انضمام الأردن لاتفاقية هلسنكي.. فوائد مائية مشروطة بتعاون دول الإقليم
الغد-إيمان الفارس
يعكس انضمام الأردن إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه، تحولا مهما في مقاربة إدارة الموارد المائية، عبر الانتقال من الاعتماد على الاتفاقيات الثنائية فقط إلى الاستفادة من إطار قانوني دولي أوسع يدعم التعاون الإقليمي.
لكن خبراء في قطاع المياه، أكدوا، في تصريحات لـ"الغد"، أن نجاح هذه الخطوة، لن يقاس بمجرد الانضمام إلى الاتفاقية، بل بقدرة الأردن على تحويلها إلى أدوات عملية تعزز الدبلوماسية المائية، وتدعم التعاون مع دول الجوار، وتواكب في الوقت نفسه إصلاحات وطنية عميقة في إدارة الطلب على المياه والبنية التحتية المائية.
وفي منطقة تتزايد فيها الضغوط على الموارد الطبيعية، قد يشكل هذا المسار فرصة لتحويل ندرة المياه من عامل صراع محتمل إلى مساحة للتعاون والشراكة الإقليمية طويلة الأمد.
ففي وقت تتفاقم فيه أزمة المياه في الأردن بفعل الضغوط الديمغرافية وتداعيات تغير المناخ، يبرز انضمام المملكة رسميا إلى اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1992 بشأن حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية، المعروفة باتفاقية هلسنكي، بوصفه خطوة قانونية وإستراتيجية قد تعيد تشكيل أدوات الأردن في إدارة موارده المائية المشتركة مع دول الجوار.
وجاء انضمام الأردن إلى الاتفاقية في السادس من شباط (فبراير) 2026، في سياق إقليمي يتسع تدريجيا لتبني هذا الإطار الدولي، بعد انضمام العراق العام 2023، الأمر الذي يعزز فرص التعاون في واحدة من أكثر مناطق العالم معاناة من ندرة المياه.
ووفق تحليلات المختصين، فإن الانضمام إلى الاتفاقية يمنح الأردن مرجعية قانونية دولية لتنظيم استخدام الموارد المائية المشتركة، ويعزز موقعه في إدارة الأحواض المائية التي يتقاسمها مع دول الجوار.
وتشير هذه التحليلات إلى أن الاتفاقية تستند إلى مبادئ أساسية في القانون الدولي للمياه، من أبرزها الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب بضرر للدول الأخرى، إضافة إلى تبادل المعلومات والبيانات الهيدرولوجية بين الدول المتشاطئة.
وأشار الخبراء إلى أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها القانوني، بل تمتد إلى تعزيز ما يعرف بـ"الدبلوماسية المائية"، أي استخدام الأطر الدولية للتفاوض والتعاون بشأن الموارد المشتركة.
فوجود إطار قانوني دولي معترف به يمكن أن يعزز قدرة الأردن على التفاوض بشأن حصص المياه أو معالجة النزاعات المرتبطة بها، خصوصاً في الأحواض التي تتداخل فيها اعتبارات سياسية وجغرافية معقدة.
كما يفتح الانضمام المجال أمام مشاركة الأردن في منصات دولية، لصنع السياسات المائية والوصول إلى شبكات الخبراء والمؤسسات الدولية، الأمر الذي قد يسهم في تعزيز حضوره في الحوكمة العالمية للمياه.
محطة مهمة
وفي ظل انضمام الأردن إلى اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1992 بشأن حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية، أكد المدير التنفيذي للشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه (INWRDAM) د. مروان الرقاد، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في مسار تعزيز الإطار القانوني والمؤسسي لإدارة الموارد المائية المشتركة، خاصة في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجهها المملكة في ملف المياه.
وقال الرقاد إن الأردن يعد من أكثر دول العالم فقرا بالمياه، ويعتمد إلى حد كبير على الأحواض المائية المشتركة مع دول الجوار، مضيفا أن "انضمام الأردن إلى اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1992 بشأن حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية، يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الإطار القانوني والمؤسسي لإدارة الموارد المائية المشتركة".
وأوضح الرقاد أن "الأردن يعد من أكثر دول العالم فقرا بالمياه، ويعتمد بشكل كبير على أحواض مائية مشتركة مع دول الجوار مثل حوض نهر اليرموك ونهر الأردن"، ما يجعل التعاون الإقليمي في إدارة هذه الموارد مسألة حيوية للأمن المائي الوطني.
وفي هذا السياق، بين الرقاد أن الاتفاقية توفر منصة قانونية دولية تعزز التعاون بين الدول المتشاطئة، مشيرا إلى أن "الانضمام إلى الاتفاقية يوفر منصة قانونية دولية تعزز مبادئ التعاون وتبادل البيانات والإدارة المشتركة للموارد المائية العابرة للحدود".
كما تستند الاتفاقية إلى مجموعة من المبادئ المعترف بها دوليا، مثل الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب بضرر ذي شأن للدول الأخرى، إضافة إلى تبادل المعلومات والبيانات الهيدرولوجية بين الدول.
ولفت إلى أن هذه المبادئ يمكن أن تعزز قدرة الأردن على تطوير حوار فني وقانوني أكثر فاعلية مع الدول المتشاطئة، وتوفير إطار أكثر شفافية لإدارة الأحواض المشتركة.
وقال إن الانخراط في آليات الاتفاقية ومنصاتها التقنية قد يمنح الأردن أدوات إضافية لتحسين إدارة موارده المائية، وفهم التغيرات في الجريان السطحي، وتعزيز قدرته على المطالبة بإدارة عادلة ومستدامة للمياه المشتركة.
ومع ذلك، بين الرقاد أن تحقيق الفائدة الفعلية من هذا الانضمام لا يتوقف على البعد القانوني وحده، بل يعتمد إلى حد كبير على مدى تفعيل آليات التعاون وتطبيق أحكام الاتفاقية على أرض الواقع.
وقال في هذا الإطار، "إن تحقيق الفائدة الفعلية من هذا الانضمام يعتمد إلى حد كبير على مدى تفعيل آليات التعاون وتطبيق أحكام الاتفاقية على أرض الواقع"، مشيرا إلى أن التحديات التي تواجه الأردن في إدارة المياه العابرة للحدود ترتبط في كثير من الأحيان بعوامل جيوسياسية معقدة.
وأضاف، "إن التحديات التي يواجهها الأردن في إدارة المياه العابرة للحدود ترتبط غالباً بتعقيدات جيوسياسية واختلالات في السيطرة على الموارد المشتركة"، مؤكدا أن ترجمة المبادئ القانونية للاتفاقية إلى إجراءات عملية مثل تبادل البيانات المنتظم، والرصد المشترك للأحواض المائية، وتطوير آليات للإنذار المبكر تتطلب إرادة سياسية وتنسيقاً مؤسسياً مستمراً بين الدول المتشاطئة.
وفي هذا السياق، أشار الرقاد إلى أهمية دور المؤسسات الإقليمية والوسطاء الفنيين في تسهيل التعاون بين الدول المشتركة في الأحواض المائية.
وأوضح "أن وجود جهات إقليمية محايدة يمكن أن يساعد في بناء الثقة وتوفير منصات للحوار العلمي والتقني بعيدا عن التعقيدات السياسية".
وضرب مثالا على ذلك بالشبكة الإسلامية للمياه، موضحا "أنها تعمل كمكتب تنسيق لمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط، حيث يركز دور الشبكة على دعم التعاون الإقليمي في إدارة المياه العابرة للحدود من خلال تقديم حلول تقنية وعلمية مشتركة".
ويقوم هذا النهج، بحسب الرقاد، على مبدأ المنفعة المتبادلة، متابعا "أن العمل مع دول المنبع لتحسين كفاءة استخدام المياه وتطوير تقنيات الإدارة المستدامة يمكن أن يؤدي إلى تقليل الفاقد وزيادة كميات المياه المتاحة للإطلاق نحو دول المصب".
ورأى "أن مثل هذه المقاربات التقنية التعاونية قد تسهم في تحويل إدارة المياه المشتركة من مصدر للتوتر إلى فرصة للتعاون والتنمية المشتركة".
ولفت كذلك إلى أن الأردن يواجه ضغوطا متزايدة على موارده المائية نتيجة عدة عوامل متداخلة، موضحا "أن الأردن يواجه ضغوطا متزايدة نتيجة النمو السكاني السريع، واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، وتأثيرات تغير المناخ التي تزيد من تقلبات الهطل المطري وتراجع الموارد المائية المتاحة".
ولذلك، فإن تحويل الانضمام إلى الاتفاقية إلى نتائج عملية يتطلب خطوات مؤسسية وتقنية متقدمة.
وشدد في هذا الإطار على "أن ترجمة الانضمام إلى الاتفاقية إلى نتائج عملية يتطلب تعزيز القدرات المؤسسية الوطنية، وتطوير أنظمة الرصد وجمع البيانات، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية بإدارة المياه".
وجدد الرقاد تأكيده بأن أهمية هذه الخطوة تكمن في بعدها الإستراتيجي ضمن منظومة أوسع من السياسات المائية.
وشدد على "أن انضمام الأردن إلى الاتفاقية هو أداة إستراتيجية لتعزيز الدبلوماسية المائية وتطوير التعاون الإقليمي، وليس حلا منفردا لأزمة المياه".
وأضاف، "إن الفائدة الحقيقية ستتحقق عندما يتم توظيف هذا الإطار القانوني الدولي بالتوازي مع سياسات وطنية فعّالة لإدارة الطلب على المياه، وتوسيع استخدام المياه المعالجة، وتعزيز حلول المياه اللامركزية مثل حصاد مياه الأمطار".
وأكد الرقاد أن دعم منصات التعاون الإقليمي يبقى عاملا أساسيا في تحقيق الاستفادة القصوى من هذا الانضمام، موضحا "أن دعم منصات التعاون الإقليمي التي تسعى إلى تحقيق منافع مشتركة لجميع الدول المتشاطئة يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن المائي للأردن والمنطقة على المدى الطويل".
أبعاد قانونية وإستراتيجية
يمثل انضمام الأردن الرسمي إلى اتفاقية الأمم المتحدة للعام 1992 بشأن حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود، خطوة إستراتيجية في مسار مواجهة التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه في المملكة، خاصة في ظل الندرة الشديدة للمياه والضغوط الناتجة عن النمو السكاني وتدفق اللاجئين وتداعيات تغير المناخ.
وفي هذا الإطار، أكدت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه م. ميسون الزعبي، أن هذا الانضمام يحمل أبعادا قانونية وإستراتيجية مهمة لإدارة الموارد المائية المشتركة مع دول الجوار.
وقالت الزعبي "إن انضمام الأردن الرسمي إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه للعام 1992 في 6 شباط (فبراير) 2026، يمثل خطوة إستراتيجية تهدف إلى معالجة أحد أكبر التحديات الجيوسياسية والبيئية التي تواجه المملكة".
وأضافت الزعبي، إن الاتفاقية توفر إطارا قانونيا دوليا ملزما يمكن أن يسهم في تنظيم إدارة المياه المشتركة وتعزيز الأمن المائي الوطني، مبينة "أن هذا الانضمام يعزز الأمن المائي للأردن، من خلال توفير إطار قانوني دولي ملزم لتنظيم وإدارة موارد المياه المشتركة مع الدول المجاورة، ويسهم في معالجة ندرة المياه وتغير المناخ عبر توفير أدوات تعاونية وتشجيع المشاركة في إدارة احواض المياه وضمان تقاسم عادل لها، ما يدعم الاستدامة في ظل النمو السكاني وتدفق اللاجئين".
وأشارت إلى أن الاتفاقية تتيح كذلك فرصا لتعزيز التعاون الفني وتبادل المعلومات بين الدول المتشاطئة، الأمر الذي يساعد في الحد من النزاعات المحتملة حول الموارد المائية المشتركة.
وتابعت "إن الاتفاقية توفر قاعدة لتبادل البيانات والمعلومات التقنية بين الدول المتشاطئة، ما يقلل المخاطر ويمنع النزاعات على الموارد المائية المشتركة".
ولفتت الزعبي إلى إمكانية أن ينعكس هذا التعاون، على تطوير خطط مشتركة لمواجهة آثار تغير المناخ وإدارة الموارد المائية بشكل أكثر كفاءة، موضحة "أن الاتفاقية تساعد الأردن في وضع خطط إستراتيجية مشتركة للتكيف مع تغير المناخ، والحد من تلوث المياه، وتقديم حلول عملية لإدارة أحواض المياه الجوفية والسطحية".
ورأت أن تطبيق مبادئ الاستخدام العادل والمعقول للمياه يوفر فرصة لتعزيز استقرار مصادر المياه في المملكة، مضيفة أنه "من خلال تطبيق مبادئ الاستخدام العادل والمعقول يستطيع الأردن تأمين مصادر مياه أكثر استقرارا لتلبية الطلب المتزايد الناتج عن النمو السكاني وتدفق اللاجئين".
كما أكدت أهمية الانضمام، باعتباره يمثل خطوة مهمة لتعزيز التعاون الإقليمي في إدارة الموارد المائية، موضحة "أن هذا الانضمام يعد خطوة إستراتيجية للتعاون الإقليمي، إذ يعزز دور الأردن في الإدارة المشتركة للمياه، ويسهل حصوله على التمويل الدولي لمشاريع المياه الحيوية".
ورغم هذه الفرص، لفتت الزعبي إلى وجود تحديات عملية معقدة قد تواجه الأردن في تحويل هذا الانضمام إلى إدارة فعالة ومستدامة للموارد المائية العابرة للحدود، منوهة إلى أن "الأردن يواجه تحديات عملية خطيرة في تحويل انضمامه إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه 1992 إلى إدارة مستدامة، وأبرزها محدودية موارد المياه العابرة للحدود مثل نهر اليرموك ونهر الأردن وحوض الديسي بنسبة 40 %، وضغوط اللاجئين، والنمو السكاني، وتغير المناخ الذي يزيد من ندرة المياه، إضافة إلى التعقيدات الجيوسياسية مع الدول المجاورة والحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية".
وأشارت إلى أن التحديات الجيوسياسية تمثل أحد أبرز العوائق أمام تطبيق أحكام الاتفاقية، مضيفة "أن تحقيق الإدارة المستدامة يعتمد على التعاون مع الدول المجاورة التي تتشارك أحواض المياه، ما يجعل التوترات السياسية عائقا أمام التنفيذ الفعال لأحكام الاتفاقية".
كما يواجه الأردن ضغوطا ديموغرافية متزايدة في ظل محدودية الموارد المائية، حيث بينت الزعبي "أن الأردن يواجه مستويات حرجة من ندرة المياه، حيث ينخفض نصيب الفرد إلى أقل من 100 متر مكعب سنويا، في حين أن استهلاك المياه الناتج عن استضافة اللاجئين والنمو السكاني يزيد من استنزاف الموارد".
وحذرت من دور تغير المناخ في زيادة تعقيد المشهد المائي في المنطقة، متابعة: "يؤدي ضعف موسم الأمطار وزيادة فترات الجفاف إلى تقلبات حادة وانخفاض في تغذية السدود والمياه الجوفية، ما يضعف استدامة الموارد العابرة للحدود".
كما شددت الزعبي على أن تطوير البنية التحتية المائية يشكل تحديا اقتصاديا مهما، موضحة "أن جعل الانضمام إلى الاتفاقية أمرا عمليا، يتطلب استثمارات كبيرة في تحديث وإنشاء بنية تحتية للمياه قادرة على معالجة ونقل الموارد المشتركة، وهو تحد مالي كبير في ظل الظروف الاقتصادية الحالية".
وفي المقابل، دعت الزعبي إلى أهمية العمل على مجموعة من المحاور الإستراتيجية التي تعزز إدارة المياه المشتركة، بهدف تحقيق الاستفادة القصوى من هذا الانضمام.
وقالت: "لتحقيق أقصى استفادة من هذا الانضمام، يمكن التركيز على تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في إدارة الموارد المشتركة، حيث توفر الاتفاقية إطارا قانونيا ومؤسسيا يدعم الإدارة العادلة والمستدامة للمياه العابرة للحدود التي تشكل نحو 40 % من موارد الأردن المائية، ما يعزز قدرة الأردن على التفاوض بشأن حصصه المائية".
كما تتيح الاتفاقية فرصا لتبادل الخبرات والمعارف مع الدول التي تواجه تحديات مشابهة، إذ توضح "أن الاتفاقية توفر منصة عالمية لتبادل المعارف والتقنيات مع الدول التي تواجه تحديات مماثلة في ندرة المياه، لا سيما في ظل تزايد أعداد اللاجئين".
وزادت أن الانضمام يمكن أن يسهم أيضا في دعم الإستراتيجيات الوطنية للمياه، وجذب التمويل الدولي للمشاريع الحيوية، لافتة إلى "أن الانضمام يساهم في تطوير الإستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040، وخاصة في مشاريع تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة".
كما أشارت إلى أهمية الاستفادة من التمويل الدولي المخصص للتكيف مع تغير المناخ، مبينة "أن الانضمام يسهل الوصول إلى صناديق التمويل الدولية المخصصة للتكيف مع تغير المناخ ما يدعم مشاريع مثل الناقل الوطني للمياه".
وأكدت ضرورة تعزيز القدرات المؤسسية والتقنية في قطاع المياه، مشددة على أهمية "بناء القدرات وتعزيز القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ".
وفي سياق تحسين كفاءة إدارة المياه، أشارت إلى ضرورة تطوير إدارة الطلب على هذه المياه المنزلية، وزيادة كفاءة استخدامها بما يتماشى مع المعايير الدولية للحد من فاقد المياه غير المستخدمة ومعالجة المياه الرمادية ومياه الصرف الصحي".
وجددت التأكيد على أهمية تبني سياسات مائية مستدامة قائمة على الشفافية والتعاون الدولي، قائلة "ينبغي وضع سياسات مائية شفافة ومستدامة تستند إلى نماذج ناجحة ضمن شبكة الممارسين التابعة للاتفاقية Top of Form".
تعزيز الموقف القانوني للأردن
ويمنح الانضمام إلى اتفاقية هلسنكي 1992، الأردن، مرجعية قانونية دولية قوية، ويستلزم تطوير أطر مؤسسية وطنية لإدارة المياه المشتركة بكفاءة، ما يتوافق مع ما أكده الخبير الدولي في قطاع المياه م. محمد ارشيد، حول الحاجة إلى لجان وآليات وطنية مشتركة وتعزيز التعاون بين الدول المتشاطئة.
وقال ارشيد "إن انضمام الاردن للاتفاقية يوفر مرجعية قانونية دولية لتنظيم استخدام الموارد المائية المشتركة مع دول الجوار، إذ إن الاتفاقية تضع مبادئ مثل الاستخدام المنصف والمعقول للمياه وعدم التسبب بضرر للدول الأخرى، وكذلك تساعد الأردن على تعزيز موقفه القانوني عند التفاوض على حصص المياه أو حل النزاعات الدولية".
وأضاف ارشيد إن الانضمام إلى الاتفاقية لا يقتصر على البعد القانوني فقط، بل يتطلب أيضا تطوير أطر مؤسسية وطنية قادرة على إدارة المياه المشتركة بكفاءة، مبينا "أن الانضمام إلى الاتفاقية يتطلب أن تقوم الدول الأطراف بتطوير مؤسسات وآليات وطنية لإدارة المياه المشتركة، مثل إنشاء أو تعزيز لجان مشتركة لإدارة الأحواض المائية العابرة للحدود، وتحسين التنسيق بين الجهات الحكومية مثل وزارة المياه والري والجهات البيئية، وتطوير أنظمة المراقبة وتبادل البيانات المائية مع دول الجوار".
كما تشجع الاتفاقية على توسيع نطاق التعاون بين الدول المتشاطئة، خاصة في مجالات تبادل المعلومات وتنفيذ المشاريع المشتركة، وفق ارشيد الذي أوضح "أن الاتفاقية تشجع على التعاون بين الدول المتشاطئة من خلال تبادل المعلومات وتنفيذ مشاريع مشتركة لإدارة الأحواض المائية وإنشاء آليات مشتركة لإدارة الفيضانات والجفاف".
وبحسب ارشيد، فإن الانضمام يفتح أمام الأردن فرصا للاستفادة من الدعم الدولي في قطاع المياه، إذ بين "أن الانضمام للاتفاقية يفتح المجال أمام الأردن للاستفادة من برامج الدعم الفني وبناء القدرات التي توفرها الامم المتحدة والمنظمات الدولية، كذلك التمويل الدولي لمشاريع المياه المشتركة وتبادل الخبرات".
وتابع أن الاتفاقية توفر أيضا إطارا للتعامل مع تأثيرات تغير المناخ على الموارد المائية المشتركة، كإدارة الجفاف ونقص المياه، وحماية الأحواض من التلوث وتعزيز استدامة الموارد المائية.
وفيما يتعلق بتعزيز الأمن المائي الوطني، أشار ارشيد إلى إمكانية أن تشكل هذه الخطوة دعما مهما للأردن في مواجهة التحديات المتزايدة في قطاع المياه، مثل ضغوط النمو السكاني وتدفق اللاجئين وتغير المناخ، حيث يصبح للأردن إطار قانوني دولي يسهل التباحث مع دول الجوار وتبادل البيانات والمعلومات، وإنشاء آليات مشتركة لحل النزاعات المتعلقة بالمياه.
كما تسهم الاتفاقية، بحسبه، بإلزام الدول الأعضاء باتخاذ إجراءات لمنع التلوث والاستخدام المفرط للمياه، وتعزيز الادارة المستدامة للمياه السطحية والجوفية.
وأكد أن ذلك ينعكس على تحسين السياسات الوطنية للمياه، مضيفا: "بذلك تساعد الاتفاقية الأردن على تحسين إدارة الموارد المائية المحدودة وتطوير السياسات الوطنية للمياه، وحماية مصادر المياه من التلوث والاستنزاف، كما تعزز التعاون بين الدول لتطوير سياسات قادرة على التكيف مع تغير المناخ وآثاره على الموارد المائية".
كما لفت ارشيد إلى دور الاتفاقية في تبادل الخبرات وبناء القدرات في مجال التكيف مع تغير المناخ.
وقال "إن الاتفاقية تمكن الأعضاء من تبادل الخبرات والتقنيات في إدارة المناخ وتطوير إستراتيجيات للتكيف مع تراجع الهطول المطري وبناء أنظمة إنذار مبكر".
وفي ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن النمو السكاني وتدفق اللاجئين، رأى ارشيد أن الأردن يستطيع الاستفادة من الخبرات الدولية في إدارة الطلب على المياه، وجذب الدعم الفني والتمويل الدولي لمشاريع المياه وتعزيز التعاون الاقليمي لمعالجة العلاقة بين المياه والمناخ واللاجئين.
وتابع أن الانضمام يعزز كذلك حضور الأردن في الحوكمة العالمية للمياه، ويتيح المجال للمشاركة في المنصات الدولية لصنع السياسات المائية والوصول إلى شبكات الخبراء والمؤسسات الدولية، وتعزيز دوره الدبلوماسي في قضايا المياه الإقليمية.
ورغم هذه الفرص، أشار ارشيد إلى وجود مجموعة من التحديات العملية التي قد تواجه الأردن في تحويل هذا الانضمام إلى إدارة فعالة ومستدامة للموارد المائية العابرة للحدود.
وأشار إلى وجود تحديات سياسية وجيوسياسية نتيجة اشتراك الأردن مع عدة دول في المياه، ما يجعل الإدارة مرتبطة بالوضع السياسي الإقليمي، وعدم تكافؤ القوة بين الدول في التحكم بالمياه، خصوصا الدول الواقعة في المنبع، وكذلك التوترات الإقليمية والنزاعات التي تعيق التعاون الفعال أو تشكيل لجان مشتركة لإدارة المياه.
وشرح ارشيد أن هذه الظروف قد تجعل تطبيق مبادئ الاتفاقية أكثر تعقيدا، مثل الاستخدام المنصف وعدم إحداث الضرر للآخرين.
كما أشار إلى تحديات قانونية ومؤسسية تتطلب معالجة على المستوى الوطني والاقليمي، من حيث الحاجة لمواءمة التشريعات الوطنية مع التزامات الاتفاقية الدولية، وضعف أو محدودية الآليات المؤسسية المشتركة لإدارة الاحواض المائية المشتركة، كذلك نقص البيانات والمعلومات وضعف أنظمة الرصد المشتركة.
كما أشار ارشيد إلى وجود تحديات بيئية ومناخية من حيث انخفاض الهطول المطري وتراجع تدفقات الأنهار المشتركة، وتدهور نوعية المياه، والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية.
وأشار كذلك إلى التحديات الاقتصادية والتمويلية المرتبطة بتطوير البنية التحتية والقدرات الفنية في قطاع المياه، من حيث الحاجة إلى استثمارات في البنية التحتية المائية وأنظمة المراقبة ومشاريع الإدارة المتكاملة للمياه، إضافة إلى ضعف القدرات الفنية والتكنولوجية في مراقبة الأحواض المائية، ونقص الكوادر المتخصصة في دبلوماسية المياه وإدارة النزاعات المائية"
وشدد ارشيد على أهمية انضمام الأردن إلى اتفاق هيلسينكي، باعتباره خطوة مهمة يمكن أن تعزز موقع المملكة القانوني والمؤسسي في إدارة المياه المشتركة، غير أن تحقيق الفائدة الكاملة من هذا الانضمام يتطلب تطوير الأطر الوطنية وتعزيز التعاون الإقليمي، وتوفير الموارد الفنية والمالية اللازمة لضمان إدارة مستدامة وفعالة للموارد المائية العابرة للحدود.
أولويات أردنية
وكان وزير المياه والري م. رائد أبو السعود، أكد في تصريحات سابقة، أن المياه تمثل أولوية وطنية للمملكة، مشيرا إلى أن انضمام الأردن إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه يعزز التعاون مع دول الجوار ويفتح المجال لتبادل الخبرات مع الدول التي تواجه تحديات مشابهة.
وقال حينها إن هذا الانضمام سيدفع نحو إدارة مستدامة للموارد المائية، قادرة على الصمود أمام تأثيرات تغير المناخ، ومعالجة العلاقة بين المناخ واللاجئين بما يخدم الأجيال الحالية والمستقبلية.
وأشار أبو السعود إلى أن خطوة الانضمام تعكس التزام الأردن قبل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المقرر العام 2026، مؤكدا أن الاتفاقية ستسهم في تسريع تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للمياه للفترة 2023–2040، والتي تم تحديثها مؤخرا لتضع خطة طويلة الأجل لمواجهة التحديات المائية المعاصرة.
ورغم التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية، أبرم الأردن اتفاقيات ثنائية بشأن العديد من موارد المياه المشتركة، بما في ذلك حوض نهر الأردن، وحوض نهر اليرموك، وحوض طبقة المياه الجوفية في الديسي، وحسّنت بشكلٍ ملحوظ إمكانية الحصول على مياه شرب مدارة بشكل آمن.
ويؤكد هذا التقدم أهمية استمرار التعاون في مجال المياه المشتركة، وبانضمام الأردن إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه وشبكة ممارسيها، فإنه يحصل على إطار عالمي وقانوني ومؤسسي للإدارة العادلة والمستدامة للمياه المحلية والعابرة للحدود.
وسيساهم تطبيق الاتفاقية أيضا في دعم جهود الأردن لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة.