أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    13-Jan-2026

القضاء الرقمي في الأردن: عدالة تتجدد بلغة العصر

 الغد-د. مروة بنت سلمان آل صلاح

 في الدول الحديثة، لم تعد قوة العدالة تُقاس بعدد القوانين ولا بصرامة النصوص وحدها، بل بقدرتها على الوصول إلى المواطن بسرعة ومن دون انتقاص من كرامته، وبمدى كفاءة النظام القضائي في تحقيق الإنصاف خلال زمن معقول وبإجراءات واضحة. من هذا المنطلق، يبرز القضاء الرقمي في الأردن كأحد أهم مسارات الإصلاح المؤسسي العميق، لأنه لا يقتصر على تحديث الأدوات، بل يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويسهم في إعادة بناء الثقة في منظومة العدالة بوصفها ركيزة للاستقرار والتنمية.
 
 
يشهد العالم اليوم إعادة صياغة شاملة لمفهوم الدولة الحديثة، حيث لم تعد العدالة مسألة قانونية بحتة، بل تجربة مؤسسية متكاملة يعيشها المتقاضي منذ اللحظة الأولى لدخوله النظام القضائي. وفي هذا السياق، لم يكن التحول الرقمي في القضاء الأردني خطوة تقنية معزولة أو استجابة ظرفية، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس وعيًا مؤسسيًا بأن العدالة، لكي تبقى عادلة، يجب أن تتطور، وأن تحاكي إيقاع العصر دون أن تتخلى عن استقلالها أو بعدها الإنساني.
يمتلك الأردن إرثًا قانونيًا راسخًا ومنظومة قضائية معروفة باستقلاليتها النسبية في محيط إقليمي حافل بالتحديات. غير أن هذا الإرث واجه خلال العقدين الأخيرين ضغوطًا متزايدة، في مقدمتها الارتفاع المستمر في أعداد القضايا وتعقيد النزاعات، إلى جانب تنامي توقعات المواطنين والمستثمرين على حد سواء. وتشير التقديرات إلى أن المحاكم الأردنية تنظر سنويا في أكثر من ثلاثمائة ألف قضية بمختلف درجاتها، وهو رقم يعكس حجم الضغط الواقع على القضاة والبنية الإدارية، ويجعل من التحديث المؤسسي ضرورة حتمية لا خيارا مؤجلا.
في هذا الإطار، جاء مسار القضاء الرقمي كاستجابة مدروسة تهدف إلى رفع كفاءة الأداء القضائي دون استبدال الإنسان بالآلة. فقد بدأت مراحل التحول بأتمتة تسجيل الدعاوى، وتطوير أنظمة إلكترونية لإدارة القضايا، واعتماد خدمات الدفع الإلكتروني، وربط المحاكم بقواعد بيانات مركزية. وأسهم ذلك في تقليص زمن إنجاز عدد من الإجراءات الأساسية، حيث تشير مؤشرات الأداء إلى انخفاض متوسط زمن بعض المعاملات بنسبة تراوحت بين 20 و30 بالمائة، مع الحفاظ على الضمانات القانونية وحق التقاضي المكفول دستوريًا.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على تسريع الإجراءات، بل يمتد إلى تحسين جودة العدالة الإجرائية ذاتها. فتنظيم الملفات رقميًا، وتوضيح المواعيد، وإتاحة تتبع مسار الدعوى، أسهمت جميعها في الحد من الأخطاء الإدارية والتأخير غير المبرر. وفي هذا السياق، يصبح الزمن عنصرًا من عناصر العدالة، لا مجرد عامل إداري، إذ يقف خلف كل قضية إنسان ينتظر قرارًا قد يغير مسار حياته أو استقراره. تحرير القاضي من عبء الأعمال الورقية لا يعني التعجيل بالحكم على حساب التدقيق، بل تمكينه من التركيز على جوهر النزاع وتحقيق الإنصاف بوعي أعمق.
كما عزز القضاء الرقمي مبدأ الشفافية المؤسسية من خلال توثيق الإجراءات وتوحيد النماذج وحفظ البيانات بصورة آمنة، ما قلل من التفاوت في التطبيق، ورسخ مبدأ المساواة بين المتقاضين. وقد انعكس ذلك على انخفاض ملموس في الشكاوى المرتبطة بفقدان الملفات أو غموض الإجراءات، وهي تحديات لطالما أثقلت كاهل الأنظمة القضائية التقليدية. الشفافية هنا ليست شعارًا تنظيميًا، بل نتيجة مباشرة لاعتماد منظومة تقوم على المعلومة الدقيقة والمسار الواضح.
وفي وقت ما تزال فيه بعض الأنظمة القضائية في المنطقة تعاني من الجمود الإجرائي وبطء التحديث، اختار الأردن نهج الإصلاح المتدرج والمتوازن، القائم على التطوير من الداخل واحترام الخصوصية الوطنية، بعيدًا عن القفز غير المحسوب أو الاستنساخ الأعمى للتجارب الخارجية. ويعكس هذا النهج إدراكًا عميقًا لحساسية القضاء بوصفه سلطة دستورية لا تحتمل الحلول السطحية أو التجميل الشكلي.
اقتصاديًا، يشكل القضاء الرقمي عنصرًا محوريًا في تحسين بيئة الاستثمار. فالمستثمر لا يبحث عن نصوص قانونية متقدمة فحسب، بل عن منظومة عدالة قادرة على الفصل السريع والعادل في النزاعات. وقد ساهمت أدوات التقاضي الإلكتروني في تحسين إدارة القضايا التجارية وتقليص مدد الفصل فيها نسبيًا، ما عزز صورة الأردن كمركز قانوني مستقر وجاذب للاستثمار، خاصة على المدى المتوسط والطويل.
وبطبيعة الحال، لم يكن هذا المسار خاليًا من التحديات، سواء تلك المرتبطة ببناء الثقة في الأنظمة الإلكترونية، أو بتطوير مهارات الكوادر القضائية، أو بضمان أعلى مستويات أمن المعلومات. كما تمثل حماية البيانات القضائية أحد أكثر الملفات حساسية، ما استدعى استثمارات إضافية في البنية التحتية السيبرانية ووضع بروتوكولات صارمة للنفاذ والاستخدام. غير أن التعامل الجاد مع هذه التحديات يعكس نضج التجربة الإصلاحية، لا تعثرها.
ويقف القضاء الرقمي في الأردن اليوم على أعتاب مرحلة أكثر تقدمًا، تتجاوز الأتمتة إلى ما يمكن تسميته بالذكاء المؤسسي. ويشمل ذلك توظيف البيانات لتحليل الأحمال القضائية، وتحسين توزيع الموارد، ورصد أنماط النزاعات، مع إمكانية مستقبلية لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد تحليلي داعم للقرار القضائي، ضمن أطر تشريعية وأخلاقية واضحة، تحفظ استقلال القضاء ولا تمس جوهره الإنساني.
ومن منظور التحول الرقمي وبناء المدن الذكية، لا يمكن النظر إلى القضاء الرقمي كقطاع منفصل، بل كجزء لا يتجزأ من منظومة الدولة الحديثة. فلا اقتصاد رقمي دون عدالة قادرة على مواكبة سرعته وتعقيداته، ولا مدينة ذكية دون منظومة قضائية ذكية تشكل أحد أعمدتها الأساسية. التجربة الأردنية، وإن كانت ما تزال في طور التطوير، تقدم نموذجا واقعيا لإصلاح مؤسسي متدرج يجمع بين احترام الثوابت الوطنية والاستفادة الواعية من أدوات العصر.
ختامًا، يمثل القضاء الرقمي في الأردن تعبيرًا عمليًا عن إرادة تحديث الدولة من الداخل، ورسالة واضحة بأن العدالة، لكي تبقى مصدر ثقة، يجب أن تكون قريبة، شفافة، وقادرة على التطور. ومع استمرار هذا المسار، يرسخ الأردن قناعة مفادها أن الاستثمار في العدالة الرقمية هو استثمار في الاستقرار، وفي الثقة، وفي مستقبل تُمارَس فيه سيادة القانون بروح العصر وبوصلة الإنسان معًا.