أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    17-Mar-2026

الفساد في زمن الخوارزميات: هل تستطيع الرقابة الرقمية كشف أسرار العطاءات في الأردن؟

 الغد-د.مروة بنت سلمان آل صلاح

في زمن أصبحت فيه البيانات العملة الأكثر نفوذاً في العالم، لم يعد الفساد ظاهرة يمكن إخفاؤها بسهولة خلف الأبواب المغلقة أو في دهاليز البيروقراطية التقليدية. فالعصر الرقمي أعاد تعريف مفهوم الشفافية بالكامل، وحوّل كل قرار إداري وكل عقد حكومي إلى سلسلة من الآثار الرقمية القابلة للتتبع والتحليل. لم تعد النزاهة تعتمد فقط على القوانين أو اللجان الرقابية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على بناء أنظمة رقمية ذكية تكشف الأنماط الخفية في حركة المال العام قبل أن تتحول إلى أزمات.
 
 
الأردن اليوم يقف في قلب هذا التحول العالمي، وهو تحول لا يتعلق بالتكنولوجيا فقط، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة الإدارية والمسؤولية العامة. فالمشاريع الحكومية والعطاءات ليست مجرد إجراءات إدارية روتينية، بل تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، لأنها تحدد كيف تُنفق الموارد العامة، وكيف تتوزع الفرص الاقتصادية، وكيف تُبنى البنية التحتية التي يقوم عليها النمو والتنمية.
غير أن هذا القطاع تحديداً؛ أي قطاع المشتريات والعطاءات الحكومية، ظل عبر التاريخ من أكثر القطاعات عرضة لمخاطر الفساد أو سوء الإدارة في معظم دول العالم. السبب ليس دائماً سوء النية، بل غالباً ما يرتبط بتعقيد الإجراءات، وتشابك المصالح، وضعف الشفافية في بعض مراحل اتخاذ القرار. وعندما تتقاطع هذه العوامل مع حجم الإنفاق الكبير المرتبط بالمشاريع العامة، تصبح الحاجة إلى منظومة رقابة فعالة مسألة اقتصادية ووطنية في آن واحد.
تشير التقديرات الدولية إلى أن ما بين عشرة وخمسة وعشرين في المائة من قيمة المشتريات الحكومية في بعض الدول قد تتأثر بالهدر أو الممارسات غير السليمة. وإذا ما وضعنا هذه النسبة في سياق الاقتصادات الوطنية، فإنها تعني مليارات الدولارات التي يمكن أن تضيع من دون أن يشعر بها أحد. وفي عالم يسعى فيه الجميع إلى تعظيم كفاءة الموارد العامة، تصبح الرقابة على العطاءات والمشاريع مسألة تتجاوز البعد الإداري لتصل إلى صميم الاستقرار الاقتصادي.
عندما ننظر إلى المؤشرات الدولية المتعلقة بالنزاهة والشفافية، يظهر أن الأردن يحقق تقدماً تدريجياً في هذا المجال. فقد سجل الأردن نحو خمسين نقطة في مؤشر مدركات الفساد العالمي للعام 2025، وهو تحسن نسبي مقارنة بأعوام سابقة. هذه الأرقام تعكس جهوداً مؤسسية واضحة لتعزيز الشفافية وتحسين بيئة الحوكمة، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى أن الطريق نحو منظومة نزاهة متكاملة ما يزال يحتاج إلى خطوات أكثر عمقاً، خصوصاً في مجال إدارة المشاريع والعطاءات.
هنا تحديداً يظهر الدور الحاسم للتكنولوجيا. ففي الدول التي قطعت شوطاً متقدماً في مكافحة الفساد، لم تعد الرقابة تعتمد فقط على التدقيق التقليدي أو التقارير الورقية المتأخرة، بل أصبحت تقوم على ما يعرف بأنظمة الحوكمة الرقمية. هذه الأنظمة تعتمد على تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط غير الطبيعية في العقود الحكومية، مثل تكرار فوز شركات محددة بالعطاءات، أو تضخم الكلفة مقارنة بمشاريع مماثلة، أو التأخيرات المتكررة في التنفيذ.
الفرق بين الرقابة التقليدية والرقابة الرقمية يشبه الفرق بين البحث اليدوي في آلاف الملفات وبين تحليلها عبر خوارزميات قادرة على قراءة ملايين البيانات خلال ثوانٍ. في النظام التقليدي، قد تمر أعوام قبل اكتشاف مشكلة في مشروع ما، أما في النظام الرقمي، فإن البيانات نفسها تصبح جهاز إنذار مبكراً يلفت الانتباه إلى أي خلل في اللحظة التي يبدأ فيها بالظهور.
البيانات في هذه الحالة تتحول إلى شاهد محايد لا تحركه المصالح ولا الضغوط. فعندما تُجمع معلومات العطاءات والمشاريع في منصة رقمية موحدة، يمكن تحليلها بطريقة تكشف العلاقات الخفية بين الشركات والعقود والقرارات الإدارية. وفي كثير من الأحيان، تكشف هذه التحليلات ما لا تستطيع التحقيقات التقليدية اكتشافه بسهولة، لأن الأنماط الرقمية غالباً ما تكون أوضح من الروايات البشرية.
التجارب الدولية تثبت أن اعتماد أنظمة المشتريات الرقمية يمكن أن يرفع كفاءة الإنفاق العام بنسبة تصل إلى عشرين في المائة في بعض الدول. وهذا الرقم ليس بسيطاً على الإطلاق، لأنه يعني ببساطة أن كل دينار يتم حمايته من الهدر يمكن أن يتحول إلى مدرسة جديدة، أو مستشفى إضافي، أو مشروع بنية تحتية يسهم في تحسين حياة المواطنين.
في الأردن، يتزامن الحديث عن الرقابة الرقمية مع توجه وطني واضح نحو التحول الرقمي في الإدارة الحكومية. فقد بدأت العديد من المؤسسات في أتمتة خدماتها وإطلاق منصات إلكترونية لإدارة الإجراءات المختلفة. هذه الخطوات تمثل أساساً مهماً لبناء منظومة حوكمة حديثة، لكنها تحتاج إلى الانتقال من مرحلة الرقمنة الإجرائية إلى مرحلة التحليل الذكي للبيانات.
الرقمنة وحدها لا تكفي. تحويل المعاملات الورقية إلى معاملات إلكترونية خطوة مهمة، لكنها لا تحقق الشفافية الكاملة ما لم تُرافقها أنظمة قادرة على قراءة هذه البيانات وتحليلها واكتشاف الأنماط غير الطبيعية فيها. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الذي أصبح أداة مركزية في إدارة المؤسسات الحديثة. فهذه التكنولوجيا قادرة على تحليل كميات هائلة من المعلومات واستخلاص مؤشرات دقيقة حول أداء المشاريع وكفاءة الإنفاق.
إحدى التقنيات التي بدأت العديد من الحكومات في استخدامها في هذا المجال هي تقنية البلوك تشين، وهي نظام تسجيل رقمي يجعل من المستحيل تقريباً تعديل البيانات بعد إدخالها. عندما يتم تسجيل عقود المشاريع والعطاءات في مثل هذا النظام، تصبح كل خطوة موثقة بشكل دائم، ولا يمكن تغييرها من دون أن يظهر ذلك في السجل الرقمي. هذه الخاصية وحدها كفيلة بإغلاق العديد من الأبواب التي كانت تسمح سابقاً بالتلاعب أو تغيير المعلومات بعد توقيع العقود.
لكن الأثر الحقيقي لهذه الأنظمة لا يقتصر على محاربة الفساد فقط، بل يمتد أيضاً إلى تعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد. فالمستثمر الدولي عندما يدرس دخول سوق جديد لا ينظر فقط إلى حجم الفرص الاقتصادية، بل يدرس أيضاً مدى وضوح القواعد والإجراءات الحكومية. وكلما كانت أنظمة العطاءات والمشاريع أكثر شفافية وقابلية للتتبع، زادت ثقة الشركات الدولية في بيئة الأعمال.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمارات، تصبح الشفافية الرقمية أحد أهم عناصر التنافسية الاقتصادية. فالدولة التي تستطيع أن تقدم نظاماً واضحاً لإدارة المشاريع والعطاءات، وتضمن تكافؤ الفرص بين الشركات، تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات النوعية التي تبحث عن بيئات مستقرة وعادلة.
إن بناء منظومة رقابة رقمية متقدمة في إدارة المشاريع والعطاءات ليس مجرد إصلاح إداري، بل هو جزء من رؤية أوسع لبناء اقتصاد حديث يقوم على الكفاءة والشفافية. وفي عالم تتحكم فيه البيانات في مسارات القرار الاقتصادي، تصبح الدولة التي تدير معلوماتها بذكاء أكثر قدرة على حماية مواردها وتحقيق التنمية المستدامة.
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي دولة في القرن الحادي والعشرين أن تعتمد على الأدوات التقليدية وحدها في حماية المال العام. العالم يتجه بسرعة نحو نموذج جديد من الحوكمة يعتمد على التحليل الذكي للبيانات والشفافية الرقمية. وفي هذا النموذج تصبح التكنولوجيا شريكاً أساسياً في صنع القرار، وتتحول المشاريع الحكومية من ملفات مغلقة إلى منظومات بيانات مفتوحة يمكن قراءتها وتحليلها بوضوح.
في الماضي، كان الفساد يعيش في المساحات الرمادية بين الأوراق والقرارات، مستفيداً من بطء الرقابة وتعقيد الإجراءات. أما اليوم، وفي عصر البيانات والخوارزميات، فإن تلك المساحات تضيق يوماً بعد يوم. لم تعد القضية تتعلق فقط بكشف الفساد بعد وقوعه، بل ببناء أنظمة ذكية تجعل حدوثه أكثر صعوبة من أي وقت مضى. وفي عالم أصبحت فيه البيانات تكتب القصة كاملة، قد يتمكن الفساد من الاختباء لبعض الوقت، لكنه لم يعد قادراً على الاختفاء إلى الأبد.