أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    23-May-2026

التنوع الحيوي في الأردن.. إستراتيجيات متقدمة وتنفيذ يواجه اختبار الواقع

 الغد- فرح عطيات

 يحمل اليوم الدولي للتنوع الحيوي، الذي صادف أمس، تحت شعار "الانسجام مع الطبيعة والتنمية المستدامة"، دلالات تتجاوز البعد البيئي إلى أسئلة أكثر إلحاحاً، تتعلق بقدرة الدول على حماية مواردها الطبيعية في مواجهة الضغوط الاقتصادية والمناخية المتسارعة. 
 
 
وفي الأردن، يعود ملف التنوع الحيوي إلى واجهة النقاش مجدداً، وسط دعوات لتجاوز مرحلة إعداد الإستراتيجيات والخطط نحو التنفيذ الفعلي القادر على إحداث أثر ملموس على الأرض.
فالأردن، برغم محدودية موارده الطبيعية ومساحته الجغرافية، يُعد من الدول الغنية نسبياً بالتنوع الحيوي، نتيجة وقوعه ضمن منطقة الهلال الخصيب، وكونه نقطة التقاء لأقاليم جغرافية ومناخية متعددة، ما أوجد تنوعاً في النظم البيئية والأنواع النباتية والحيوانية.
وتاريخياً، شكّلت الغابات الطبيعية والمراعي والوديان والصحاري، والمحميات موائل رئيسة لأنواع نادرة ومهاجرة، كما ارتبطت هذه الثروة الطبيعية بأبعاد اقتصادية وثقافية، وغذائية عززت أهمية الحفاظ عليها.
لكن هذا الواقع شهد في العقود الماضية تحديات متراكمة، بدأت مع التوسع العمراني والضغوط السكانية، مروراً بشح المياه والتغير المناخي، وصولاً إلى أنماط استثمارية ومشاريع تنموية أثارت جدلاً بشأن انعكاساتها البيئية. 
وبرغم إطلاق الأردن إستراتيجيات وطنية، وتوسيع شبكة المحميات الطبيعية، والانخراط في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، يرى مختصون أن الفجوة ما تزال قائمة بين الالتزامات النظرية ومستوى التطبيق الفعلي، بما يهدد بإضعاف قدرة المملكة على صون إرثها الطبيعي وحماية أنواع بات بعضها مهدداً بالانقراض.
إدارة الموارد الرعوية والغابوية
ومن وجهة نظر مدير التنوع الحيوي وبنك البذور الوطني د. خالد أبو ليلى، فإن منطقة الهلال الخصيب تتميز بتنوعها الحيوي، وانتشار الأنواع الغذائية الهامة للأمنين الغذائي العالمي والمحلي.
لذلك، وبحسب أبو ليلى، يشكل استخدام الطرق المثلى لإدارة الموارد الرعوية والغابوية في الأردن "لبنة أساسية" حتى على الصعيد العالمي، لكونها تمثل أيضا ما يسمى بـ"نقطة الاتصال" بين الموائل المتنوعة.
وأشار إلى "الغد"، إلى أن انخراط المجتمعات المحلية بإدارة الموارد الطبيعية وصون التنوع الحيوي في الأردن شهد "تقدما ملحوظا" خلال الفترة الأخيرة، بسبب دمجها في هذه الخطوة.
وأضاف قائلاً "ثمة العديد من التشريعات والمشاريع والتوجهات في هذا المجال، في وقت تتمتع فيه المنظمات المحلية البيئية بالدور الفاعل، مع توسيع برامج بناء قدرات المجتمعات المحلية لإشراكها في عمليات الصون".
لكنه لم يغفل "التحديات المرتبطة بتوافر التمويل، وتنفيذ مضمون الخطط والإستراتيجيات ذات العلاقة، مع محدودية الوعي البيئي بين الأفراد، والضغوط الاقتصادية التي تحيط بالمجتمعات المحلية".
وبالنسبة لمستوى العمل الحكومي لتنفيذ الغايات قريبة الأجل لإطار "كومينغ مونتريال"، يشدد أبو ليلى، على أن الأردن سباق في مسائل وضع السياسات والتخطيط، لكنه ما يزال يعاني من قضية عكسها على أرض الواقع، وتنفيذ ما ورد فيها، وإدماج التنوع الحيوي في السياسات المختلفة، ومتابعة وتقييم العمل.
ودعا أبو ليلى إلى "الانتقال" من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، و"الإسراع" في ذلك على الأصعدة كافة، دون "إهمال" الجانب الفني وضمن المعايير العالمية المطلوبة.
حماية الأنواع والتنوع الحيوي
وينعكس شعار اليوم العالمي للتنوع الحيوي في الأردن، عبر الأفعال والعمل الجماعي، ومساهمة كل فرد في أداء دوره ومسؤوليته تجاه البيئة والطبيعة، وفق المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد.
وأضاف عيد، أن الفرد عندما يصل إلى قناعة بأن حماية الأنواع والتنوع الحيوي، تمثل جزءاً من الحفاظ على الإرث الطبيعي الوطني، تماماً كما هو الأمر بالنسبة للإرث الثقافي والممتلكات الخاصة، فإنه يسهم ببناء "نموذج وطني متكامل لحماية الطبيعة"، ينعكس أثره "إيجاباً" على المستوى العالمي.
وشدد لـ"الغد"، على أن المعرفة والتوعية متوافرتان إلى حد كبير بين أفراد المجتمع المحلي، لكن ثمة حاجة لإحداث تغيير حقيقي في التوجهات والسلوكيات.
وضرب مثالاً على ذلك بأن الأفراد يدركون بأن إلقاء النفايات عشوائيا في مناطق طبيعية، يتعارض مع الدين والعادات، والأعراف وقيم المواطنة الصالحة، كما يسبب أضراراً مباشرة على البيئة وصحة المجتمع والاقتصاد الوطني. 
إلا أن التحدي الحقيقي، برأيه، يكمن في تحويل هذا الإدراك إلى سلوك يومي وممارسة مستدامة، ومن هنا تبدأ الخطوات المحلية الصغيرة التي يمكن أن تقود إلى "تحولات كبرى، وتعزز ثقافة الاستدامة، والمسؤولية البيئية في المجتمع المحلي".
وعلى صعيد العمل الحكومي، فإن عيد، يؤكد على أن هناك "مؤشرات إيجابية" يمكن البناء عليها خلال الأعوام الأربعة المقبلة، بخاصة بعد إقرار الاستراتيجية الوطنية للتنوع الحيوي وخطة العمل التي أقرتها الحكومة في هذا الشان، ما يمنحها "دعماً مؤسسياً ورسالة واضحة" بأهمية هذا الملف على المستوى الوطني. 
وحازت الإستراتيجية الوطنية، على جائزة أفضل استراتيجية مطورة على مستوى المنطقة،  ما يعكس "جودة" العمل الفني، و"التخطيط الإستراتيجي" المرتبط بها، تبعا له.
ولفت إلى أن وزارة البيئة، تعمل حالياً على حشد التمويل عبر تطوير استراتيجية خاصة بهذا الشأن، وفي مجال مشاريع التنوع الحيوي تحديداً، إلى جانب جهود تعزيز حوكمة المحميات الطبيعية، وتطوير إدارتها. 
وأشار عيد إلى أن المرحلة الماضية شهدت إدماج قضايا التنوع الحيوي في عدد من الاستراتيجيات القطاعية، ومن أبرزها تلك المعنية بالتكيف مع التغير المناخي، إضافة إلى تفويض إدارة بعض المحميات الطبيعية لمؤسسات متخصصة بموجب القانون.
ولكن عيد يشدد على أن تسريع "وتيرة التنفيذ" على أرض الواقع، و"تعزيز التمويل"، و"تحسين مستوى التنسيق والتكامل" بين مختلف المؤسسات الوطنية، بحيث تتحمل كل جهة مسؤولياتها في حماية التنوع الحيوي، يمثل تحدياً واقعياً. 
وربط نجاح الاستراتيجية الوطنية بالاعتماد على مبدأ "التشاركية والتكامل" في العمل لتحقيق الأهداف والمؤشرات الوطنية والدولية.
كما أنه لم يغفل بأن هناك تحديات قائمة، في ظل الأوضاع الاقتصادية، والضغوط المائية والتقلبات السياسية، والنمو السكاني، لكن فرص الأردن تبقى "مرتفعة" لتحقيق تقدم "ملموس" في الوفاء بالالتزامات المرتبطة بالإطار العالمي للتنوع الحيوي، إذا ما استمرت الجهود بوتيرة أكثر "فاعلية وتنفيذا".
ودعا إلى الانتقال من مرحلة "التخطيط ووضع الاستراتيجيات" إلى مرحلة "التنفيذ الفعلي" القائم على مؤشرات "واضحة وقابلة للقياس". 
وشدد على أنه يجب إعطاء مساحة "أكبر" للأنشطة والمشاريع الميدانية ذات "الأثر المباشر" على الأرض، بحيث يكون حجم التدخلات العملية أكبر من حجم البرامج التوعوية وحدها.
وحث في الوقت ذاته على أن تعمل الوزارات والجهات الحكومية ذات العلاقة، مثل الزراعة والمياه والطاقة، والتخطيط الحضري، على دمج وتطبيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للتنوع الحيوي بشكل "فعّال" ضمن خططها وبرامجها القطاعية.
ولفت عيد، إلى أن هناك حاجة لرفع مخصصات التمويل البيئي، ودعم البحث العلمي، وتعزيز برامج الرصد الوطني للتنوع الحيوي بما يضمن توفر "بيانات دقيقة" تدعم اتخاذ القرار.
ومن بين دعواته كذلك، توسيع برامج تغيير التوجه والسلوك عبر تطوير منظومة متكاملة "للحوافز والمساءلة والمخالفات"، بما يسهم في ترسيخ السلوك البيئي "الإيجابي". 
وشدد كذلك، على أهمية تعزيز مشاركة الشباب والقطاع الخاص، والمجتمعات المحلية في جهود الحماية، باعتبارهم "شركاء أساسيين" في تحقيق الاستدامة.
وطالب ببناء نظام وطني متكامل للمتابعة والتقييم، يضمن قياس التقدم الحقيقي نحو تحقيق أهداف الإطار العالمي للتنوع الحيوي، ويربط بين التخطيط والتنفيذ، والنتائج الفعلية على أرض الواقع.
توقف التمويل
ومن وجهة نظر أستاذ علم بيئة الحيوان بالجامعة الأميركية في محافظة مأدبا د. فارس خوري، فإن الخطوات المحلية، أكانت كبيرة أو صغير فإنها تحدث تحولات كبيرة وذات أثر على صعيد حماية التنوع الحيوي.
لكن ذلك الأمر، بحد قوله إلى"الغد"، لم ينعكس على أرض الواقع، بحيث لم يشهد الأردن أية تحولات كبيرة، في ظل التوجهات الحكومية السابقة باجتزاء جزء من محمية ضانا لغايات التعدين.
ولفت خوري، إلى أن التنوع الحيوي لا يقع ضمن "الاهتمامات" الحكومية، فهنالك مشاريع حصلت على تمويل لكنها ليست لغايات "حماية التنوع"، فالاهتمام "بالتنمية الاقتصادية" بعيداً عن هذا الجانب يعد "نمطاً سائداً" في المملكة.
وأضاف أن تقريراً أنجزته الجمعية الأردنية لمراقبة الطيور كشف عن أن 50 % من الأنواع المتكاثرة بالأردن مهددة بالانقراض، ما يتطلب خطوات محلية "كبيرة" لحمايتها وعلى المستويات كافة، ووضع خطط لتطبيقها في المستقبل القريب.
وأكد على أن هنالك الكثير من الشواهد الدالة على أن مشاريع أنشئت لحماية التنوع الحيوي، لكنها لم تأخذ سمة "الاستدامة"، نتيجة "توقف التمويل".
واعتبر بأن انخراط الجمعيات في مجال حماية التنوع الحيوي، يعد "جيداً"، لكن عددها قليل وقد لا يتجاوز الخمسة، في وقت لدى يضر بعضها "اتجاهات خاطئة تضر بالطبيعة والتنوع البيولوجي".
وحذر من أن "تغيير ملامح الأنظمة البيئية" عبر تنفيذ مشاريع استثمارية "غير مسؤولة ومخالفة بيئياً" لكونه "يتعارض" مع فكرة حماية التنوع الحيوي في الأردن.
وعلى صعيد العمل الحكومي، يؤكد خوري أن "الوفاء بالالتزامات الدولية" المترتبة على الأردن اتجاه حماية التنوع الحيوي وحده "غير كاف"، إذ يجب أن يرافقه إمكانات "كبيرة" و"كوادر مؤهلة ومتخصصة"، ورؤى "واضحة" و"نظرة شمولية" كذلك.
ومن اجل تعزيز منظومة حماية التنوع الحيوي، طالب خوري بـ"بناء قدرات من الأجيال الجديدة، والشباب لحثهم الانخراط في مجال حماية التنوع الحيوي في الأردن، ويصبحوا قيادات وصناع قرار كذلك، في ضوء أن المنظومة التعليمية الجامعية "غير مشجعة" لهذه الخطوة".
ولذلك فإنه يؤكد أن الجهات المعنية كافة، يجب أن تبدأ من الآن بالتحول نحو تأهيل الشباب والكوادر للعمل في مجال حماية التنوع الحيوي، وتنفيذ السياسات البيئية وإعدادها، منعا "لخسارة التراث الطبيعي الذي يميزه على حساب المشاريع الاستثمارية "غير المسؤولة".