"عمرة".. فرصة إستراتيجية لتطبيق مفهوم "المدن الذكية"
الغد- إبراهيم المبيضين
سيكون فرصة كبيرة استراتيجية للأردن لتطبيق مفهوم "المدن الذكية" في الانشاء والادارة والاستدامة مستقبلا، وخصوصا ان التقنية اليوم اصبحت ممكنة لكل القطاعات، مؤكدين اهمية التعامل مع المشروع على انه مشروع وطني للتحول الحضري الذكي وليس كمخطط عمراني تقليدي.
وكانت جمعية شركات التقنية والاتصالات "انتاج" أكدت سابقا ان المشروع يشكل فرصة ذهبية لتأسيس بنية تحتية رقمية ذكية من البداية، وفقا لأعلى المعايير العالمية، بما يشمل شبكات اتصالات متقدمة، منظومات إنترنت الأشياء، مراكز بيانات، حلول المدن الذكية، الأمن السيبراني، أنظمة النقل الذكي، والطاقة المستدامة، وهي جميعها مجالات تمتلك فيها الشركات الأردنية خبرة متقدمة وقادرة على تقديم حلول عالمية المستوى.
وأكدت الجمعية الاستعداد للعمل مع الجهات الحكومية وشركاء القطاع الخاص لضمان بناء منظومة رقمية حديثة في مدينة عمرة، ووضع خبرات قطاع التكنولوجيا الأردني بكل شركاته ومختصيه تحت التصرف، بما يتيح تمكين الشركات من تقديم حلول ذكية ومتقدمة ويحول مدينة عمرة إلى أنموذج وطني للمدن المستقبلية القادرة على احتضان الإبداع وفتح آفاق واسعة أمام الشباب والشركات.
تعريف المدينة الذكية
وقال الخبير في تخصص الأعمال الالكترونية الاستاذ الدكتور احمد غندور ان المدينة الذكية هي " مدينة تُصمَّم من اليوم الأول لتُدار بالبيانات والتقنية لا بورق ومعاملات تقليدية، وهي تعتمد على الإنترنت عالي السرعة وأجهزة الاستشعار ومنصات البيانات والذكاء الاصطناعي لإدارة المرور والطاقة والمياه والنفايات والخدمات الحكومية والتعليم والصحة"، مشيرا الى ان الهدف من تطبيق هذا المفهوم هو أن تصبح حياة الناس أسهل وأقل كلفة وأكثر كفاءة بدل أن نضيف تطبيقات تجميلية فوق واقع إداري قديم.
ثلاثة متطلبات لمدينة ذكية
وبين غندور ان وصف مدينة ما بالذكية يحتاج ثلاثة شروط او متطلبات، أولها توافر بنية تحتية رقمية قوية ومتكاملة تشمل الألياف الضوئية التي تصل إلى الأحياء والمباني وشبكات الجيل الخامس والواي فاي العام وأجهزة الاستشعار والعدادات الذكية في الطرق والإنارة والمياه والطاقة، ووجود نظام إدارة قائم على البيانات يراقب مؤشرات الحركة والاستهلاك والخدمات لحظيًا ويتخذ قرارات سريعة ومدروسة بدل إدارة الأزمات بعد وقوعها.
واشار الى ان ثالث شرط يتمثل في توفير خدمات رقمية يومية للمقيم تمتد من التراخيص والضرائب إلى خدمات البلدية والصحة والتعليم والدفع الإلكتروني بحيث تصبح القناة الرقمية هي الأصل وزيارة الدائرة هي الاستثناء.
وأوضح غندور ان البنية التحتية للمدينة الذكية " ليست كابلات وأبراج فقط ولكنها طبقات متكاملة"، مبينا ان اولها طبقة اتصال تضم الألياف الضوئية ومحطات البث والشبكات اللاسلكية، فوقها طبقة الأجهزة الذكية مثل الكاميرات والعدادات الذكية وأجهزة الاستشعار في الشوارع والمباني والشبكات، ومن ثم طبقة المنصات والتطبيقات التي تشمل مراكز البيانات والحوسبة السحابية وأنظمة إدارة المدينة ولوحات المتابعة والتحليل والتكامل مع قواعد بيانات الحكومة والبلديات.
واكد اهمية وجود طبقة الحوكمة والأمن السيبراني وحماية الخصوصية حتى لا تتحول المدينة إلى مساحة مراقبة بلا ضوابط قانونية وأخلاقية.
الحاجة إلى قرار تخطيطي مبكر وواضح
وأكد غندور ان بناء كل ما سبق " يحتاج قرارًا تخطيطيًا مبكرًا وواضحًا"، بحيث تُحدد مسارات الألياف ومواقع مراكز البيانات ونقاط التجميع منذ البداية، وتُوضع معايير موحدة للأجهزة والمنصات، ويُلزم المطورين العقاريين بالالتزام بها، لافتا الى انه بعد ذلك تُفتح الشراكات أمام شركات الاتصالات وتقنية المعلومات لتنفيذ وتشغيل أجزاء من هذه المنظومة بعقود طويلة الأجل ونماذج عائد واضحة.
وقال: " بهذه الطريقة تصبح المدينة مشروعًا رقميًا مستقرًا يمكن البناء عليه لعقود لا مبادرات متفرقة تنتهي بانتهاء التمويل".
فرص تنموية كبيرة لمشروع عمرة
الخبير في مجال الهندسة والتقنية المهندس شاكر خليف اكد الأهمية الاقتصادية الكبيرة لمشروع عمرة في تحويل التحديات الديموغرافية إلى فرص تنموية عبر تخفيف الضغط عن العاصمة ومحافظة الزرقاء من خلال استيعاب الزيادة السكانية المتوقعة في هاتين المحافظتين ما يقلل الكلف الاقتصادية للازدحام وتآكل البنية التحتية، واهميته في كفاءة الموارد من خلال استخدام الأنظمة الذكية يقلل الهدر في المياه والطاقة، وهو وفر مالي استراتيجي للأردن، فضلا عن اهميته كمحرك للنمو كون المشروع سيخلق آلاف فرص العمل في قطاعات الإنشاءات والخدمات، مشيرا الى ان نجاحه الاقتصادي يعتمد على تحقيق سيناريو "القطب الحضري المستدام" الذي يجذب الاستثمارات بدلاً من التحول لمجرد ضاحية سكنية.
واضاف شاكر ان المشروع سيحرك العديد من الاقطاعات الاقتصادية ومنها بشكل اساسي قطاع التقنية والاتصالات اذ يعد ايجاد بنية تحتية للاتصالات وما يبنى عليها من خدمات رقمية وتطبيق لمفاهيم المدن الذكية عامودا اساسيا في المشروع.
وعن كيفيات بناء بنية تحتية رقمية متينة لمشروع، قال خليف ان ذلك يتم من خلال التخطيط المسبق والتكامل قبل وضع حجر الأساس، مؤكدا اهمية ( التخطيط الشمولي الرقمي) وذلك من خلال دمج المخطط التكنولوجي مع المخطط الحضري، لضمان وجود مسارات للكوابل والمستشعرات منذ البداية.
واشار الى اهمية ( الأمن بالتصميم) من خلال تطبيق معايير المركز الوطني للأمن السيبراني لحماية شبكات الطاقة والمياه من الاختراقات.
واكد خليف اهمية مفهوم ( التوأمة الرقمية) عبر انشاء نسخة افتراضية للمدينة لإدارة العمليات والصيانة والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها.
مكونات البنية التحتية الرقمية
وعن مكونات البنية التحتية الرقمية الضرورية للمشروع بين خليف انها تشمل 5 طبقات رئيسية متكاملة اولها طبقة الاستشعار (ما يمكن تسميته بالجذور) وتشمل عدادات ذكية للمياه والكهرباء، وكاميرات، وحساسات بيئية، فيما يعنى المكون الثاني بطبقة الشبكة (ما يمكن تسميته بالجذع) والتي تتكون من شبكة ألياف ضوئية وطنية، وشبكات الجيل الخامس لنقل البيانات بسرعة فائقة.
وأكد خليف اهمية طبقة البيانات من خلال مراكز بيانات محلية وسحابة تخزينية لمعالجة المعلومات الضخمة، وطبقة التطبيقات وتشمل منصات لخدمة السكان (نقل ذكي، معاملات حكومية، إدارة نفايات)، وطبقة الأمن والحوكمة وتشمل أنظمة حماية سيبرانية وإدارة هوية رقمية.
المشروع وحدة اقتصادية رقمية
ومن جهته قال الخبير في مجال التحول الارقمي وريادة الاعمال المهندس هاني البطش ان مشروع مدينة عمرة أحد المشاريع الحضرية الواعدة التي يمكن أن تشكل نموذجًا أردنيًا متقدمًا للمدن الذكية، إذا ما تم تصميمه وتنفيذه وفق مقاربة التنمية المعتمدة على التكنولوجيا وليس كنمو عمراني تقليدي.
ويرى البطش ان الفرصة الحقيقية في مدينة عمرة لا تكمن في البنية العمرانية فقط، بل في إعادة تعريف المدينة كوحدة اقتصادية رقمية قادرة على جذب الاستثمارات النوعية، وتوليد وظائف عالية القيمة، وتعزيز تنافسية الأردن إقليميًا في الاقتصاد الرقمي.
وتحويل مدينة عمرة إلى مدينة ذكية يحقق مكاسب اقتصادية متعددة المستويات: اولها على المستوى الوطني، من خلال دعم التحول نحو اقتصاد المعرفة بدل الاقتصاد الريعي، وتعزيز مكانة الأردن كمركز إقليمي للخدمات الرقمية والتقنية، وتخفيف الضغط السكاني والخدمي عن المدن الكبرى.
واشار الى اهميته على مستوى الاستثمار من خلال جذب استثمارات في مراكز البيانات، شركات التكنولوجيا، الصناعات الرقمية والخدمية، زيادة القيمة السوقية للأراضي والعقار الذكي (Smart Real Estate).
وقال البطش بأن للمشروع أهمية على مستوى التشغيل عبر خلق وظائف نوعية في الاتصالات، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، تحليل البيانات، إدارة الأنظمة الذكية، ورفع إنتاجية الفرد وتقليل كلفة التشغيل الحكومي.
الركائز الأساسية للمدينة الذكية
وتحدث البطش عن ابرز ركائز مفهوم المدينة الذكية والتي تشمل الحوكمة الذكية، البنية التحتية الرقمية، الاقتصاد الذكي، الخدمات الذكية (نقل، طاقة، صحة، تعليم)، الأمن السيبراني وحماية البيانات، والإنسان كمحور أساسي (Human-Centric Design)
وأكد أن مشروع عمرة يمثل فرصة لقطاعي الاتصالات وتقنية المعلومات لأنه سيمثل منصة اختبار وطنية (National Testbed)، ومحرك نمو لشركات الاتصالات، وحاضنة لشركات التقنية الأردنية، مشيرا الى ان الفرص التي ستتوافر بالإجمال تشمل عقود تشغيل وبناء الشبكات، تطوير حلول محلية بدل استيرادها، شراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وتصدير التجربة لاحقًا لمدن عربية أخرى
ويرى البطش ان ثمة متطلبات لإنجاح فكرة المدينة الذكية في " عمرة" منها، إشراك الكفاءات الوطنية الهندسية والتقني، وبناء إطار حوكمة ذكي، وإعداد تشريعات مرنة للمدن الذكية، تمكين الابتكار المحلي بدل الاعتماد الكامل على الحلول الجاهزة، مؤكدا اهمية الاستفادة من الخبرات الاردنية في مجالات الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، البنية التحتية الرقمية، وتخطيط المدن الذكية.