"الناقل الوطني".. هل تحمل بوابة الاستثمار الأوروبي مفتاح استكمال الغلق المالي؟
الغد-إيمان الفارس
قبيل مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي في البحر الميت، تتجه الأنظار إلى قدرة الأردن على استكمال اتفاقيات أحد أكبر مشاريعه الإستراتيجية، عبر مزيج يجمع مساهمة الخزينة والائتمان المصرفي المحلي والتمويل الدولي والمنح، وسط ترقب لما يمكن أن تتيحه الشراكة الأوروبية من فرص إضافية للاستثمار وتقاسم المخاطر.
ولا تتوقف أهمية مشروع الناقل الوطني للمياه عند قدرته على توفير مصدر مستدام للمياه، بل تمتد إلى كونه اختبارا لقدرة الأردن على حشد التمويل المحلي والدولي لتنفيذ مشروع رأسمالي ضخم، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استثمارات البنية التحتية وتعزيز الأمن المائي.
ومع اقتراب مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي المقرر عقده في البحر الميت في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2026، تكتسب معادلة تمويل المشروع أهمية إضافية، ليس فقط بسبب حجم الأموال المطلوبة، بل لأن استكمال الإغلاق المالي يمثل خطوة أساسية للانتقال من ترتيبات التمويل إلى التنفيذ الفعلي.
40 فرصة استثمارية
ووفق وزارة الاستثمار، سيعرض المؤتمر أكثر من 40 فرصة استثمارية تتجاوز قيمتها الإجمالية 15 مليار دولار، في قطاعات تشمل: المياه والطاقة والصناعة والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
كما يتضمن البرنامج، جلسة متخصصة في آليات تمويل القطاعين العام والخاص، ومراسم لتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات استثمارية.
وتمنح هذه المعطيات المؤتمر أهمية خاصة بالنسبة إلى "الناقل الوطني"، فنجاح الشراكة الأردنية الأوروبية لا يقاس فقط بحجم التمويل المعلن، بل بقدرتها على ترجمة التعاون المالي إلى اتفاقيات قابلة للتنفيذ، وتحسين شروط التمويل، وتوسيع استخدام الضمانات وأدوات تخفيف المخاطر.
ومن هنا، يمكن أن يشكل المؤتمر فرصة لتعزيز الحوار بين الحكومة والبنوك المحلية ومؤسسات التمويل الأوروبية حول ما تبقى من ترتيبات الغلق المالي، أو استكشاف أدوات تمويل إضافية إذا كانت هناك حاجة إليها.
وتكشف خريطة التمويل المعلنة، أن "الناقل الوطني" يقوم على مشاركة متعددة الأطراف؛ حكومة تتحمل جزءا من الكلفة، وبنوك أردنية تقود تجمعا مصرفيا كبيرا، وضمان اجتماعي يشارك في التمويل ورأس المال، ومؤسسات دولية تقدم التمويل التنموي، وشركاء دوليون يساهمون بالمنح.
ويعكس هذا التنوع، قدرة على حشد مصادر تمويل مختلفة حول مشروع إستراتيجي، لكنه يجعل استكمال الإغلاق المالي، والتحقق من الالتزامات النهائية لكل طرف، وتقييم كلفة التمويل وشروطه، مسائل حاسمة في المرحلة الحالية.
أدوات إضافية للتمويل
ومع اقتراب المؤتمر، تبدو الفرصة قائمة لتعزيز الشراكة بين رأس المال المحلي والمؤسسات الأوروبية، سواء عبر استكمال الترتيبات القائمة، أو تطوير أدوات إضافية للتمويل وتقاسم المخاطر. غير أن القيمة الفعلية للمؤتمر، ستتحدد بما ينتج عنه من التزامات واضحة واتفاقيات قابلة للتنفيذ، لا بمجرد حجم الفرص الاستثمارية المعروضة.
فـ"الناقل الوطني" لا يحتاج إلى تمويل كبير حسب، بل لتمويل منظم ومستدام قادر على نقل المشروع من مرحلة الاتفاقيات إلى التنفيذ، ثم إلى التشغيل بكفاءة اقتصادية. وهذا هو المعيار الأهم لنجاح الشراكة؛ بأن تتحول الأموال التي حشدها الأردن بالتعاون مع شركائه المحليين والدوليين إلى أمن مائي مستدام، من دون تحميل المالية العامة أو قطاع المياه أعباء لا يمكن إدارتها على المدى الطويل.
وتشير البيانات الحكومية المعلنة، إلى أن المشروع يجمع بين مساهمة مباشرة من الخزينة، وائتمان مصرفي تقوده بنوك أردنية، وتمويل من مؤسسات دولية، ومنح من شركاء دوليين.
لكن ما ينتظر حاليا، يتمثل باستكمال الإجراءات المالية وشروطها، وصولا إلى مرحلة يصبح فيها التمويل قابلا للتنفيذ وفق الاتفاقيات النهائية.
وتقدر الكلفة الرأسمالية لـ"الناقل الوطني" بـ4.3 مليار دولار، بينما تصل الكلفة الإجمالية المقدرة، بما فيها تكاليف التمويل، إلى 5.8 مليار دولار، وفق إعلان رئاسة الوزراء في 21 نيسان (إبريل) الماضي.
ويعني ذلك أن المشروع، يحتاج إلى هيكل تمويلي طويل الأجل، لا يقتصر على تأمين كلفة الإنشاء، بل يأخذ في الاعتبار الأعباء المالية المرتبطة بتمويل مشروع بهذا الحجم.
تعزيز المواصفات الفنية
وكانت الحكومة وقعت في نيسان (إبريل) الماضي، الاتفاقية الفنية والقانونية النهائية للمشروع، بعد مفاوضات استمرت نحو 16 شهرا، بهدف تحسين الشروط التمويلية والحصول على أسعار تنافسية وتعزيز المواصفات الفنية والهندسية.
وآنذاك، كانت الحكومة تستهدف استكمال الغلق المالي في تموز (يوليو) الماضي، تمهيدا لبدء الأعمال الإنشائية، لكن مصدرا مطلعا أكد في وقت سابق لـ"الغد"، أن إجراءات الإغلاق المالي ما تزال قيد الاستكمال.
ويبرز دور القطاع المصرفي المحلي، باعتباره أحد الأعمدة الرئيسة في هيكل تمويل المشروع. فقد أعلنت الحكومة أن ائتلافا من البنوك التجارية الأردنية، بقيادة بنك الإسكان، سيساهم بتمويل يصل إلى 1.1 مليار دولار.
وتكتسب هذه المساهمة أهمية خاصة في ظل حاجة المشروع إلى حشد موارد مالية كبيرة، وفي ظل الدور الذي يمكن أن تؤديه المصارف المحلية بتوفير الائتمان طويل الأجل، وتعبئة المدخرات، وتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية في المشاريع الاستراتيجية.
وفي آذار (مارس) العام الماضي، أعلن بنك الإسكان توقيع وثيقة ترتيب قرض تجمع مصرفي بقيمة تصل إلى 770 مليون دولار، ثم أعلن في تموز (يوليو) الماضي أنه قاد العام الماضي ترتيب قرض تجمع مصرفي محلي قدره 800 مليون دينار، أي ما يعادل نحو 1.13 مليار دولار.
التمويل المصرفي المحلي
وتشير هذه التطورات إلى أن التمويل المصرفي المحلي، لم يعد عنصرا هامشيا في المشروع، بل أصبح أحد مكوناته الرئيسة. كما أن قيادة بنك أردني لترتيب تجمع مصرفي بهذا الحجم، تبرز قدرة السوق المصرفية المحلية على المشاركة بتمويل مشروع يتجاوز حجمه المعتاد كثيرا من الاستثمارات الفردية.
ولا يقتصر الحضور المحلي في المشروع على البنوك التجارية، إذ يشارك صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي بالتمويل عبر الائتلاف المصرفي، إلى جانب استثماره في رأس مال شركة المشروع.
ووفق بيانات الصندوق المنشورة في نيسان (ابريل) الماضي، تشارك شركة الاستثمارات الوطنية المائية، المملوكة بالكامل للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، في ملكية شركة المشروع بحصة قدرها 15 %.
ويمثل هذا الترتيب مسارين مختلفين للمشاركة المالية؛ الأول: عبر التمويل المصرفي، والثاني: عبر الاستثمار في رأس المال. وفي حين يرتبط التمويل بالدين بشروط السداد والعائد المتفق عليه، ترتبط المساهمة في رأس المال بمخاطر الاستثمار وعوائده.
ومن شأن هذا النموذج تعزيز مشاركة المؤسسات الاستثمارية المحلية في البنية التحتية، وأن يربط جزءا من رأس المال الوطني بمشروع ذي أهمية استراتيجية طويلة الأجل.
لكن لا تتوافر في البيانات المشار إليها، قيمة مستقلة معلنة لمساهمة الضمان في القرض المصرفي، ولذلك لا يصح تقديرها عبر نسبة ملكيته البالغة 15 %، أو اعتبار هذه النسبة حصته من التمويل بالدين.
وإلى جانب التمويل المحلي، يستند المشروع إلى تمويل دولي ومنح من مجموعة شركاء.
وبحسب البيانات الحكومية المعلنة في نيسان (ابريل) الماضي، تبلغ قيمة التمويل المعلن من مؤسسات التمويل الدولية لصالح شركة ميريديام 2.9 مليار دولار، بينما تقدر المنح الدولية بـ663 مليون دولار، وتبلغ مساهمة الحكومة 722 مليون دولار.
وتشمل المؤسسات الدولية التي وردت أسماؤها في الإعلان مجموعة: البنك الدولي، والبنك الأوروبي للاستثمار، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية، وبروباركو، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي، وصندوق المناخ الأخضر، وصندوق أوبك للتنمية الدولية، إلى جانب جهات أخرى.
أما المنح، فتشمل مساهمات من: الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، وألمانيا، وهولندا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، وصندوق المناخ الأخضر.
أدوات للحد من المخاطر
وتؤدي هذه المكونات أدوارا مختلفة في الهيكل المالي؛ فالمنح تسهم بتغطية جزء من كلفة المشروع من دون إنشاء التزام مماثل للقرض بالسداد، وفقا لشروط كل اتفاقية، بينما يوفر التمويل التنموي الدولي قنوات لتمويل المشاريع الكبرى، ويمكنه إتاحة أدوات للحد من المخاطر وتحسين قابلية المشروع للتمويل.
أما المساهمة الحكومية، فتؤكد أن الدولة تتحمل جزءا مباشرا من كلفة المشروع، بما يساعد على بناء الهيكل المالي المطلوب لتنفيذه.
ويأتي مؤتمر الاستثمار في توقيت مهم، إذ أعلنت الحكومة والاتحاد الأوروبي عقده في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ضمن الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الجانبين، والمدعومة بحزمة مالية واستثمارية تبلغ 3 مليار يورو للفترة بين 2025 و2027.
وتشمل هذه الحزمة، استثمارات إضافية ومساعدات مالية ومنحا وقروضا ميسرة، لكنها ليست مبلغا مخصصا بالكامل لـ"الناقل الوطني"، ولا يجوز اعتبارها تمويلا جديدا للمشروع من دون إعلان صريح عن ذلك.
ولا تنتهي معادلة المشروع عند جمع الأموال. فنجاح "الناقل الوطني" تتوقف قدرته على توفير المياه بكلفة يمكن إدارتها، وعلى توزيع المخاطر التشغيلية والتمويلية بصورة واضحة.
وتشير البيانات الحكومية إلى أنه يستهدف تحلية 300 مليون م3 من مياه البحر الأحمر سنويا، ونقلها عبر خط أنابيب يمتد 417 كلم، مع الاعتماد على الطاقة المتجددة عبر منشآت شمسية بطاقة تقارب 300 ميغاواط.
كما يستهدف المشروع توفير 40 % من احتياجات مياه الشرب في المملكة، على أن يبدأ ضخ المياه في العام 2030 وفقا للجدول المعلن.
وتكتسب هذه الأهداف أهمية اقتصادية، لأن توفير مصدر مائي إضافي ومستقر، قد يدعم استمرارية النشاط الاقتصادي، ويخفف الضغط على المصادر التقليدية، ويحسن قدرة القطاعات الإنتاجية على التخطيط.
ومن المهم أيضا، تحسين شروط القروض، والاستفادة من المنح، وتوزيع المخاطر، والحد من الفاقد المائي، بالتوازي مع تنفيذ المشروع، لضمان أن تتحول الاستثمارات الكبيرة إلى منفعة مائية واقتصادية مستدامة.
وكان سفير الاتحاد الأوروبي لدى الأردن بيير- كريستوف تشاتزيسافاس، رسم، في تصريحات سابقة، صورة متعددة الأبعاد للعلاقة الأردنية الأوروبية، مركزا على مؤتمر الاستثمار المرتقب، وعلى ضرورة ألا يكون المؤتمر محطة تنتهي بانتهاء أعماله، بل بداية لمسار طويل من المتابعة وتحويل التعهدات لاستثمارات ومشاريع فعلية.
وأكد تشاتزيسافاس حينها، أن "الناقل الوطني"، بات قريبا من الاستكمال، معربا عن أمله بإنجاز ذلك بحلول منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
وحول القطاعات الأردنية التي يمكنها الاستفادة من المؤتمر، أشار إلى أن مجالات الاستثمار تشمل: الرقمنة والطاقة والنقل والمياه، موضحا أن "الناقل الوطني" موجود ضمن المشاريع المطروحة والمعلن عنها.
وأضاف أن الاتحاد يمضي في المسار الصحيح لتحقيق هدف الاستثمارات حتى من دون احتساب "الناقل الوطني"ه، مشيرا إلى أنه سيكون قادرا بعد المؤتمر على تحديد وجهة الاستثمارات بصورة دقيقة. مؤكدا أن تركيز الاتحاد يشمل: الرقمنة والطاقة والنقل والمياه، والقطاعات التقليدية التي يعمل فيها الاتحاد، وتوجد فيها مشاريع جاهزة.