الراي
رعاية جلالة الملك عبدالله الثاني لإطلاق البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029 منحت هذا البرنامج ثقله السياسي والوطني، ووضعت الحكومة أمام مسؤولية التنفيذ لا الاكتفاء بالإعلان فقط، فحين يكون الملك حاضرا، فإن الرسالة واضحة، فالمطلوب نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، لا عناوين براقة ولا برامج مؤجلة، فهل تنجح الحكومة؟.
البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي، كما عرضه رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، يحمل أرقاماً لافتة، فهناك 392 مشروعا سيتم تنفيذها بالشراكة مع القطاع الخاص، وبحجم استثمارات يقارب 10 مليارات دينار خلال سنوات التنفيذ، وهذه الشراكة، إذا ما أُديرت بكفاءة وشفافية، يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للاقتصاد، خصوصا في قطاعات حيوية مثل الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، التي يعاني المواطن من كلفها واختناقاتها منذ سنوات.
الأهمية هنا لا تكمن بعدد المشاريع بقدر ما تكمن بقدرتها على الانتقال من الورق إلى أرض الواقع، فالتجربة الأردنية مع البرامج والخطط ليست فقيرة، لكن التحدي الدائم كان بالتنفيذ والمتابعة والمحاسبة، وهو ما يجعل رعاية جلالة الملك لهذا الإطلاق بمثابة التزام سياسي أعلى يضيق هامش التقصير.
تأكيد الحكومة على وجود استثمارات رأسمالية كبيرة بقطاعي الصحة والتعليم يعكس إدراكا متأخرا لكنه ضروري، بأن أي تحديث اقتصادي لا يمكن أن ينجح دون إنسان متعلم، سليم، ومؤهل للمستقبل. فهذان القطاعان يشكلان جوهر الأولويات الشعبية، وأي تحسين فيهما سينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
أما على صعيد تحديث القطاع العام، فقد أصاب رئيس الوزراء جوهر المشكلة حين ربط نجاح البرامج الاقتصادية بوجود جهاز إداري كفؤ وفاعل، فالإدارة العامة التي تضم أكثر من ربع مليون موظف، لا يمكن أن تبقى على أدواتها التقليدية إذا أردنا نتائج مختلفة، ومن هنا، يبرز التوجه لإنشاء الأكاديمية الوطنية للإدارة العامة كخطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.
توجيه جلالة الملك بزيادة مخصصات صندوق دعم الطالب الجامعي بمقدار خمسة ملايين دينار يحمل دلالة سياسية واجتماعية مهمة، فهو يعكس انحيازا واضحا لفئة الشباب، وإيمانا بأن التعليم العالي يجب ألا يكون رهينة للظروف الاقتصادية، وهذه الزيادة، التي ترفع مخصصات الصندوق إلى 40 مليون دينار، ستفتح الباب أمام آلاف الطلبة لاستكمال تعليمهم، وتخفف من الضغوط المتزايدة على الأسر.
خلاصة القول، إطلاق البرنامج التنفيذي (2026–2029) يشكل محطة مفصلية، لا لأن البرامج طموحة فحسب، بل لأن سقف التوقعات ارتفع، ومعه مستوى المساءلة، والكرة اليوم في ملعب الحكومة، والاختبار الحقيقي سيكون في قدرتها على الالتزام بالجداول، وتحقيق أثر ملموس يشعر به المواطن، ويؤكد أن مرحلة التنفيذ الجاد قد بدأت فعلاً، لا قولاً.