مجموعة بريكس.. خطوات بطيئة نحو اقتصاد عالمي متعدد الأقطاب*أحمد عوض
الغد
أكدت القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس التي عقدت قبل أيام في العاصمة الهندية "نيودلهي" حقيقة بات من الصعب تجاهلها تتمثل في أن النظام الاقتصادي العالمي الذي تكرست ملامحه بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لم يعد يعكس وحده موازين القوة الاقتصادية الجديدة.
لكن القمة أكدت أيضا أن الانتقال نحو نظام عالمي أكثر تعددية لن يكون سريعا أو سلسا، وأن بريكس، رغم وزنها المتزايد، ما تزال تجمع دولا شديدة التنوع في مصالحها السياسية والإستراتيجية.
فبريكس ليست اتحادا اقتصاديا متكاملا، ولا سوقا مشتركة، ولا تحالفا سياسيا موحدا. هي أقرب إلى منتدى واسع للقوى الاقتصادية الصاعدة والدول المؤثرة في الجنوب العالمي، يجمعها الاعتراض على استمرار هيمنة الدول الغربية على مؤسسات وقواعد الاقتصاد الدولي، ورغبتها في الحصول على دور أكبر في إدارة النظام العالمي.
هذا التنوع يشكل مصدر قوة وضعف في الوقت نفسه. الصين وروسيا تنظران إلى بريكس باعتبارها أداة لبناء نظام عالمي أقل اعتمادا على الولايات المتحدة والغرب، وتسعيان إلى منحها أدوارا سياسية واقتصادية أكثر وضوحا. في المقابل، تتحرك الهند بحذر أكبر، فهي تدعم إصلاح النظام الدولي وتعزيز دور الجنوب العالمي، لكنها لا تريد تحويل بريكس إلى تحالف سياسي مناهض للغرب، خصوصا في ظل مصالحها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية الواسعة مع الولايات المتحدة.
وتتكرر هذه التباينات بدرجات مختلفة لدى بقية الدول الأعضاء، التي تحتفظ كل منها بتحالفاتها وحساباتها الخاصة. لذلك فإن اتساع بريكس يزيد وزنها العالمي، لكنه يجعل اتخاذ مواقف سياسية واقتصادية موحدة أكثر صعوبة، ويحد حتى الآن من قدرتها على التحول إلى كتلة اقتصادية وسياسية متماسكة وفاعلة.
وتبرز هذه المعضلة بوضوح في قضية الدولار. فبرغم الخطاب المتزايد حول تقليص الاعتماد عليه، لم تتجه بريكس إلى إنشاء عملة موحدة تنافس الدولار، بل اختارت مسارا أكثر واقعية يقوم على توسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار، وربط أنظمة الدفع، وتعزيز التمويل بالعملات المحلية.
وهذا المسار قد يكون أكثر أهمية على المدى البعيد من فكرة إصدار عملة موحدة. فالتحدي الحقيقي للدولار لا يبدأ بالضرورة بظهور عملة بديلة تحل مكانه، وإنما بتقليل الحاجة إليه في جزء متزايد من المعاملات التجارية والمالية الدولية. فإذا استطاعت الصين والهند وروسيا والبرازيل ودول الخليج وغيرها تسوية نسبة أكبر من تجارتها بعملاتها الوطنية، فإن الاعتماد الهيكلي على الدولار سيتراجع تدريجيا.
لكن ذلك لا يعني أن هيمنة الدولار ستنتهي قريبا. فالدولار ما يزال يتمتع بعمق الأسواق المالية الأميركية وسيولتها، وبثقة كبيرة في الأسواق العالمية، فضلا عن دوره المركزي في الاحتياطيات والتجارة والديون الدولية. لذلك فإن الحديث عن سقوط سريع للدولار يبدو مبالغا فيه، بينما الأكثر واقعية هو الحديث عن تآكل تدريجي لاحتكاره لبعض وظائف النظام المالي الدولي.
المفارقة أن أكبر عقبة أمام بريكس ليست الولايات المتحدة فقط، بل الاختلافات داخل بريكس نفسها. فالصين والهند تتنافسان إستراتيجيا، والهند لا تريد نظاما ماليا جديدا يجعلها أكثر اعتمادا على الصين، فيما تحتفظ دول أخرى بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع واشنطن وأوروبا.
ومع ذلك، فإن اتجاه التاريخ يبدو واضحا. بريكس لن تتحول قريبا إلى كتلة موحدة تواجه الغرب، لكنها مرشحة للعب أدوار اقتصادية وسياسية أكبر في المستقبل، بالتوازي مع تراجع تدريجي للهيمنة الأميركية والغربية. وسيكون ذلك نهاية المرحلة التي كان فيها الدولار الخيار شبه الوحيد أمام الاقتصاد العالمي.