أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    29-Mar-2026

التوسع بالمقالع في الأغوار.. جدوى اقتصادية أم خسارة للسلة الغذائية؟

 الغد-فرح عطيات

خطوة جديدة تفتح الباب أمام استثمار الأراضي الخاصة في وادي الأردن لغايات المقالع والمرامل، تثير جدلًا واسعًا في الأوساط البيئية والنيابية، وسط تحذيرات من انعكاساتها على منطقة تُعد من الأكثر حساسية في المملكة على المستويات الزراعية والسياحية والبيئية.
 
 
وبحسب ما ورد في القرار، فإن الموافقة جاءت لإقامة هذه المشاريع ضمن شروط محددة، مع التأكيد على استكمال التراخيص من الجهات المختصة قبل مباشرة العمل، وفرض رسوم سنوية على المساحات المستغلة، في إطار تنظيم هذا النوع من الاستثمارات.
وفي جوهر الجدل، يبرز تعارض واضح بين منطق “الجدوى الاقتصادية” الذي يحكم القرار، وبين الحاجة إلى حماية منطقة تُوصف بأنها “سلة غذائية” للمملكة ووجهة “سياحية علاجية ودينية فريدة”.
وتكشف قراءة مواقف خبراء ونواب “قلقًا مشتركًا” من أن “غياب” التخطيط المكاني “الصارم”، و”الرقابة الفاعلة” قد يقود إلى نشوء بؤر بيئية “متدهورة” تصعب “معالجتها”، خاصة في منطقة ذات حساسية عالية، تحتضن نظمًا بيئية دقيقة وممرات للطيور، وتعتمد ميزتها التنافسية على “سلامة” مواردها الطبيعية.
ومع استحضار تجارب سابقة أظهرت “الكلف البيئية والصحية” للمقالع، تتعزز المخاوف من تكرار سيناريوهات التوسع “غير المنضبط”، بما يحمله من “تلوث للهواء وانتشار الغبار” وتأثيرات مباشرة على الصحة العامة، فضلًا عن انعكاساته على الزراعة والسياحة، وفق الخبراء والنواب.
تساؤلات جوهرية
رئيس لجنة البيئة والمناخ النيابية د. جهاد عبوي أكد أن قرار سلطة وادي الأردن بالسماح بتأجير أراضي المواطنين لغايات إنشاء المقالع والمرامل يثير “تساؤلات جوهرية”، خاصة في ظل الأهمية الإستراتيجية لوادي الأردن، ليس فقط “كسلة غذائية” للمملكة، بل أيضًا كوجهة ذات قيمة سياحية “علاجية ودينية فريدة” على مستوى المنطقة.
وأشار عبوي لـ”الغد” إلى أن الأغوار تحتضن مواقع ذات أهمية “عالمية”، مثل مناطق السياحة العلاجية المرتبطة بالبحر الميت، إضافة إلى مواقع دينية وتاريخية تشكل جزءًا من “الهوية الوطنية”، و”الإرث الحضاري”، ما يستدعي التعامل مع أي قرار استثماري فيها بأعلى درجات “الحذر والمسؤولية”.
وأضاف، إن اللجنة تنظر إلى هذا القرار من زاوية تحقيق التوازن بين “التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية، والميزات التنافسية للمنطقة”، مؤكدًا أن التوسع في المقالع والمرامل قد “يهدد” ليس فقط الأراضي الزراعية، بل أيضًا “جاذبية” المنطقة سياحيًا، من خلال التأثير على المشهد الطبيعي، وجودة الهواء والبيئة العامة.
وبيّن أن التجارب السابقة في مناطق مثل سحاب أظهرت بوضوح “الكلف البيئية والصحية” لمثل هذه الأنشطة، وهو ما يحتم “عدم تكرارها” في مناطق “حساسة” كالأغوار، التي تمثل ركيزة للأمن الغذائي، والسياحة العلاجية والدينية.
وأوضح أن لجنة البيئة والمناخ النيابية ستتابع هذا الملف بشكل “حثيث”، من خلال التأكيد على “إلزام” جميع المشاريع بإجراء تقييم أثر بيئي شامل (EIA) قبل الترخيص، وضمان أخذ البعد السياحي “العلاجي والديني” ضمن تقييم الأثر، وليس فقط البيئي التقليدي.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بحسبه، بل ستؤكد لجنته على “تشديد الرقابة” على الالتزام بالاشتراطات البيئية والتخطيطية، والتنسيق مع الجهات المعنية لحماية المواقع ذات الحساسية الخاصة.
وفيما يتعلق بالتوسع العمراني، شدد عبوي على ضرورة وجود تخطيط وطني متكامل لاستخدامات الأراضي، ومخططات شمولية “تمنع” التداخل بين الأنشطة الصناعية والسكنية والسياحية، وتضمن الحفاظ على الطابع البيئي، والسياحي للأغوار، وعدم تكرار نماذج “سلبية” شهدتها بعض المدن.
ولفت إلى أن اللجنة ستدفع باتجاه تطوير إطار تنظيمي حديث مع الجهات الحكومية المختصة لتنظيم لقطاع المقالع والمرامل، يراعي الخصوصية البيئية والسياحية للمناطق، ويعزز مبادئ الاستدامة والحوكمة الرشيدة.
وأكد أن حماية وادي الأردن، بما يحمله من قيمة زراعية وسياحية ودينية، تمثل “أولوية وطنية” لا تحتمل “المجازفة”، وتتطلب قرارات “متوازنة” تحافظ على حقوق الأجيال القادمة، وتعزز مكانة الأردن إقليميًا ودوليًا.
أسباب ونتائج
أما أمين عام سلطة وادي الأردن المهندس هشام الحيصة فيرجع أسباب إقرار منح الترخيص الأولي لإقامة مشاريع المقالع والمرامل على قطع الأراضي الخاصة الذي اتخذته السلطة إلى “قيام أصحاب الملكيات الخاصة سابقاً بالعمل في مجال المقالع والتعدين وضمن أراضيهم”.
وأوضح، أنه ولذلك السبب، ومن أجل الحفاظ على البيئة، وضمان عدم تواجد برك المياه العادمة الناجمة عن أنشطة المقالع، والالتزام بإعادة تأهيل الأراضي بعد انتهاء الأعمال، جاء القرار بهدف إلزام أصحاب الملكيات الخاصة بأخذ موافقة سلطة وادي الأردن لإقامة مشاريع المقالع والمرامل.
وشدد الحيصة لـ”الغد”، على أن موافقة وزارة البيئة كذلك تعد شرطاً لإقامة المشاريع، مع دفع رسوم كشف سنوية على مساحة الأرض المستأجرة بواقع 200 دينار عن كل دونم، والتي ستستخدم كضمانة لإعادة تأهيل الأراضي والالتزام بالمعايير البيئية المطلوبة.
وأضاف أن الرسوم ستكون بمثابة إيراد لسلطة وادي الأردن، والتي تعد غير كافية، لكنها تأتي للتحقق من مطابقة إقامة المشروع للشروط الفنية.
ولفت إلى أن تنظيم عمل المقالع والمرامل لتنسجم مع المعايير البيئية والسلامة كان العنوان الأكبر لهذا التوجه منذ البداية.
ولأن وادي الأردن يعد بمثابة “السلة الغذائية” للأردن، أكد الحيصة أن منح الترخيص لإقامة مشاريع المقالع والمحاجر سيكون ضمن الأراضي المخصصة لغايات التعدين، حفاظاً على الرقعة الزراعية.
اعتبارات اقتصادية
ويتضح في رأي المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد، أن قرار سلطة وادي الأردن بالموافقة على تأجير أراضي المواطنين الخاصة لغايات المقالع والمرامل يستند إلى اعتبارات “اقتصادية بحتة”، الأمر الذي يستدعي معه “القلق”.
واستند عيد على ذلك بقوله إن مثل هذه القرارات “لا يجوز” أن تُبنى على جدوى الاستثمار الاقتصادي فقط، بل يجب أن تستند أيضًا إلى “قدرة” المنظومة المؤسسية والتنظيمية على “ضبط” هذه الأنشطة ضمن حدود الاستدامة البيئية، والمجتمعية خاصة في منطقة ذات “حساسية بيئية عالية” مثل وادي الأردن.
وأعرب عن أسفه من أن العديد من التجارب السابقة لنشاطات مشابهة في الأردن أثبتت أن الإشكالية لا تكمن في طبيعة النشاط بحد ذاته، بل في “ضعف” أدوات التخطيط المسبق، و”غياب الرقابة الفعالة”، وعدم التعامل “الجاد” مع التأثيرات التراكمية، خصوصا مع التزايد السكاني المتسارع والزحف العمراني المستمر.
ولفت إلى أن السماح بانتشار المقالع دون إطار تخطيطي “صارم” قد يؤدي إلى نشوء بؤر بيئية “متدهورة” تصعب “معالجتها”، أو عكس آثارها لاحقًا.
وعليه، أكد عيد أهمية أن تستند سلطة وادي الأردن، والمؤسسات ذات العلاقة إلى معيار أساسي يحكم هذا النوع من الاستثمارات، يتمثل في الانتقال من نهج الترخيص الفردي للمشاريع إلى نهج التخطيط المكاني المتكامل. 
وقدم شرحاً مفصلاً بأن هذا النهج يقضي بتحديد مناطق “يسمح” فيها بالبناء، وأخرى “يحظر” فيها إنشاء أي مقالع أو مرامل استنادًا إلى حساسية النظم البيئية، لا سيما في وادي الأردن الذي يُعد “ممرًا رئيسا” لهجرة الطيور، ويحتوي على موائل ذات “قيمة بيئية عالية”. 
ومن بين دعواته كذلك، “إلزام” جميع المشاريع بإجراء تقييمات أثر بيئي، دون أن تقتصر على حدود المشروع، بل تمتد لتشمل تقييم الأثر التراكمي على مستوى المنطقة، وهو عنصر بالغ الأهمية، وغالبًا “ما يتم تجاهله”، رغم ما تترتب عليه من نتائج حاسمة. 
إضافة إلى ذلك، ووفق قوله، فإن ضمان الالتزام البيئي يتطلب تضمين شروط “واضحة وملزمة” ضمن عقود التأجير والترخيص، تشمل إعداد وتنفيذ خطط إدارة بيئية تفصيلية، وتطبيق برامج رصد مستمرة، وتفعيل آليات إنفاذ “صارمة” تتضمن “عقوبات حقيقية” في حال المخالفة، بدلًا من الاكتفاء “بالتزامات شكلية”. 
ومن بين توصيات عيد، ربط استمرارية الترخيص بمؤشرات أداء بيئي قابلة للقياس، بما يضمن عدم تحول التراخيص إلى “امتيازات مفتوحة” دون “مراجعة دورية”، أو “مساءلة فعلية”. 
أما فيما يتعلق بتخفيف التأثيرات البيئية، فقدم عيد جملة اقتراحات، من بينها التركيز على مجموعة من الإجراءات العملية، وأبرزها تقليل المساحات المتأثرة، والحد من انبعاثات الغبار، وإدارة الضوضاء وإعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء العمل.
وبالإضافة إلى ذلك، شدد على ضرورة إنشاء مناطق “عازلة” تفصل بين مواقع المقالع والمناطق الحساسة بيئيًا، أو التجمعات السكنية، كما ينبغي مراعاة توقيت العمليات التشغيلية بما يتوافق مع الفترات البيئية الحساسة، والذي يطرح معه سؤالاً في غاية الأهمية إن “كان الأردن لديه الجاهزية لذلك”.
تداعيات سلبية للقرار
ومن وجهة نظر رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (الاتحاد النوعي) عمر الشوشان فإن قرار السماح بتأجير أراضٍ في وادي الأردن لغايات إنشاء المقالع والمرامل، له تداعيات “سلبية”، لا سيما أن المنطقة تُعد من أهم “النظم البيئية” في المملكة، وتحتضن “محميات طبيعية”، ومواقع ذات “حساسية بيئية عالية”، فضلًا عن كونها ركيزة أساسية للأمن الغذائي والسياحة العلاجية، والدينية في الأردن.
ولفت إلى أن الميزة النسبية لوادي الأردن، سواء في القطاع الزراعي أو السياحي، تعتمد بشكل مباشر على “سلامة” الخصائص البيئية، وجودة التربة والمياه والهواء. 
وحذر من أن أي “تدهور” في هذه العناصر سينعكس “سلبًا” على جودة المنتجات الزراعية، ويؤثر على “تنافسيتها”، إضافة إلى “الإضرار” بجاذبية المنطقة كوجهة سياحية علاجية ودينية.
وكشفت التجارب السابقة في قطاع المقالع والمرامل عن “تجاوزات واضحة” في المساحات المرخصة، حيث يتم التوسع على حساب الأراضي المجاورة، إلى جانب “ضعف الالتزام” بإعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء العمل، ما يؤدي إلى “تدهور” الأراضي، و”تسريع” عمليات التصحر، وترك آثار بيئية طويلة الأمد يصعب “معالجتها”، تبعا له.
وأضاف، إن هذه الأنشطة تساهم في “تلوث الهواء وانتشار الغبار”، الأمر الذي يشكل “خطرًا مباشرًا” على الصحة العامة، خاصة فيما يتعلق بأمراض الجهاز التنفسي، فضلًا عن التأثيرات السلبية على المجتمعات المحلية وجودة الحياة.
ودعا الشوشان إلى وقف أي توسع “غير مدروس” في المقالع والمرامل داخل وادي الأردن، و”تشديد الرقابة” على الالتزام بالمساحات المحددة في التراخيص، ومنع أي “تجاوزات”، مع “إلزام” المستثمرين بخطط واضحة لـ”إعادة تأهيل” المواقع بيئيًا بعد انتهاء الأعمال.
كما طالب بإجراء “تقييم أثر بيئي إستراتيجي” يأخذ بعين الاعتبار الحساسية البيئية والسياحية والصحية للمنطقة، و”حماية” المحميات الطبيعية، و”منع” أي نشاطات استخراجية في نطاقها، أو بالقرب منها.
وأكد أن استمرار هذه الممارسات دون “ضبط حقيقي” سيؤدي إلى “فقدان” تدريجي لقيمة وادي الأردن البيئية والزراعية والسياحية، مشددًا على أن حماية هذه المنطقة تمثل “أولوية وطنية”، و”استثمارًا” طويل الأمد في صحة الإنسان والاقتصاد والبيئة.