الغد-إبراهيم المبيضين
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية أو أداة لتحسين بعض العمليات التشغيلية، بل تحول إلى عنصر محوري يعيد صياغة مفهوم الإنتاجية والنمو الاقتصادي في مختلف القطاعات، عبر رفع الكفاءة وتقليل التكاليف وتسريع اتخاذ القرار، ما يجعله أحد أبرز العوامل المؤثرة في تنافسية المؤسسات والاقتصادات خلال السنوات المقبلة.
وأكد خبراء في الشأن التقني أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً جذرياً في بيئات الأعمال، إذ انتقلت المؤسسات من النمو القائم على زيادة أعداد الموظفين وساعات العمل إلى نموذج يعتمد على الأتمتة الذكية وتحليل البيانات، بما يتيح تحقيق نتائج أكبر بموارد أقل.
وأشاروا إلى أن الأنظمة الذكية باتت تتولى العديد من المهام الروتينية والمتكررة، مثل إدخال البيانات وتحليلها، وإعداد التقارير، والرد على العملاء، وإدارة العمليات التشغيلية، ما يمنح الموظفين مساحة أكبر للتركيز على الابتكار والتطوير وصنع القرار. ورغم هذا التحول المتسارع، شدد الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الإنسان، بل يعيد تعريفه ليصبح العنصر البشري قائداً وموجهاً للمنظومة الذكية، بما يعزز القيمة الاقتصادية ويرفع كفاءة الأداء العام.
إعادة تشكيل النمو الاقتصادي
خبير التقنية والاتصالات، وصفي الصفدي، قال إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لتحسين الأداء التشغيلي، بل أصبح عاملاً بنيوياً يعيد تشكيل النمو الاقتصادي نفسه. وأوضح أن تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 تشير إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع نمو الإنتاجية السنوية في الاقتصادات المتقدمة بما يتراوح بين 0.5 و1.3 نقطة مئوية، بحسب سرعة التبني وجاهزية البنية الرقمية.
وأضاف أن تحليلات صندوق النقد الدولي تؤكد أن هذه التقنيات تخلق "موجة نمو أولية" مدفوعة بالاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، قبل أن تظهر المكاسب الإنتاجية الكاملة على المدى المتوسط.
وأشار الصفدي إلى أن دراسة لشركة "ماكينزي" قدرت إمكانية الذكاء الاصطناعي التوليدي على إضافة ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنوياً إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في القطاعات المعتمدة على المعرفة والبيانات، مثل التسويق وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات والبحث العلمي.
وأكد أن المكاسب الأكبر تتحقق عندما يتم دمج الذكاء الاصطناعي داخل سلسلة العمليات التشغيلية الكاملة، وليس استخدامه في مهام منفردة، ما يسهم في رفع الكفاءة وتقليل التكاليف التشغيلية والتوقفات الفنية.
مستويات التأثير على الإنتاجية
وبحسب الصفدي، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي على الإنتاجية يظهر عبر ثلاثة مستويات مترابطة؛ فعلى مستوى المهام الفردية، أظهرت أبحاث اقتصادية حديثة أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن ترفع إنتاجية العاملين في الأعمال المكتبية والتحليلية بنسبة تتراوح بين 10 % و30 %، مع مكاسب أكبر في بعض مجالات البرمجة.
كما أظهرت دراسات ميدانية في قطاع خدمة العملاء تحسناً في سرعة الاستجابة وجودة الحلول بنسبة تقارب 14 %، إلى جانب تقليل الأخطاء البشرية وتحسين تجربة المستخدم.
أما على مستوى المؤسسات، فأوضح الصفدي أن شركات التصنيع التي اعتمدت تقنيات الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي في فحص الجودة والصيانة التنبئية، نجحت في تقليل العيوب والأعطال غير المخططة وتحسين كفاءة خطوط الإنتاج.
وفي قطاع الخدمات اللوجستية، ساعد دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة المخزون وسلاسل التوريد على خفض الهدر وتحسين التخطيط وتسريع عمليات التسليم.
ثورة تتجاوز حدود الإنتاجية البشرية
من جهته، أكد خبير حوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك أن العالم يشهد تحولاً تاريخياً يعيد تعريف الإنتاجية عبر الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن القيمة الاقتصادية الجديدة لا تأتي من "العمل بجهد أكبر"، بل من "العمل بذكاء أعمق".
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يتجاوز القيود التقليدية للإنتاجية البشرية المرتبطة بالوقت والإجهاد والقدرة الاستيعابية، من خلال معالجة كميات ضخمة من البيانات خلال ثوانٍ وتوليد حلول دقيقة تقلل نسبة الخطأ إلى مستويات متدنية للغاية.
وأضاف أن تفوق الذكاء الاصطناعي يبدو واضحاً في مجالات التحليل المعقد والتشخيص الطبي وإدارة سلاسل التوريد، لكنه لا يلغي دور الإنسان، بل يحوله إلى قائد للمنظومة الذكية يركز على الابتكار والاستراتيجية.
وحذر العكاليك من اتساع الفجوة الرقمية في الدول النامية، موضحاً أن اقتصادات العالم الثالث، ومنها الأردن، ما تزال في موقع "المستهلك" لتقنيات الذكاء الاصطناعي أكثر من كونها مطوراً لها، ما قد يؤدي إلى تبعية تكنولوجية وتدفقات مالية نحو الشركات العالمية المطورة لهذه التقنيات.
وأشار إلى أن الوظائف الروتينية والخدمية تعد الأكثر عرضة للأتمتة، ما قد يفاقم معدلات البطالة إذا لم تتم إعادة تأهيل القوى العاملة وتطوير الأنظمة التعليمية والتدريبية.
فرصة أردنية مشروطة بالجاهزية
وأكد العكاليك أن الأردن يمتلك فرصة مهمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، بفضل وجود رأس مال بشري شاب ومتعلم، وبنية تقنية متنامية في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. لكنه شدد على أن نجاح الأردن في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة للنمو يتطلب استراتيجية وطنية متعددة المحاور، تبدأ بإعادة صياغة المناهج التعليمية وبرامج التدريب المهني للتركيز على مهارات المستقبل، مثل تحليل البيانات وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الرقمية.
كما دعا إلى بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية تعالج تحديات وطنية، مثل إدارة المياه والطاقة، وتحسين الخدمات الحكومية والتحصيل الضريبي، بما يخلق وظائف جديدة عالية القيمة.
قطاعات تستفيد من الذكاء الاصطناعي
بدوره، قال خبير الذكاء الاصطناعي والميتافيرس رامي الدماطي إن الذكاء الاصطناعي غيّر مفهوم الإنتاجية بالكامل، إذ أصبحت المؤسسات قادرة على تحقيق نتائج أكبر بموارد أقل عبر الأتمتة والتحليل الذكي وتسريع العمليات التشغيلية.
وأوضح أن أبرز مساهمات الذكاء الاصطناعي تتمثل في أتمتة المهام المتكررة، ما يتيح للموظفين التركيز على الأعمال الإبداعية واتخاذ القرار.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في تسريع تحليل البيانات والوصول إلى المعلومات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على كفاءة قطاعات البنوك والتأمين والرعاية الصحية والصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية.
وبيّن أن القطاع الصحي يستفيد من تحسين التشخيص الطبي وتحليل الصور وإدارة العمليات التشغيلية، فيما يستفيد القطاع المالي من كشف الاحتيال وتحليل المخاطر وأتمتة الخدمات.
كما تشمل القطاعات المستفيدة الصناعة عبر الصيانة التنبئية وتحسين خطوط الإنتاج، والتجارة من خلال تحليل سلوك العملاء وإدارة المخزون، إضافة إلى النقل والتعليم والأمن السيبراني والخدمات الحكومية.
تحديات التبني والتحول
ورغم الفوائد الواسعة، أكد الدماطي أن تبني الذكاء الاصطناعي ما يزال يواجه تحديات عدة، أبرزها نقص الكفاءات المتخصصة، وضعف جاهزية البيانات داخل بعض المؤسسات، وارتفاع كلفة بعض الحلول المتقدمة.
كما أشار إلى استمرار المخاوف المرتبطة بالخصوصية والأمن السيبراني والحوكمة، إلى جانب وجود مقاومة داخلية للتغيير في بعض المؤسسات نتيجة القلق من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف التقليدية.