت والمباني، بحيث تكون متماشية منذ البداية مع كودات البناء الأخضر وكودات المباني الموفرة للطاقة، مشيرة إلى أن هذه الكودات موجودة ومتطورة في الأردن، إلا أن هناك حاجة إلى تطويرها وتطبيقها على أرض الواقع، ومن ثم النظر في إدخال تكنولوجيات الطاقة المتجددة بالحجم الاستثماري المناسب، من دون هدر لمصادر الطاقة.
وأشارت الشريف إلى أن إجراءات الكفاءة يمكن تطبيقها أيضا على المباني القائمة، وليس المباني الجديدة فقط، موضحة أن وزارة الطاقة أطلقت مؤخرا البرنامج أو الخطة الوطنية لكفاءة الطاقة الثالثة، إلى جانب وجود حوافز مؤخرا وتوجه نحو كفاءة الطاقة، تحديدا في القطاع الحكومي، باعتباره من أهم القطاعات المستهلكة للطاقة، وترى فيه فرصا كبيرة للتوفير.