الغد
نتوقف عند الحديث عن البحث العلمي الذي يأخذ ثلاثة أبعاد تحدد من هي الأطراف المسؤولة عن تقدمه أو تراجعه، والمتمثلة في الدرجة الأولى، بالحكومات التي تشرع القوانين وترسم الخطط التي تتطلب التعمق في البحث العلمي. وفي الدرجة الثانية المؤسسات الإنتاجية أو الخدمية في القطاع العام أو في القطاع الخاص. والطرف الثالث هو الفرد الباحث الذي يسعى للوصول إلى المعلومات ثم يقوم بتحليلها أو البناء عليها، من أجل تطوير أدوات الإنتاج أو الابتكار التي تسعى إليه عمليا المؤسسات الإنتاجية كافة، لكن في الدول النامية ومنها بلداننا العربية نواجه تحديا كبيرا ومهما، يتمثل في نقص التمويل اللازم والضروري لإنتاج بحوث علمية متطورة، وبناء مؤسسات بحثية تمتلك التقنيات اللازمة لها كذلك، وامتلاكها بنية تحتية مثل، الجامعات والمراكز البحثية المتخصصة.
فمن المعلوم أننا في البلاد العربية والإسلامية على وجه الخصوص نواجه أزمة وتقصيرا في البحث العلمي بالدرجة الأولى، في مؤسساتنا الأكاديمة والإنتاجية، التي من المهام الرئيسية لها وضمن أولوياتها وأينما وجدت، البحث العلمي والقيام بالدراسات التي من شأنها، أن تحقق تقدما علميا في شتى مجالات الحياة. ومن زاوية اهتمامنا كمتخصصين ومهتمين بالصناعة المصرفية الإسلامية، ننظر إلى ما تقدمه هذه المؤسسات من دراسات علمية تتعلق بالجانب الاقتصادي والمصرفي، خاصة في مجال التمويل الإسلامي، ولا نحمل مسؤولية تقدم البحث العلمي فقط للمؤسسات البحثية العائدة لوحدات الاقتصاد الإسلامي بمفردها. في الوقت، الذي نسمع فيه بين الحين والآخر ما يشير الى تقصير هذا القطاع في المجال البحثي المعرفي.
هل حقا أن الصناعة المصرفية الإسلامية تعاني تقصيرا في أدواتها المعرفية والبحثية؟ وهنا، بعيدا عن طموحنا إلى الارتقاء بهذه الصناعة لمستوى متقدما من التطور وامتلاك مؤسسات بحثية تعنى في التمويل والصناعة المصرفية الإسلامية، يجب النظر إلى البيئة التي نشأت فيها هذه الصناعة وهي المنطقة العربية بشكل عام، ثم امتدت هذه التجربة فيما بعد، إلى مجتمعات إسلامية تعاني أصلا من تقصير كبير في مجال البحث العلمي، فبحسب التقرير الإحصائي السنوي الصادر عن "المنظمة العالمية للملكية الفكرية"، الدول العربية على سبيل المثال تنفق ما معدله 0.2 % من دخلها القومي على البحث العلمي، وأن نصيب الفرد في البلاد العربية من الإنفاق على البحث العلمي يبلغ 14.7 دولار سنويا، مقارنة مع نصيب الفرد في دول القارة الأفريقية والبالغ 9.4 دولار، كما نجد في الولايات المتحدة الأميركية حوالي 4.000 باحث لكل مليون إنسان، و3.598 لكل مليون شخص في الدول المتقدمة، يقابل ذلك 499 باحثا لكل مليون شخص في الدول النامية التي من ضمنها الدول العربية والإسلامية. إذن هذه هي البيئة التي نشأت فيها المصارف الإسلامية، فلا يمكن لنا تحميل التقصير في البحث العلمي خاصة في قطاع التمويل الإسلامي، للمصارف الإسلامية وحدها، فالمسؤولية مشتركة يتحملها الجميع، مؤسسات وحكومات وقد يكون لغياب القوانين والتشريعات دور أساسي في تدني مستوى البحث العلمي بوجه عام، على عكس ما نراه في الدول المتقدمة من اهتمام ووجود قوانين وتشريعات تلزم المؤسسات الإنتاجية كافة، بتطبيقها في هذا المجال وتخضع للمراقبة والمُساءلة ولا مجال للتحايل على المخصصات المُعدة للبحث العلمي، كما هو الحال في العديد من البلدان النامية.
وخلاصة القول إن قطاع المصارف والتمويل الإسلامي بحاجة إلى وضع استراتيجية هدفها الابتكار والتجديد والانتقال بالبحث العلمي وأدواته إلى المستوى الذي يواكب التطور العلمي والتكنولوجي، تمهد لتأسيس قاعدة معرفية وبحثية للمصرفية الإسلامية أينما وجدت، مبنية على الالتزام بأخلاقيات وأحكام الشريعة الإسلامية، وإعطائها أولوية استثنائية وتوفير سبل الدعم المالي للوصول إلى الأهداف المرجوة للارتقاء به إلى مستوى الطموحات، وبالتالي سوف نصل إلى "حسن إدارة العمليات الاستثمارية"، بالشكل الذي يقلل ارتفاع درجة المخاطرة والسعي لكسب حصة أكبر من السوق المصرفي العالمي.
* باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي