من الشهادة إلى الوظيفة.. كيف تواجه النقابات بطالة الخريجين؟
الغد-محمد الكيالي
مع اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، تواجه النقابات المهنية تحديا متزايدا في مساعدة الخريجين الجدد على الانتقال من مرحلة الدراسة إلى الحياة المهنية.
وبحسب خبراء، لا يقتصر هذا الدور على تسجيل المنتسبين وتقديم الخدمات المهنية، بل يمتد إلى التدريب والتأهيل، وربط الخريجين بالجهات المشغلة، وتطوير مهاراتهم بما يتناسب مع المتغيرات المتسارعة في سوق العمل.
وتبرز أهمية هذا الدور في قدرة النقابات على تحويل برامج التأهيل والتدريب إلى فرص توظيف فعلية ومستدامة، خصوصا للمنتسبين الجدد الذين يواجهون صعوبة في الحصول على الخبرة الأولى.
ويطرح ذلك تساؤلات حول الأدوات التي تستخدمها النقابات لبناء جسور مباشرة مع القطاعين العام والخاص، ومدى فاعلية برامجها في توفير فرص عمل حقيقية، إلى جانب دورها في استشراف التخصصات المطلوبة، ومساعدة الخريجين على اكتساب المهارات التي يحتاجها أصحاب العمل.
مهارات تتجاوز الشهادة
تعليقا على ذلك، أكد نقيب الصيادلة الدكتور زيد الكيلاني أن دور النقابات المهنية لم يعد يقتصر على الدفاع عن حقوق منتسبيها، بل بات يشمل تأهيلهم وتمكينهم من دخول سوق العمل ومساعدتهم على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها.
وقال الكيلاني إن نقابة الصيادلة تؤمن بأن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية في ظل متطلبات سوق العمل الحالية، مشددا على أهمية مساعدة الصيدلي في تطوير مهاراته واكتساب خبرات إضافية تعزز قدرته التنافسية، وتفتح أمامه فرصا مهنية جديدة.
وأوضح أن مهنة الصيدلة تتيح للصيدلي فرصا للتطور العمودي ضمن تخصصه، إلى جانب إمكانية التوسع أفقيا في مجالات مهنية متعددة، لافتا إلى أن الصيدلي لا يمتلك المعرفة المتعلقة بالأدوية فحسب، وإنما يتمتع أيضا بمهارات في الإدارة والتسويق والتواصل، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من مستقبل المهنة. وأضاف أن دور النقابة ينطلق من تعزيز التعليم المستمر والتدريب، وبناء شراكات مع الجامعات والقطاع الخاص، إلى جانب ربط مهارات الخريجين بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل، بما يسهم في فتح آفاق مهنية جديدة أمامهم. وأشار الكيلاني إلى أن النقابة تشجع كذلك المبادرات الطلابية، لما توفره من فرصة أمام الطلبة لتطوير مهارات القيادة والتواصل والعمل الجماعي، قبل الانتقال إلى الحياة العملية.
وأكد أن الهدف النهائي لا يتمثل فقط في مساعدة الخريج على الحصول على وظيفة، وإنما في تمكينه من امتلاك المهارات التي تعزز قدرته على المنافسة وصناعة فرصته بنفسه، سواء داخل الأردن أو خارجه. ولفت الكيلاني إلى أن نسبة البطالة لدى الصيادلة تبلغ نحو 35 % بين الإناث، مقابل 20 % بين الذكور.
زيادة التعيينات في القطاع العام
بدوره، طرح أمين سر نقابة الأطباء الدكتور مظفر الجلامدة مجموعة من المقترحات الهادفة إلى معالجة تحديات سوق العمل الطبي، والحد من نقص الأطباء ورفع الطاقة الاستيعابية في القطاع العام، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة أمام الأطباء وضبط ظروف العمل والأجور.
ودعا الجلامدة إلى معالجة مشكلة الضغط على المستشفيات الحكومية وسد النقص الفعلي في أعداد الأطباء، من خلال زيادة التعيينات، وممارسة ضغط نقابي مستمر على وزارة الصحة لاستحداث شواغر سنوية تتناسب مع حجم النمو السكاني والضغط المتزايد على المستشفيات.
كما شدد على ضرورة الضغط لتطبيق تعديلات الإجازة دون راتب الأخيرة، وعدم مخالفة توجه الحكومة في التطبيق المرن لشروطها، ومنح طالبيها الإجازات، وإتاحة الفرصة لأطباء وزارة الصحة للحصول على إجازات دون راتب للعمل في الخارج أو الالتحاق ببرامج التخصص، مع الالتزام الفوري بتعيين أطباء بدلاء بدلا من إبقاء الشواغر مجمدة، بما يضمن استمرارية الخدمة الصحية ويوفر فرص عمل جديدة للخريجين. وأشار الجلامدة إلى ضرورة محاربة ظاهرة "العمل دون أجر" في بعض مستشفيات القطاع الخاص والمراكز الطبية، التي تستغل حاجة الطبيب الخريج إلى جمع سنوات الخبرة أو الحصول على فرصة للالتحاق ببرنامج إقامة.
وطالب بالحظر القانوني والوقوف بحزم أمام الممارسات التي تستغل الخريجين تحت مسمى التدريب دون أجر أو بنظام السخرة، إلى جانب إعادة تفعيل قوانين العمل والتفتيش النقابي بالتعاون مع وزارة العمل ووزارة الصحة.
كما دعا إلى تطبيق لائحة أجور تحدد الحد الأدنى لرواتب الأطباء الممارسين العامين والأطباء المقيمين والأطباء الاختصاصيين، بما يضمن توفير بيئة عمل لائقة وظروف تساعد الأطباء على تأمين حياة كريمة.
ودعا الجلامدة كذلك إلى التوسع في برامج الإقامة والتخصص بالتعاون مع المجلس الطبي الأردني، لتشمل مستشفيات جديدة يجري اعتمادها وفق المعايير المعتمدة، الأمر الذي من شأنه رفع الطاقة الاستيعابية لاستقبال أطباء اختصاص جدد.
تفعيل قوانين الصحة المدرسية
وفي إطار البحث عن فرص عمل جديدة، دعا الجلامدة إلى الضغط لتفعيل القوانين غير المستغلة، خاصة المتعلقة بالصحة المدرسية والصحة المهنية، بما يمكن من إيجاد مئات فرص العمل بصورة فورية دون تحميل الخزينة أعباء إضافية.
وأكد أن ذلك يتطلب ضغطا تشريعيا وتنفيذيا لتطبيق القوانين على القطاع التعليمي الخاص في مجال الصحة المدرسية، وفرض اشتراطات نقابية بالتعاون مع وزارتي التربية والتعليم والصحة، لإلزام المدارس ورياض الأطفال الخاصة بوجود "طبيب مقيم" أو التعاقد المباشر مع أطباء للإشراف الصحي عليها.
ودعا إلى التنسيق مع وزارة العمل لتفعيل القوانين التي تلزم المصانع والشركات الكبرى، التي تضم أعدادا محددة من العمال، بتعيين أطباء للصحة المهنية للإشراف على البيئة العمالية والسلامة العامة.
ولفت الجلامدة إلى أهمية فتح آفاق التوظيف الخارجي أمام الأطباء الأردنيين، في ظل ما يتمتع به الطبيب الأردني من كفاءة وتميز، وإمكانية اندماجه في الأنظمة الصحية العالمية التي تعاني نقصا في أعداد الأطباء، ومنها دول أوروبية والولايات المتحدة وكندا. وأشار إلى العمل على توقيع مذكرات تفاهم مع النقابات والمؤسسات الصحية في الدول التي تحتاج إلى كوادر طبية، بهدف تسهيل إجراءات الحصول على تأشيرات العمل واعتماد شهادات الاختصاص، بما يتيح للأطباء الأردنيين فرصا أوسع للعمل والتخصص في تلك الدول.
فجوة في سوق العمل
من جانبه، قال عضو مجلس نقابة الممرضين زهير مسلم إن مهنة التمريض من المهن المطلوبة محليا وإقليميا وعالميا، فيما أدى انتشار الأمراض والأوبئة، ومنها جائحة كورونا، إلى زيادة الطلب على الكوادر التمريضية.
وأكد مسلم أن سوق العمل المحلي يشهد فجوة بين أعداد خريجي التمريض سنويا والقدرة الاستيعابية للقطاع الصحي بشقيه العام والخاص، مشيرا إلى أن عدد المنتسبين إلى النقابة يقترب من 50 ألفا، فيما يتخرج سنويا نحو 4 آلاف من الممرضين والقابلات القانونيات. وبيّن أن أعداد المتعطلين عن العمل تتراوح بين 4 و5 آلاف ممرض، وتتركز النسبة الأكبر بين حديثي التخرج وفي المحافظات خارج العاصمة. وأشار إلى أن وزارة الصحة والخدمات الطبية تستوعبان سنويا ما بين 1200 و1800 ممرض، بينما يوفر القطاع الخاص نحو 1000 إلى 1200 فرصة عمل، إضافة إلى نحو 1000 فرصة سنوية في الأسواق الخارجية والإقليمية.
وأشار مسلم إلى أن النقابة تعمل على تقليص الفجوة عبر التدريب والتأهيل ورفع جاهزية الخريجين، من خلال دورات وبرامج متخصصة، بينها الإنعاش الأساسي والمتقدم، إلى جانب برامج تدريبية مجانية أو رمزية لحديثي التخرج، ودورات متخصصة وورش عمل ودبلومات. ولفت إلى أن النقابة تضغط باتجاه تطبيق النسب المعيارية للتمريض في المستشفيات، بما يحقق التوازن بين أعداد المرضى والممرضين ويفتح فرصا وظيفية جديدة، بالتوازي مع مكافحة العمل غير المنظم وضبط ممارسة المهنة وترخيص العاملين والمؤسسات.
وأضاف أن النقابة تعمل مع الجهات الحكومية لتسريع التعيينات، كما طالبت بالسماح للممرضين الحاصلين على عقود عمل خارجية بالحصول على إجازات دون راتب، وتطبيق التعيين بدل المجاز وفق النسب المحددة في نظام الخدمة المدنية.
وأشار إلى اتفاقيات لتوفير فرص عمل للممرضين في ألمانيا وإيطاليا ودول الخليج، موضحا أن النقابة بدأت إجراءات تجهيز أول دفعة للعمل في إيطاليا، مع التحضير لدفعات أخرى.
وأكد مسلم أن المرحلة المقبلة تتطلب معالجة بطالة القابلات القانونيات، وتطوير التشريعات المنظمة للمهنة، وضبط أعداد المقبولين في تخصصات التمريض بالتنسيق مع مجلس التعليم العالي، فضلا عن ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.