الخضراوات.. من يتحكم بتوازنات السوق وهل تقطع السقوف السعرية دابر الاحتكار؟
الغد-عبدالله الربيحات
تعد معادلة العرض والطلب مهمة في تحقيق توازنات السوق للمنتجات الزراعية، بيد أنها لا يمكن أن تنجح في حالات الاحتكار وعدم وجود رقابة صارمة وشفافة في إدارة عمليات البيع في الأسواق، ما يتطلب من الجهات الرسمية اتخاذ القرار بضبط الأسعار من خلال وقف التصدير أو وضع سقوف سعرية للمنتجات الزراعية، أو البحث عن خيارات أخرى لضمان استمرار انسيابية السلع في السوق بأسعار مناسبة.
وفي السياق، يرى خبراء زراعيون أن اللجوء مباشرة إلى السقوف السعرية أو وقف تصدير الخضار والفواكه يعتبر التحدي الأكبر، ولا يساهم في تحقيق التوازن بين حماية المستهلك ودعم المزارع، وهو ما يتطلب رقابة صارمة وشفافة في إدارة السوق من الجهات الرسمية.
وقال هؤلاء الخبراء في تصريحات لـ"الغد" إن المساهمة في دعم صغار المزارعين والمنتجين، إلى جانب تنظيم وضبط الحلقات التسويقية، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، تضمن تحقيق توازن السوق وضمان عدالة الأسعار، كما تنعكس هذه الإجراءات إيجاباً على استقرار الأمن الغذائي في الأردن، من خلال تعزيز استمرارية الإنتاج المحلي، وتقليل التقلبات السعرية، وضمان توفر المنتجات الزراعية بجودة وكميات كافية للمستهلكين.
كما دعوا الحكومة إلى فتح أسواق موازية شعبية من المزارع مباشرة وذلك بالتنسيق مع أمانة عمان الكبرى بالسماح بفتحها دون اللجوء إلى وضع سقوف سعرية أو وقف التصدير.
يأتي هذا كله في ظل الجدل الواسع من ارتفاع أسعار الخضار والفواكه إلى مستويات قياسية، في ظل أزمة إقليمية لسلاسل التوريد، ما يتطلب من الجهات الرسمية وضع ضوابط للحفاظ على الأسعار وحماية المنتج المحلي بأسعار مناسبة.
لا مبرر للسقوف السعرية
في السياق، يرى الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أنه وفي ظل الجدل الدائر حول ارتفاع أسعار بعض المنتجات الزراعية، خصوصاً البندورة، يبرز سؤال جوهري هو: كيف يمكن للحكومة ممثلة بوزارتي الصناعة والتجارة والزراعة أن تضبط الأسعار بما يحقق التوازن بين حماية المستهلك وضمان استدامة الإنتاج الزراعي؟
وأضاف الزعبي أن وزير الزراعة صائب الخريسات أوضح مؤخراً أن لا مبرر حتى الآن لفرض سقوف سعرية على الخضراوات، مؤكداً أن الأردن لا يستورد الخضار وإنما يعتمد على إنتاجه المحلي، مع نسبة اكتفاء ذاتي تصل إلى 61 %، وهو رقم يعكس قوة القطاع الزراعي، لكنه يضع في الوقت ذاته مسؤولية كبيرة على آليات الرقابة الحكومية لضمان عدالة الأسعار.
وقال: "خلال شهر رمضان الماضي، شهدت الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار البندورة نتيجة انخفاض الكميات الواردة للسوق (180-200) طن يومياً مقابل حاجة يومية تصل إلى (450-500 طن)، ومع عودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية، أكد الوزير أن الكميات الحالية تكفي الاحتياجات المحلية بالكامل، وأن السعر المعتدل للبندورة يتراوح بين 70-80 قرشاً للكيلو."
وتطرق إلى تنوع أدوات الحكومة لضبط الأسعار، بدءاً من وقف التصدير مؤقتاً لتوجيه الإنتاج نحو السوق المحلي عند حدوث ارتفاع غير مبرر في الأسعار، مروراً بالتنسيق المستمر بين وزارتي الصناعة والتجارة والتموين والزراعة لرصد الأسعار والتدخل عند الحاجة.
وأضاف: "بالتأكيد تبرز آلية العرض والطلب، حيث تترك الحكومة للسوق حرية تحديد الأسعار، لكنها تتدخل عند وجود اختلالات أو تجاوزات من خلال الرصد والمتابعة اليومية ومراقبة الكميات الداخلة للأسواق المركزية، وضبط أي محاولات للاحتكار أو رفع غير مبرر للأسعار."
وزاد: "في سياق الرقابة على الأسواق، لا يمكن إغفال الأثر الكبير للحلقات التسويقية المتعددة وتدخل الوسطاء في رفع السعر النهائي على المستهلك، فغالباً ما يظهر فرق شاسع بين السعر الذي يتقاضاه المزارع عند "باب المزرعة" والسعر الذي يدفعه المواطن. وهنا تبرز أهمية الرقابة الصارمة على مسارات التوزيع، وتفعيل دور الجمعيات التعاونية لتمكين المزارعين من تسويق منتجاتهم بشكل مباشر، ما يقلل الكلف الإضافية ويدعم صغار المزارعين في مواجهة تحديات الجاهزية والاستدامة."
وإلى جانب آليات السوق، بين الزعبي: "يفرض التغير المناخي والتقلبات الجوية المرافقة له تحديات حقيقية أمام استقرار كميات الإنتاج، وهذا الواقع يتطلب توجيه جهود القطاع نحو تبني أدوات الزراعة الحديثة كالزراعة المائية والبيوت البلاستيكية الذكية؛ لضمان التدفق المستمر للسلع.
وتابع: "وفي أوقات ذروة الإنتاج، يبرز دور قطاع التصنيع الغذائي، كمصانع معجون الطماطم، كصمام أمان وممتص للصدمات الاقتصادية؛ فهو يحمي المزارع من تكبد الخسائر نتيجة هبوط الأسعار، ويبني في الوقت ذاته مخزوناً إستراتيجياً محلياً يعزز من مناعة سلاسل الإمداد."
وبالعودة إلى التساؤل: هل السقوف السعرية ضرورة؟ قال الزعبي: "تُعتبر السقوف أداة استثنائية، تُستخدم عادة في حالات الاضطراب الشديد أو الاحتكار، ويرى الوزير أن الظروف الحالية لا تستدعي فرضها، خاصة مع توقع انخفاض الأسعار في شهر نيسان المقبل نتيجة وفرة الإنتاج، لكن من منظور اقتصادي، يمكن القول إن السقوف السعرية قد تصبح ضرورة إذا استمرت الأسعار بالارتفاع بشكل يرهق المستهلك ويهدد الأمن الغذائي، خصوصاً في ظل محدودية دخل الأسر الأردنية، مع الأخذ بالاعتبار إذا استمر تصاعد النزاع الإقليمي، فعندها سيكون ملف الأمن الغذائي في عين العاصفة الإقليمية."
وتابع: "يمتلك أصحاب القرار بهذا الشأن الأدوات المرنة لضبط الأسعار دون اللجوء مباشرة إلى السقوف السعرية، مثل وقف التصدير والتنسيق بين الوزارات."، مبينا أنه "مع ذلك، تبقى السقوف خياراً احتياطياً لا بد من تفعيله قبل أن تخرج الأسعار عن السيطرة، حيث إن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين حماية المستهلك ودعم المزارع، وهو ما يتطلب رقابة صارمة وشفافية في إدارة السوق."
حزمة أدوات متكاملة
من جهته، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي، أنه "في ظل الحديث المتكرر عن ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية ومن أبرزها الخضار، فيمكن للحكومة، ممثلة بوزارتي الزراعة والصناعة والتجارة، ضبط أسعار الخضار والفواكه عبر حزمة متكاملة من الأدوات التي توازن بين حماية المستهلك واستدامة الإنتاج الزراعي."
وأضاف أن أولى هذه الأدوات، تتمثل بإدارة العرض في السوق، من خلال تنظيم التصدير مؤقتاً عند حدوث نقص محلي، وضمان تدفق الكميات الكافية للأسواق المركزية. كما تلعب أنظمة الرصد اليومي للأسعار والكميات دوراً محورياً في التدخل المبكر قبل تفاقم أي ارتفاعات غير مبررة، إضافة إلى إمكانية تفعيل الرقابة على حلقات التسويق والوسطاء للحد من الممارسات الاحتكارية أو المغالاة في الهوامش الربحية، إلى جانب دعم سلاسل الإمداد (النقل، التخزين، التبريد) لتقليل الفاقد وخفض التكاليف.
وأوضح العسوفي: "فيما يتعلق بالسقوف السعرية، فهي أداة استثنائية وليست حلاً دائماً، وتُستخدم عادة في حالات الاختلال الحاد أو الأزمات لضبط الأسواق مؤقتاً، لكنها قد تؤدي على المدى المتوسط إلى نتائج عكسية مثل عزوف بعض التجار أو المزارعين عن التوريد إذا لم تغطِّ الأسعار تكاليفهم، لذلك، وفي ظل وجود مؤشرات على كفاية الإنتاج المحلي وتحسن العرض المتوقع، كما هو الحال مع دخول مواسم إنتاج وفيرة، فإن اللجوء إلى السقوف السعرية لا يُعد ضرورة ملحة حالياً، بل يُفضل الاعتماد على آليات السوق مع تدخل حكومي ذكي ومرن عند الحاجة، بما يحقق التوازن بين استقرار الأسعار وحماية المنتج الزراعي."
وزاد: "يسهم دعم صغار المزارعين والمنتجين، إلى جانب تنظيم وضبط الحلقات التسويقية، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، في تحقيق توازن السوق وضمان عدالة الأسعار، كما تنعكس هذه الإجراءات إيجاباً على استقرار الأمن الغذائي في الأردن، من خلال تعزيز استمرارية الإنتاج المحلي، وتقليل التقلبات السعرية، وضمان توفر المنتجات الزراعية بجودة وكميات كافية للمستهلكين."
تشديد الرقابة
بدوره، أكد رئيس الجمعية الأردنية لمصدّري ومنتجي الخضار والفواكه، المهندس مازن حمارنة، ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق وتجار التجزئة، كما طالب أن تعمل الحكومة على فتح أسواق موازية شعبية من المزارع مباشرة، وذلك بالتنسيق مع أمانة عمان الكبرى.
وأشار حمارنة إلى دور جمعية حماية المستهلك في توجيه المستهلكين إلى النمط الاستهلاكي الصحيح ، مبينا أن وقف التصدير وتحديد سقوف سعرية قرار خاطئ، حيث سيلحق خسائر بالمزارع ويفقدنا الأسواق الخارجية.
وكان بين وزير الزراعة صائب الخريسات أكد خلال مقابله صحافية أول من أمس أنه "لا مبرر حتى الآن لفرض سقوف سعرية على الخضراوات تحديدا." مضيفا أن الأردن لا يستورد الخضراوات وإنما بعض أنواع الفواكه فقط.
ولفت إلى أن قطاع الزراعة آمن، ونسبة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل وصلت إلى 61 %، مبينا أن الاحتياجات اليومية من محصول البندورة تصل إلى 450-500 طن يوميا.
ولفت إلى أنه خلال شهر رمضان المبارك كان هنالك ارتفاع في سعر البندورة، حيث كان يدخل للسوق 180-200 طن لأسباب تتعلق بالإنتاج الزراعي، منوّها بأنه ما يدخل إلى السوق من البندورة حاليا يكفي الاحتياج المحلي كاملا.
وأوضح أن الوزارة في حال وجدت ارتفاعا في الأسعار فستوقف التصدير مؤقتا بحسب الاحتياجات، مشيرا إلى أن العرض والطلب هما ما يحكمان السعر، مرجحا أن تنخفض أسعار الخضراوات خلال شهر نيسان (إبريل) نظرا لوفرة الإنتاج المتوقعة.