كثرة الاشتراكات الرقمية.. كيف نحتاط من فخ الاختراق الأمني؟
الغد-إبراهيم المبيضين
يبدأ صباح "أحمد" المعتاد بصوت إشعار مألوف على هاتفه الذكي. يفتح تطبيقاً لمتابعة مؤشراته الصحية، ثم ينتقل لتطبيق آخر للتحقق من مهام عمله، وآخر لمشاهدة مقطع فيديو قصير.. للوهلة الأولى، يبدو أحمد كأي مواطن رقمي نموذجي يستمتع بتسهيلات التكنولوجيا الحديثة. لكن خلف هذا الستار البراق، تختبئ حقيقة معقدة: أحمد يمتلك اليوم عشرات الحسابات الرقمية موزعة بين منصات التواصل، البريد الإلكتروني، الخدمات الحكومية، التطبيقات المصرفية، وحتى متاجر التسوق والذكاء الاصطناعي.
لقد أصبح الشخص الواحد منا اليوم يمتلك ترسانة من الحسابات الإلكترونية التي تغطي تفاصيل حياته كافة. وفي سياق هذا التدفق المستمر، يسيطر على المجتمع اعتقاد سائد بأن وفرة الحسابات والتطبيقات تعني تحقيق التحول الرقمي المنشود، غير أن هذا الاعتقاد ليس سوى وهم يغفل تعقيدات الواقع ومخاطره المتزايدة.
ويؤكد خبراء محليون في الشأن التقني أن حقيقة المفارقة في ظل الاقتصاد الرقمي الحالي هي أن الشركات لا تبحث فقط عن تقديم الخدمة، بل تسعى جاهدة لتجميع بيانات المستخدمين لدى جهات متعددة حول العالم. فمع كل اشتراك جديد، يوافق المستخدم -غالباً دون وعي- على مشاركة جزء جديد من هويته الرقمية؛ إذ تطلب المنصات اسماً، وبريداً إلكترونياً، ورقم هاتف، وتاريخ ميلاد، وموقعاً جغرافياً، وصورة شخصية، وربما معلومات مالية أو بيانات بيومترية كبصمة الوجه والعين. ومع مرور الوقت، تتجمع هذه الجزئيات المتناثرة لتشكل صورة دقيقة ومرعبة عن حياة الفرد، وعاداته، واهتماماته، وعلاقاته، وسلوكه اليومي.
وقال الخبراء إن هذا التضخم المفرط في الحسابات لا يهدد الخصوصية فحسب، بل يضاعف حجم التهديدات السيبرانية بشكل غير مسبوق. فالمستخدم العادي، وتحت وطأة "الإرهاق الأمني" وتذكر مئات الرموز، يلجأ لتكرار كلمات المرور ذاتها، مما يفتح الباب أمام ما يُعرف بـ "اختراق السلسلة"؛ حيث يتسبب اختراق موقع ترفيهي بسيط في كشف مفاتيح الحسابات البنكية أو رسائل البريد الإلكتروني الحساسة.
وأكدوا أن تقليل الاشتراكات غير الضرورية وتنظيم الهوية الرقمية لم يعد ترفاً تقنياً، بل أصبح جزءاً من حماية الخصوصية والأمن الشخصي في العصر الرقمي، داعين المستخدمين إلى إدارة الهوية الرقمية بوعي. فكما يدير الإنسان أمواله ووثائقه المهمة، يجب أن يدير حساباته الرقمية بالطريقة نفسها. وهذا يبدأ بإلغاء الحسابات غير الضرورية، واستخدام كلمات مرور فريدة مع مدير كلمات مرور موثوق، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، ومراجعة صلاحيات التطبيقات والاشتراكات بصورة دورية، وعدم مشاركة البيانات إلا عند وجود حاجة حقيقية.
في الأردن يقدر عدد مستخدمي الإنترنت بأكثر من 11 مليون مستخدم منهم أكثر من 8 ملايين يدخلون إليه من خلال هواتفهم الذكية، كما وتقدر أرقام غير رسمية عدد حسابات التواصل الاجتماعي الأردنية بأكثر من 6.5 مليون حساب، فضلا عن ملايين الحسابات في مختلف التطبيقات والخدمات الرقمية المتوافرة على الشبكة العنكبوتية.
المتخصص في مجال الأعمال الإلكترونية، الأستاذ الدكتو أحمد غندور، قال إنه في الماضي، كان الإنسان يمتلك مفتاحاً واحداً لمنزله، وحساباً مصرفياً واحداً، وعدداً محدوداً من الوثائق الشخصية. أما اليوم، فقد أصبح الشخص الواحد يمتلك عشرات، وربما مئات، الحسابات الرقمية الموزعة بين منصات التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، والتطبيقات، والمتاجر الإلكترونية، والخدمات الحكومية، والخدمات المصرفية، ومنصات التعليم، وخدمات الذكاء الاصطناعي، وتطبيقات الصحة، والترفيه، والسفر، والعمل.
وأضاف غندور : "كل اشتراك جديد يعني مشاركة جزء جديد من هويتك الرقمية. فكل منصة تطلب اسماً، وبريداً إلكترونياً، ورقم هاتف، وتاريخ ميلاد، وموقعاً جغرافياً، وصورة شخصية، وربما معلومات مالية أو بيانات بيومترية. ومع مرور الوقت، تتجمع هذه البيانات لدى عشرات الشركات حول العالم، لتشكل صورة دقيقة عن حياتك، وعاداتك، واهتماماتك، وعلاقاتك، وسلوكك اليومي".
وأكد غندور أن هناك خمس ممارسات أهم من أي نصيحة أخرى: أولها تقليل عدد الحسابات الرقمية. لا تنشئ حساباً جديداً إلا إذا كانت هناك حاجة حقيقية إليه، والثانية، حذف الحسابات غير المستخدمة بالكامل، وليس مجرد إلغاء الاشتراك، مع طلب حذف البيانات الشخصية إن أمكن.
ونصح غندور المستخدمين باستخدام كلمة مرور مختلفة لكل خدمة مع مدير كلمات مرور موثوق، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل للحسابات المهمة، ومراجعة أذونات التطبيقات بشكل دوري، وعدم منح أي تطبيق صلاحيات لا يحتاجها فعلاً، مشيرا إلى أهمية إجراء "جرد رقمي" مرة أو مرتين في السنة لمراجعة جميع الحسابات والاشتراكات والأجهزة المتصلة وحذف ما لم يعد ضرورياً.
وقال غندور: "أعتقد أننا خلال السنوات القادمة سنواجه تحدياً أكبر من مجرد كثرة الاشتراكات، وهو تشتت الهوية الرقمية. فكل منصة تعرف جزءاً عنك، لكن عند دمج هذه الأجزاء باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن بناء نموذج دقيق لشخصيتك وسلوكك واهتماماتك وحتى توقع قراراتك المستقبلية. ولهذا أصبحت حماية الخصوصية لا تعني فقط حماية كلمة المرور، بل تعني أيضاً تقليل كمية البيانات التي نشاركها وعدد الجهات التي نثق بها.. إن أخطر اشتراك رقمي ليس الذي تدفع مقابله المال، بل الذي تدفع مقابله بياناتك الشخصية دون أن تدرك قيمتها الحقيقية".
وقال الخبير في مجال التقنية والاتصالات، وصفي الصفدي، إن الاعتقاد السائد بأن وفرة الحسابات الرقمية تعني تحقيق التحول الرقمي هو وهم يغفل تعقيدات الواقع. ففي ظل الاقتصاد الرقمي، تسعى الشركات لبناء ارتباط دائم بالمستهلك، ولذا تفرض إدخال البيانات الشخصية وإنشاء حسابات كشرط للاستفادة من أبسط خدماتها. هذا السلوك يترتب عليه تجميع بيانات المستخدمين لدى جهات متعددة، مما يضاعف حجم التهديدات السيبرانية والمخاطر الأمنية دون وعي منه.
وأشار الصفدي إلى أنه على عكس الاعتقاد الشائع بأن طفرة الحسابات الإلكترونية تجسد نجاح التحول الرقمي، فإن الواقع يكشف عن آليات أكثر تعقيداً؛ إذ يرتكز الاقتصاد الرقمي الحديث على استبقاء المستخدم وبناء روابط مستدامة معه، مما يجبر المنصات على فرض خطوة التسجيل الإلزامي حتى للوصول إلى الخدمات الأساسية. هذا النمط الاستهلاكي يؤدي تدريجياً إلى تشتيت البيانات الشخصية وتخزينها لدى جهات متعددة، الأمر الذي يساهم في توسيع رقعة التهديدات السيبرانية والمخاطر الأمنية المحيطة بالمستخدم دون إدراكه لذلك.
وأضاف الصفدي: "من الناحية العملية، لا يمكن إنكار الفوائد التي حققتها الحسابات الرقمية. فهي توفر تجربة أكثر سرعة، وتحفظ التفضيلات، وتسهل عمليات الدفع والوصول إلى الخدمات. لكن هذه المزايا تتراجع تدريجياً عندما يفقد المستخدم القدرة على إدارة عشرات الحسابات، أو عندما يبدأ بدفع رسوم اشتراكات لا يستخدمها، أو يمنح تطبيقات متعددة صلاحيات لا يحتاج إليها أصلاً".
ويرى الصفدي أن الخطر الأكبر لا يكمن في عدد التطبيقات الموجودة على الهاتف، وإنما في عدد الجهات التي تمتلك نسخة من بياناتنا. فكل حساب جديد يمثل نقطة دخول محتملة في حال تعرضت الخدمة لاختراق أمني. والأسوأ من ذلك أن كثيراً من المستخدمين يعيدون استخدام كلمة المرور نفسها في أكثر من خدمة، مما يحول اختراقاً واحداً إلى سلسلة من الاختراقات المتتابعة.
وقال الصفدي إنه من زاوية الأمن السيبراني، فإن الحسابات المنسية تمثل أحد أكبر مصادر الخطر بحسب الصفدي الذي أوضح قائلا: إن كثيرا من المستخدمين يحتفظون بحسابات قديمة لم يعودوا يستخدمونها منذ سنوات، لكنها ما تزال تحتوي على بيانات شخصية وربما وسائل دفع فعالة. وفي حال تعرضت تلك الخدمات لاختراق، قد تصبح هذه الحسابات بوابة للوصول إلى معلومات أكثر حساسية.
ومن جانبه، قال الخبير في مجال حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، الدكتور حمزة العكاليك، إن المشكلة في العصر الرقمي لم تعد تتمثل في عدد التطبيقات التي نستخدمها أو قيمة الاشتراكات التي ندفعها شهرياً، بل في ظاهرة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً يمكن تسميتها بـ"التضخم في الهوية الرقمية". فمع كل حساب جديد ننشئه وكل منصة ننضم إليها وكل خدمة نسجل فيها بضغطة زر تتوسع هويتنا الرقمية وتتوزع على عشرات وربما مئات الخوادم وقواعد البيانات حول العالم. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ إذ يفقد الإنسان تدريجياً السيطرة على أكثر أصوله قيمة في الاقتصاد الرقمي: بياناته.
وأضاف العكاليك: "لقد انتقل الاقتصاد الرقمي خلال العقد الأخير من المنافسة على بيع المنتجات إلى المنافسة على امتلاك العلاقة المستمرة مع المستخدم. وأصبح نموذج الاشتراكات والخدمات الرقمي النموذج الاقتصادي السائد، ليس فقط لأنه يضمن تدفقات مالية مستقرة للشركات، وإنما لأنه يوفر تدفقاً مستمراً للبيانات السلوكية التي أصبحت اليوم المورد الأكثر قيمة في الاقتصاد الرقمي. فكل حساب جديد لا يمثل مجرد مستخدم إضافي بل نافذة جديدة لرصد أنماط التفكير والعادات اليومية، والقرارات الشرائية والاهتمامات والتفاعلات الاجتماعية".
ومن منظور الاقتصاد السلوكي، يرى العكاليك أن هذا التضخم في الهوية الرقمية ليس نتيجة قرارات واعية يتخذها المستخدم، بل هو انعكاس لتصميم رقمي يستثمر في نقاط الضعف البشرية. فالتسجيل عبر حساب جوجل أو فيسبوك والإشعارات المستمرة والعروض المجانية وفترة التجربة والخوف من فوات الجديد جميعها أدوات صُممت لتقليل الاحتكاك النفسي أمام إنشاء حساب جديد بحيث يتحول القرار إلى استجابة تلقائية أكثر منه اختياراً مدروساً. ومع مرور الوقت، يجد المستخدم نفسه يمتلك عشرات الحسابات التي لم يكن ينوي أصلاً الاحتفاظ بها. وأضاف: "لكن الأخطر من تضخم عدد الحسابات هو تضخم البيانات السلوكية المرتبطة بها. فالشركات لم تعد تكتفي بجمع الاسم أو البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف، بل أصبحت تبني ما يشبه التوأم الرقمي لكل مستخدم؛ نموذجاً يحاكي شخصيته وسلوكه وتفضيلاته بدقة متزايدة. فهي تعرف متى يستيقظ، ومتى يكون أكثر قابلية للشراء، وما نوع المحتوى الذي يثير اهتمامه أو غضبه، وكم ثانية يقضيها أمام إعلان معين، وكيف يتنقل بين الصفحات، وحتى سرعة تمرير الشاشة أصبحت مؤشراً سلوكياً يدخل في نماذج التحليل والتنبؤ".
وقال: "هنا تتحول البيانات من مجرد معلومات شخصية إلى أداة للتأثير والتوجيه. فكل منصة تمتلك جزءاً من هذه الصورة بينما تمتلك شركات الوساطة بالبيانات القدرة على تجميع هذه الأجزاء وربطها معاً لإنتاج ملف شخصي بالغ الدقة يستخدم في الإعلانات الموجهة وتحليل السلوك وتقييم المخاطر، بل وفي بعض الحالات لاتخاذ قرارات آلية تمس فرص العمل أو الائتمان أو التأمين. وعندما تنتقل هذه البيانات بين عشرات الشركات والدول يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يملك بياناتي؟ بل: هل ما زلت أنا أملك السيطرة عليها أصلاً؟".
وأوضح أن التضخم في الهوية الرقمية يعني ببساطة تضخماً في مساحة الهجوم. فكل حساب إضافي يمثل نقطة دخول محتملة للمهاجمين. وكل خدمة رقمية قديمة أو مهجورة قد تتحول إلى الحلقة الأضعف التي يبدأ منها الاختراق. وتزداد الخطورة عندما يعيد المستخدم استخدام كلمات المرور نفسها عبر منصات متعددة حيث يكفي تسرب بيانات منصة صغيرة حتى يتمكن المهاجم من تنفيذ هجمات حشو بيانات الاعتماد والوصول إلى البريد الإلكتروني أو الحسابات البنكية أو الخدمات الحكومية الرقمية.
وأكد أن الحسابات المهجورة لا تقل خطورة عن الحسابات النشطة، فهي غالباً تبقى مرتبطة ببيانات شخصية وبطاقات دفع أو أذونات وصول لمراجعة المستخدم. وإذا تعرضت الشركة المالكة لها لاختراق أمني بعد سنوات فقد تُباع البيانات في أسواق الإنترنت المظلم دون أن يعلم أصحابها أصلاً بوجود هذا الخطر. وهكذا تتحول الحسابات المنسية إلى قنابل رقمية مؤجلة.
أما على المستوى النفسي، فقد بين العكاليك أن التضخم في الهوية الرقمية يمثل الوجه الآخر لاقتصاد الانتباه. فكل منصة تتنافس على احتلال جزء من وعي المستخدم، وكل إشعار هو محاولة لاستعادته إلى التطبيق. ومع تعدد الحسابات والمنصات يصبح الإنسان محاصراً بعشرات القنوات التي تطالب بانتباهه في الوقت نفسه مما يؤدي إلى تشظي التركيز والإجهاد الذهني وانخفاض القدرة على التفكير العميق واتخاذ القرارات بهدوء. وهنا لا تقتصر الخسارة على الوقت، بل تمتد إلى جودة الحياة والإنتاجية والصحة النفسية.
وأضاف قائلا: "كما يفرض هذا التضخم تحديات قانونية متزايدة تتعلق بحقوق الخصوصية ونقل البيانات عبر الحدود وإدارة الموافقات وحق الحذف وصعوبة إدارة التركات الرقمية بعد الوفاة أو العجز حيث يجد الورثة أنفسهم أمام عشرات الحسابات والاشتراكات والأصول الرقمية التي يصعب حصرها أو الوصول إليها أو إغلاقها وفق الأطر القانونية والتنظيمية".
وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بتثبيت تطبيق أمني جديد، بل بإعادة بناء ثقافة الاستخدام الرقمي. فالحوكمة الشخصية للهوية الرقمية أصبحت ضرورة وليست خياراً، وتشمل إجراء مراجعة دورية للحسابات، وحذف الخدمات غير المستخدمة، واستخدام كلمات مرور فريدة ومديري كلمات المرور، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، والحد من التسجيل العشوائي، ومراجعة الأذونات الممنوحة للتطبيقات والتفكير ملياً قبل إنشاء أي حساب جديد.