أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    13-Jan-2026

المشاريع الكبرى.. كيف تعالج معضلات الاقتصاد الوطني؟

 ضرورة ترجمة الخطط لنتائج ملموسة تنعكس إيجابا على المواطن

الغد-عبدالرحمن الخوالدة
 في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التي يواجهها الاقتصاد الأردني، من تباطؤ النمو وارتفاع البطالة وضغوط الدين العام وتراجع الدخل الحقيقي، تتجه الأنظار نحو المشاريع الكبرى باعتبارها مدخلا أساسيا لإعادة تحفيز الاقتصاد. 
 
 
ويجمع خبراء اقتصاديون على أن إعلان الحكومة تنفيذ مشاريع إستراتيجية بقيمة تقارب 11 مليار دولار في قطاعات المياه والطاقة والنقل والسياحة، يشكل فرصة حقيقية لإحداث تحول نوعي في مسار التنمية الاقتصادية.
وأكد الخبراء في تصريحات لـ"الغد" أن أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على حجمها الاستثماري، بل تكمن في قدرتها على معالجة اختلالات هيكلية مزمنة، وتعزيز القاعدة الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وخلق آلاف فرص العمل، لا سيما للشباب، إضافة إلى تحسين تنافسية الاقتصاد وخفض كلف الإنتاج والتشغيل.
ويرى مختصون أن التركيز على مشاريع البنية التحتية الإستراتيجية، خصوصا في قطاعات المياه والطاقة والنقل، يمثل ركيزة أساسية لأي نمو مستدام، نظرا لارتباطها المباشر بالقطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، ولدورها في تعزيز الأمن المائي والطاقي، وتحسين منظومة النقل واللوجستيات، بما يدعم موقع الأردن كمركز إقليمي للتجارة والخدمات.
وفي مقابل التفاؤل بإمكانات هذه المشاريع، يطرح خبراء تساؤلات مشروعة حول مدى إمكانية توفير التمويل اللازم لها، والقدرة على الالتزام بالجداول الزمنية المعلنة، في ظل التحديات المالية والظروف الإقليمية.
ويؤكد الخبراء أن نجاح هذه المشاريع مرهون بالجدية الحكومية، وتوفير التمويل المستدام، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وضمان الحوكمة والمتابعة الفاعلة، بما يضمن ترجمة الخطط إلى نتائج ملموسة تنعكس إيجابا على الاقتصاد والمواطن.
مشاريع حكومية بقيمة 11 مليار دولار 
وكان رئيس الوزراء جعفر حسان أعلن مؤخرا أن الحكومة ستبدأ هذا العام، وعلى مدى الأعوام القليلة المقبلة، بتنفيذ مشاريع كبرى في قطاعات المياه والطاقة والنقل والسياحة والبناء، بقيمة تقدر بنحو 11 مليار دولار.
وجاء ذلك خلال مقابلة تلفزيونية أكد خلالها أن رؤى التحديث تمثل مشروع الأردن للمستقبل، وأن الهدف الأهم لجميع البرامج الحكومية يتمثل في توفير فرص العمل والدخل للشباب.
وأوضح حسان أن البرنامج التنفيذي الثاني للحكومة يتضمن عشرات المبادرات والبرامج والتشريعات في مختلف القطاعات.
وأكد أهمية الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص في تنفيذ برنامج التحديث الاقتصادي الذي انطلقت المرحلة التنفيذية الثانية له 2026-2029، حيث إن ثلثي التمويل المطلوب يأتي من الاستثمارات والقطاع الخاص المحلي والدولي، بينما سيتولى القطاع العام تمويل نحو 6 مليارات دينار من الموازنة للإنفاق الرأسمالي، بالإضافة إلى دعم قطاعي التعليم والصحة، وهو جزء من مسؤوليات الحكومة الوطنية في تخصيص التمويل لهذين القطاعين الحيويين.
نقطة تحول في النمو والتشغيل 
أكد الخبير الاقتصادي منير دية أن المشاريع الكبرى التي أعلنت الحكومة عزمها تنفيذها خلال الأعوام المقبلة تشكل الرافعة الحقيقية للاقتصاد الوطني، مشددا على قدرتها على معالجة جزء واسع من التحديات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الأردني، وفي مقدمتها تباطؤ النمو، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الدخل الحقيقي للمواطنين.
وقال دية إن الحكومة بدأت بالفعل بإطلاق وتنفيذ جزء مهم من هذه المشاريع، لافتا إلى أن المضي قدما  في تنفيذها ضمن إطار زمني واضح، وبرؤية مدروسة وإصرار سياسي حقيقي، كفيل بإحداث آثار إيجابية ملموسة على الاقتصاد الوطني، سواء من حيث رفع معدلات النمو، أو زيادة تدفقات الاستثمار، أو خفض البطالة، أو تحسين مستوى الدخل الحقيقي.
وأوضح أن قطاعات المياه والطاقة والنقل تمثل الأعمدة الأساسية لأي اقتصاد، معتبرا أن مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي تتجاوز كلفته نحو 6 مليارات دينار،يعد أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، شريطة أن يتم تنفيذه بكلف مدروسة وبكفاءة عالية، لما له من انعكاسات مباشرة على مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
وفيما يتعلق بقطاع النقل، أشار دية إلى أن مشروع سكك الحديد يمثل تحصيل حاصل للاقتصاد الأردني، لما له من دور محوري في ربط الأردن بالسعودية وسوريا، وتعزيز موقعه كمركز إقليمي لقطاع الترانزيت والتجارة والصادرات والصناعة والزراعة. وبيّن أن ربط السكك الحديدية بالموانئ الرئيسية في المنطقة والدول المحيطة سيسهم في رفع تنافسية الاقتصاد الوطني، وخفض كلف النقل، وتسهيل وصول المنتجات الأردنية إلى الأسواق الإقليمية والدولية، بما فيها تركيا والاتحاد الأوروبي.
كما شدد دية على أهمية مشروع غاز الريشة، نظرا لدوره في تأمين مصادر طاقة محلية واحتياطات غاز واعدة، وانعكاس ذلك على خفض كلف الطاقة على القطاع الصناعي وبقية القطاعات الإنتاجية، ما يعزز تنافسية الاقتصاد ويخفف الأعباء التشغيلية.
وأضاف أن حل إشكاليات الطاقة والمياه والنقل عبر مشاريع كبرى متكاملة سيحدث  أثرا إيجابيا واسعا على مجمل القطاعات الاقتصادية، سواء من خلال تخفيض كلف الكهرباء، أو توفير الغاز للمصانع بأسعار أقل، أو تحسين شبكة النقل واللوجستيات، أو توفير المياه بأسعار منافسة وبكميات كافية لدعم التوسع الصناعي.
وأكد أن المضي قدما في تنفيذ هذه المشاريع يعكس جدية الحكومة في تحفيز الاقتصاد الوطني، ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، لا سيما إذا ترافق ذلك مع توفير التمويل اللازم، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وشدد دية على أن  تنفيذ المشاريع الكبرى في مواعيدها المحددة سيفتح آفاقا لمزيد من الاستثمارات والمشاريع الجديدة، وقد يرفع معدلات النمو الاقتصادي إلى مستويات تتجاوز 3 %، ما سينعكس إيجابا على دخل المواطن، والاحتياطات النقدية الأجنبية، والصادرات، وتنافسية الاقتصاد الوطني. 
الحل الأمثل لمعضلات الاقتصاد 
من جانبه أوضح الخبير الاقتصادي فهمي الكتوت أن إطلاق المشاريع الكبرى هو الحل الأمثل للمعضلات التي تواجه الاقتصاد الأردني منذ عقود، لذا نحن بأمس الحاجة إلى هذه المشروعات للنهوض بالاقتصاد الوطني و تعزيز قدراته الإنتاجية. 
وأوضح الكتوت أن الاقتصاد الوطني بحاجة إلى استثمارات في كل القطاعات والمجالات، لاسيما قطاع الطاقة الذي أثقل كاهل الاقتصاد المحلي خلال العقدين الأخيرين، حيث شكلت كلفه المرتفعة عبء على القطاعات الاقتصادية والإنتاجية كافة، وكذلك على المواطنين. 
وبين الكتوت أن تدشين مشروعات استثمارية ضخمة في قطاع الطاقة النظيفة والخضراء ضرورة ملحة ، لما لهذا القطاع من أهمية بالغة في العملية الاقتصادية، مشددا على أن التوسع في الطاقة البديلة يشكل مدخل رئيسي لحل أغلب معضلات الاقتصاد الأردني. 
وحول أهمية المشاريع التي تعتزم الحكومة البدء في تنفيذها خلال المرحلة المقبلة ، أوضح الكتوت أن أهميتها تكمن في تحويلها الاقتصاد الأردني من اقتصاد خدمي إلى اقتصاد إنتاجي، الأمر الذي سينعكس إيجابا على زيادة حجم الصادرات وبالتالي ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي ، مما ينتج عنه على المدى الطويل تحسن في مستويات الدخل. 
ودعا الكتوت الحكومة إلى ضرورة العمل على تسريع الاستثمار في المعادن وثروات البلاد لحل مشكلات الاقتصاد الأردن، وذلك من خلال إنشاء صندوق سيادي مشترك تساهم الخزينة العامة بجزء منه ، إضافة إلى مساهمة الضمان الاجتماعي بجزء آخر، إلى جانب مساهمة المواطنين بالجزء المتبقي، مشيرا إلى أن إثبات هذا النوع من الصناديق  نجاحه في تحقيق التنمية في عدد من الدول. 
وشدد الكتوت أن نجاح هذه المشروعات واستقطاب المستثمرين لها يتطلب من البداية توضيح الخطة التنفيذية لها ومصادر التمويل الأولية لتدشينها. 
مكتسبات تنموية جمة 
بدوره، قال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة، إن هذه المشاريع الإستراتيجية الكبرى، التي تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 11 مليار دولار، تعتبر جزءا أساسيا من رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، وتهدف إلى دفع النمو المستدام، تحسين البنية التحتية، وتوزيع التنمية عبر المحافظات.
وأوضح المخامرة أن حجم المشروعات المعلن عنه سيكون له أبعاد تنموية كبيرة تتمثل بما يلي،  ستساهم المشاريع في زيادة معدل النمو الاقتصادي، حيث يتوقع ارتفاعه إلى %2.9 في 2026 مقارنة بـ%2.4 في 2025، مدفوعا بقطاعات حيوية مثل الصناعة، الإنشاءات، التجارة، واللوجستيات والسياحة وستخلق آلاف فرص العمل، خاصة للشباب، من خلال التنفيذ المباشر والصناعات المرتبطة، مع هدف تحقيق نمو بنسبة 4 % بحلول 2028.   
أما البعد الثاني تحقيق الأمن المائي والطاقي ففي قطاع المياه، من خلال  مشروع "الناقل الوطني للمياه"، مما يعزز الاستدامة المائية ويخفض تكاليف المياه للمواطنين والصناعات. أما في  قطاع الطاقة، فتشمل مشاريع مثل "غاز الريشة" وتوسعة شبكة الغاز في المناطق الصناعية (مفرق، معان، الزرقاء)، مما يهدف إلى تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة 80 % بحلول 2030، ويقلل كلف الطاقة للقطاعات الإنتاجية. 
ويتمثل البعد الثالث بحسب المخامرة في  تطوير النقل واللوجستيات من خلال مشروع سكة الحديد الوطني الذي سيربط العقبة بالشيدية، ثم يمتد إلى غور الصافي، الماضونة، وسورية، تركيا، والسعودية، مع تكامل مع ميناء بري في معان. هذا يعزز التنمية الإقليمية، ويجذب استثمارات من شركات مثل الفوسفات والبوتاس، ويحول الأردن إلى مركز لوجستي، مما يدعم التصدير والتجارة. بينما البعد الرابع لهذه المشاريع يكمن بتعزيز السياحة والتطوير الحضري. 
في الوقت ذاته، يرى المخامرة أن تنفيذ هذه المشاريع يواجه تحديات متعددة، خاصة في ظل الظروف الإقليمية والاقتصادية. يجب التركيز على حلها لضمان التنفيذ الفعال ومنها،  التمويل والدين العام حيث لا بد من الاعتماد الرئيسي على استثمارات خارجية وقروض ميسرة، مع هدف خفض الدين إلى 80 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامين. ان التحدي يكمن في إدارة كلف خدمة الدين لتوجيه المزيد من الموارد إلى الإنفاق الرأسمالي، مما يتطلب جذب استثمارات أكبر وتجنب الاعتماد الزائد على المساعدات. 
أما التحدي الثاني هو التنفيذ الزمني والإداري حيث إن هذه المشاريع تمتد فترة تنفيذها ما بين  4-5 سنوات، مع بدء متدرج (مثل الناقل الوطني نهاية الربع الأول 2026)، لكن التوترات الإقليمية قد تؤخرها كما حدث سابقا. ان ذلك يتطلب متابعة ميدانية مكثفة، إنشاء دائرة خاصة للمتابعة، وتدريب كوادر فنية لتجنب التأخيرات. 
وأشار المخامرة إلى وجود تحدي ثالث أمام هذه المشاريع ويتمثل في الضغوط السكانية والبيئية حيث إن ارتفاع الضغط على البنية التحتية في المدن الكبرى يستدعي تطوير مدن جديدة، لكن ذلك يواجه تحديات بيئية مثل الشح المائي والتغير المناخي. 
تساؤلات جوهرية 
في المقابل، اعتبر أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري أن الحديث الحكومي عن تنفيذ مشاريع كبرى بقيمة تقارب 11 مليار دولار خلال الأعوام القليلة المقبلة أمر إيجابي وضروري لتنمية الاقتصاد الوطني والنهوض به، إلا أن  منسوب الأمل في تنفيذ هذه المشاريع يبقى متدنيا، في ظل تكرار الوعود من حكومات سابقة دون أن يترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وأوضح أن الرقم المطروح، والبالغ نحو 11 مليار دولار يثير تساؤلات جوهرية حول  مصادر التمويل ومدى إمكانية توفيره، لافتا إلى أن إجمالي النفقات الرأسمالية في الموازنة العامة لا يتجاوز سنويا نحو مليار دينار. وأضاف أنه حتى لو جرى توزيع هذه المشاريع على ثلاث أو أربع سنوات، فإن ذلك يتطلب ما لا يقل عن ملياري دينار سنويا كنفقات رأسمالية صافية لمشاريع جديدة، وليس لصيانة أو استكمال مشاريع قائمة، وهو أمر غير متوفر في الواقع المالي الحالي.
وشدد الحموري على أن الاقتصاد الوطني بأمس الحاجة إلى هذا النوع من المشاريع التنموية العملاقة ، لتغلب على مشكلات تواضع معدلات النمو الاقتصادي، وتنامي حجم الدين العام، عدا عن مشكلتي البطالة والفقر.