أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    11-Jan-2026

التكنولوجيا المالية كقوة داعمة تعيد توزيع النفوذ الدولي*د. حمزه العكاليك

 الغد

لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد أداة لتسهيل الدفع أو تحسين الخدمات المصرفية، بل تحولت إلى رافعة استراتيجية في قلب الحرب الاقتصادية العالمية. فالسيطرة على أنظمة الدفع، العملات الرقمية والبنية التحتية المالية العابرة للحدود، أصبحت اليوم شكلا جديدا من أشكال النفوذ. فمن يمتلك هذه البنية يمتلك القدرة على توجيه التدفقات المالية، وفرض الشروط وإعادة رسم موازين القوة الاقتصادية. ويعكس التحول الحالي، جوهر صراع الوجود بين القوى التقليدية والقوى الصاعدة، حيث يتم استبدال الرصاص بالبيانات، والقنابل بالخوارزميات، في صراع لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب تجارية، بل إلى فرض السيادة الرقمية والمالية الكاملة على الساحة الدولية.   
 
 
يشهد النظام المالي العالمي الحالي، تحولا جذريا نحو ما يُعرف بمفهوم التمويل السحابي (Cloud Finance)، وهو تطور يتجاوز مجرد استخدام التكنولوجيا في الخدمات المصرفية، ليصل إلى مرحلة الاعتماد الكامل للمؤسسات المالية على خدمات الحوسبة السحابية التي تقدمها شركات التكنولوجيا الكبرى. هذا التحول ليس مجرد ترقية تقنية، بل هو إعادة هندسة شاملة لآليات عمل الاقتصاد العالمي. وهذا الواقع يضعنا أمام نموذجين متناقضين لإدارة المال الرقمي: النموذج الغربي، وتحديدا الأميركي، والنموذج الصيني، وهذا الاختلاف البنيوي يمثل العامل الحاسم في صعود قوة مالية جديدة وتراجع أخرى، ففي الولايات المتحدة وأوروبا، يقوم النظام المالي على انقسام حاد بين البنوك التقليدية العريقة في وول ستريت وبين شركات التكنولوجيا العملاقة في وادي السيليكون. فالمصرفيون يرفضون مشاركة بيانات حساباتهم وعملائهم مع شركات التكنولوجيا خوفاً من فقدان السيطرة التاريخية، بينما تسعى شركات التكنولوجيا إلى اقتحام قلب العمل المصرفي لامتلاك ما يُعرف بـ رأس المال السحابي. النتيجة في الغرب هي نظام دفع مجزأ، مرتفع التكلفة، وبطيء نسبياً، حيث تمر المعاملة الرقمية عبر طبقات متعددة من الوسطاء، وكل حلقة تفرض رسوماً وتعقيداً إضافياً. في المقابل، تقدم الصين نموذجاً يقوم على الدمج الكامل والمنظم بين الدولة والبنوك وشركات التكنولوجيا العملاقة، في منظومة واحدة متماسكة، حيث فرضت الدولة تنظيماً يجعل الجميع يعملون يدًا بيد كوحدة واحدة لتحقيق أهداف السيادة الوطنية.      
تظهر المقارنة القراءة التحليلية بين الأنماط المالية الثلاثة الأوروبية، الأميركية والصينية صراعاً وجودياً حول مفهوم السيادة الرقمية وفلسفة إدارة المال في العصر الحديث. فالنموذج الأميركي يبرز كقوة تعتمد على الهيمنة التقنية، لكنها تواجه تحديات بنيوية ناتجة عن التضاد بين مصالح وول ستريت وشركات وادي السيليكون، مما يخلق نظاما مجزأً يعتمد فيه التحكم في البيانات على الشركات الكبرى، ويهدف بالدرجة الأولى للحفاظ على نفوذ الدولار العالمي، رغم بطء التسويات وارتفاع تكاليفها.
أما النموذج الأوروبي، فيعكس حالة التبعية التقنية لمزودين خارجيين، حيث يركز جهده الاستراتيجي على حماية البيانات عبر قوانين صارمة، بينما يسعى جاهداً لاستعادة سيادته المفقودة، من خلال مشروع اليورو الرقمي لمنافسة شركات الدفع الأميركية وتأمين وصول رقمي مستقل. هذا التباين يثبت أن المعركة المقبلة ليست على السيولة النقدية فحسب، بل على من يمتلك البنية التحتية التي تتدفق من خلالها هذه السيولة.
في المقابل، يمثل النموذج الصيني حالة فريدة من التكامل والتحصين، حيث أدى الدمج الكامل بين الدولة والقطاعين المالي والتقني، إلى ظهور تحكم خوارزمي مركزي يهدف لبناء طريق مالي سريع يتجاوز الهيمنة الغربية؛ وهو ما يتجسد في مشروعات مثل mBridge التي حققت كفاءة في التكلفة تزيد بنسبة 98 % عن نظام SWIFT، مع تقليص زمن المعاملات إلى ثوانٍ معدودة.
ويعد اليوان الرقمي الصيني (e-CNY) العنصر الأكثر حساسية في نموذج التمويل السحابي الصيني، حيث يمنح الأفراد والشركات محفظة رقمية مرتبطة مباشرة بالدولة من دون الحاجة إلى بنك وسيط. فبحلول أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، وصلت أحجام تداول اليوان الرقمي إلى 14.2 تريليون رنمينبي (ما يعادل 2 تريليون دولار)، مع نمو هائل في عدد المحافظ الرقمية ليصل إلى 2.25 مليار محفظة. فهذا الواقع يغير جوهر العلاقة مع البنوك، إذ لم يعد وجودها شرطاً لإجراء المعاملات، مما يجبرها على إعادة تعريف دورها في مواجهة منافسة غير مسبوقة من الدولة ذاتها.
إن التحول نحو التكنولوجيا المالية والتمويل السحابي ليس مجرد صراع نفوذ، بل هو محرك أساسي للنمو الاقتصادي في العصر الرقمي. فالبيانات تشير إلى أن سوق التمويل السحابي العالمي، قد بلغ 72.12 مليار دولار في العام 2024، ومن المتوقع أن ينمو ليصل إلى 160.82 مليار دولار بحلول العام 2029، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 17.4 %. هذا النمو مدفوع بحاجة المؤسسات المالية إلى تحسين الكفاءة، أتمتة العمليات والحصول على رؤية فورية للبيانات المالية لتقليل التكاليف.   
والخلاصة، أن من يمتلك البنية التحتية المالية الرقمية، ويتحكم في تدفقات البيانات، ويقود الابتكار في الذكاء الاصطناعي المالي، هو من سيكتب قواعد اللعبة الجديدة. فالتجاهل لهذه التحولات ليس خياراً، فالفجوة التقنية والمالية تتسع بسرعة، ومن يتخلف عن ركب التمويل السحابي والعملات الرقمية السيادية سيجد نفسه خارج المنظومة الاقتصادية العالمية الجديدة، مجرداً من أدوات الدفاع عن ثرواته وسيادته. إن المستقبل المالي يُبنى الآن على خوادم سحابية وبخوارزميات ذكية، ومن يمتلك المفتاح سيمتلك السيطرة المالية على النظام المالي العالمي.