أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    23-May-2026

كيف يمكن للمواثيق الوطنية إنقاذ قطاع المياه من أزمته المزمنة؟

 الغد-إيمان الفارس

 لم يعد الحديث كافيا في قطاع المياه عن مشاريع وبنى تحتية، بل أصبح السؤال المهم، يتعلق بمدى وجود إطار وطني شامل مثل المواثيق المائية، يمكنه تحويل الإنفاق إلى نتائج تعزز الأمن المائي والاستدامة.
 
 
ويقدم نموذج المواثيق الوطنية للمياه تحولا عميقا في فلسفة إدارة القطاع، من التركيز على البنية التحتية إلى التركيز على الأثر، ومن منطق المشاريع إلى منطق النتائج، بما يعزز قدرة الدول، وفي مقدمتها الأردن، على مواجهة تحديات الندرة المائية بطريقة أكثر استدامة وكفاءة ووضوحا في القياس.
وفي ظل هذا التحول في التفكير، يؤكد خبراء في القطاع، في تصريحات لـ”الغد”، أن نموذج المواثيق الوطنية للمياه، يبرز كأحد أكثر المقاربات تطورا في إدارة الموارد المائية، إذ يقوم على إعادة بناء القطاع، وفق منطق النتائج لا المشاريع، بحيث تصبح الأولوية لما يتحقق على الأرض من أثر مباشر بخفض الفاقد، وتحسين التزويد، ورفع كفاءة الاستخدام، وليس فقط حجم الإنفاق، أو عدد المشاريع المنفذة.
ووفق تحليلات الخبراء، يعكس هذا النموذج تحولا عالميا في إدارة القطاع، كما يظهر في مبادرات دولية حديثة تربط بين الإصلاح المؤسسي، والسياسات العامة، والاستثمارات، ضمن إطار واحد تقوده الحكومات.
ويقوم نموذج المواثيق الوطنية على تحديد نتائج إستراتيجية واضحة، تشمل خفض الفاقد، وزيادة إعادة استخدام المياه المعالجة، وضبط استنزاف المياه الجوفية، وتحسين كفاءة الطاقة في عمليات الضخ والتحلية، وتعزيز العدالة بتوزيع المياه بين المناطق. وبهذا يتحول قطاع المياه إلى قطاع قائم على المساءلة والقياس المستمرين.
كما يتيح هذا النموذج إعادة توجيه التمويلين المحلي والدولي نحو نتائج محددة، بدل تمويل مشاريع معزولة، إذ باتت الجهات المانحة تفضل أطرا واضحة الأهداف، ومؤشرات أداء  دقيقة، وآليات واضحة للمتابعة والتقييم. ما يعزز قدرة القطاع على جذب الاستثمارات وتحسين كفاءة الإنفاق.
تحقيق الأمن المائي
الخبير د. دريد محاسنة، بين أن أزمة المياه في المنطقة، تتجاوز حدود المشاريع التقنية أو الحلول الجزئية، لتصل إلى جوهر أكثر حساسية يتعلق بمنظومة الحقوق المائية، والعدالة بإدارة الموارد، واحترام الحق الإنساني في المياه. مؤكدا أن المبادرات الفردية في القطاع، مهما كانت متقدمة، لا يمكنها تحقيق الأمن المائي ما لم تكن جزءا من منظومة أوسع، تقوم على احترام حقوق المياه والموارد والإنسان، لافتا إلى أن المياه في جوهرها ليست مجرد سلعة أو خدمة، بل حق أساسي يرتبط بالحياة والاستقرار والكرامة الإنسانية.
ويشير محاسنة إلى أن التجارب الإقليمية تكشف أن غياب هذا الإطار الحقوقي، يؤدي لأزمات ممتدة؛ ففي بعض الحالات، جرى التعامل مع المياه كأداة ضغط سياسي، ما ينعكس على حياة الناس مباشرة، حين تقيد  أو تقطع الموارد المائية دون مراعاة لحاجات السكان الأساسية.
ويمتد التحليل ليضع أزمة المياه في سياقها الإقليمي الأوسع، بحيث تتحول الأنهار المشتركة إلى ساحات خلاف بين الدول، وفق محاسنة الذي يبين أن التفاوت في إدارة الموارد المائية، يظهر بوضوح في أحواض كبرى مثل النيل بين مصر والسودان، ونهر اليرموك في المنطقة، بالإضافة لدجلة والفرات بين تركيا والعراق وسورية. وهذه الأحواض، ليست مجرد مجار مائية، بل أنظمة حضارية تعكس طبيعة العلاقات بين الدول ومستوى التعاون أو التوتر بينها.
في المقابل، يلفت محاسنة إلى النموذج الأوروبي كنقطة مقارنة مهمة، بحيث تمر الأنهار بين عدة دول ضمن أطر تعاون واضحة، تقوم على احترام الحقوق وتقاسم الموارد في نطاق مواثيق مستقرة، ما يقلل من احتمالات النزاع ويعزز الاستدامة. ومن هنا، فإن جوهر الحل لا يكمن فقط بإنشاء مشاريع مائية أو بنى تحتية جديدة، بل ببناء مواثيق مائية ملزمة، تقوم على التطبيق السياسي والعملي والاحترام المتبادل بين الدول.
فهذه المواثيق، بحسب تحليله، لا قيمة لها ما لم تتحول لالتزام فعلي، يضمن استقرار تقاسم المياه ويمنع تحويلها لأداة صراع.
وفي سياق أكثر حساسية، يتطرق للعلاقة المائية مع الكيان الصهيوني، يسير إلى أن التجربة التاريخية تعكس اختلالا واضحا في ميزان الحقوق المائية منذ بدايات إعادة توزيع مياه نهر الأردن في ستينات القرن الماضي، بحيث حولت كميات مياه كبيرة دون تعويض عادل أو التزام متوازن بالحقوق.
ويضيف محاسنة أن الواقع الحالي يعكس استمرار هذا الاختلال، إذ يشهد الفلسطينيون حاليا  اعتمادا على شراء المياه، في ظل غياب حقوق مائية عادلة في الضفة الغربية، ما يعمق الإشكالية المرتبطة بعدم احترام الحقوق الأساسية للمياه في المنطقة.
 أما بشأن الأردن، فالعلاقة المائية مع الكيان، لا يمكن وصفها بالاستقرار، بل هي علاقة قائمة على الضرورة والاضطرار، أكثر من كونها علاقة تعاون متوازن، ما يعكس هشاشة الإطار الإقليمي الحالي للمياه.
كما يطرح رؤية تعتبر بأن الانتقال نحو نموذج “المواثيق الوطنية للمياه” القائم على النتائج لا المشاريع فقط، لا يمكن أن ينجح ما لم يتأسس على قاعدة صلبة من احترام الحقوق المائية والالتزام السياسي الفعلي، فبدون هذا الأساس، تبقى أي حلول تقنية أو مشاريع بنية تحتية، محدودة التأثير أمام واقع إقليمي معقد، تتداخل فيه المياه مع السياسة والحقوق والاستقرار.
منطق المواثيق الوطنية 
الأستاذة في كلية هندسة وإدارة الموارد الطبيعية في الجامعة الألمانية الأردنية د. منى هندية، تطرح رؤية تقوم على إعادة تعريف طريقة التعامل مع القطاع في الأردن، عبر الانتقال من منطق المشاريع المنفصلة إلى منطق المواثيق الوطنية القائمة على النتائج القابلة للقياس والمساءلة.
وتقول هندية، إن الفكرة الجوهرية في مبادرة Water Forward التابعة للبنك الدولي، تقوم على بناء “مواثيق مائية” تقودها الحكومات، وتدمج بين الإصلاحات السياسية، وتقوية المؤسسات، وتخطيط الاستثمارات ضمن إطار واحد متكامل، بدلا من التعامل مع القطاع على أنه مشاريع متفرقة، مبينة أن أهمية هذا النموذج للأردن، تنبع من طبيعة التحدي المائي نفسه، إذ لا تتمثل المشكلة بنقص المشاريع فقط، بل بضعف الربط بين الاستثمار في البنية التحتية والنتائج الفعلية على أرض الواقع.
وتشير إلى أن الأردن، يمتلك استراتيجية مائية تمتد حتى العام 2040، تستهدف خفض فاقد المياه لـ25 %، في حين أن الفاقد الفعلي ما يزال يقترب من 50 %، ما يعكس فجوة واضحة بين التخطيط والتنفيذ. داعية هنا، لإعادة صياغة أولويات الإنفاق المائي، بحيث لا يكون الهدف مجرد استبدال شبكات أو تنفيذ مشاريع، بل تحقيق نتائج ملموسة يمكن قياسها بدقة، مثل حجم المياه التي تم توفيرها فعليا، وانخفاض الفاقد في كل محافظة، وتحسن ساعات التزويد للمواطن؛ وبهذا يتحول القطاع من إدارة أزمات متكررة إلى مسار إصلاحي خاضع للقياس والمساءلة.
وتقترح هندية أن يقوم الميثاق الوطني للمياه على 5 نتائج رئيسة، تشمل: خفض الفاقد، وزيادة إعادة استخدام المياه المعالجة، وضبط استنزاف المياه الجوفية، وتحسين كفاءة الطاقة في عمليات الضخ والتحلية، وتعزيز عدالة التوزيع بين المحافظات، وربط هذه النتائج بمؤشرات أداء واضحة مثل حجم المياه الموفر سنويا، وكفاءة استهلاك الطاقة لكل م3، ونسبة المياه المعالجة المستخدمة بالزراعة، ومستوى الانتقال من التزويد المتقطع إلى التزويد المنتظم.
وتربط هندية هذا النموذج بمشروع الناقل الوطني وتحلية مياه العقبة، معتبرة بأنه رغم أهميته الإستراتيجية ودعمه الدولي واستهدافه نقل نحو 300 مليون م3 سنويا، لكن لا يمكنه أن يشكل حلا منفردا إذا استمرت مشكلات الفاقد والاستهلاك غير الكفؤ والضخ الجائر للمياه الجوفية. لذلك، تؤكد ضرورة أن يكون كل متر مكعب جديد من المياه المحلاة، مرتبطا مباشرة ببرامج خفض الفاقد، وإعادة الاستخدام، وحماية المصادر الجوفية.
وتضيف، أن أحد أهم أبعاد هذا النموذج، يتمثل بقدرته على تحسين جذب التمويل الدولي والخاص، إذ لم تعد المؤسسات المانحة والمستثمرون يكتفون بتمويل مشاريع بنية تحتية تقليدية، بل يبحثون عن أطر واضحة تحدد الإصلاحات المطلوبة، وتوزيع المسؤوليات، وإدارة المخاطر، وآليات التدفق المالي.
كما ترى أن تطبيق الميثاق، يتيح فرصة لإعادة تنظيم الحوكمة في القطاع، بإنشاء نظام متابعة وطني موحد، وربط مؤسسات مثل وزارة المياه والري وسلطة المياه وشركات التوزيع وقطاع الزراعة والطاقة والبلديات بمؤشرات أداء محددة، بحيث لا تقاس وزارة الزراعة مثلا، بحجم الإنتاج، بل بقيمة الإنتاج لكل متر مياه مكعب، ولا تقاس شركات المياه بعدد المشاريع المنفذة، بل بنسبة خفض الفاقد، وتحسين التحصيل، وتقليل الشكاوى، وضمان العدالة في التوزيع.
وفي المقابل، تؤكد أن نجاح هذا التحول يتطلب شروطا صارمة، أهمها ألا يتحول الميثاق إلى وثيقة شكلية موجهة للمانحين، بل إلى نظام حوكمة فعلي قائم على أرقام سنوية، وخط أساس واضح، وجهة مسؤولة عن التنفيذ، وتمويل محدد، وآلية تحقق مستقلة. مشددة على ضرورة حماية الفئات محدودة الدخل من أي آثار اجتماعية محتملة، عبر تعرفة اجتماعية عادلة أو دعم مباشر، لضمان ألا يتحول إصلاح القطاع إلى عبء على المواطنين.
شراكة فاعلة مع القطاع الخاص
الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري إياد الدحيات، أكد أن هذا النموذج يتعامل مع مكونات الأمن المائي بترابط، يبدأ من إصلاح السياسات المائية، ولا ينتهي عند توفير التمويل للمشاريع الإستراتيجية، مرورا بضمان الاستدامة المالية لمرافق المياه، وبناء شراكات فاعلة مع القطاع الخاص. ويشير إلى أن الهدف الأساسي، يتمثل برفع كفاءة خدمات المياه وكمياتها، وتعزيز موثوقية أنظمة التزويد، بحيث تعمل دون انقطاع، بما يعزز المرونة التشغيلية ويخلق بيئة داعمة لفرص العمل والنمو الاقتصادي.
وبهذا الخصوص، يوضح الدحيات، بأن المواثيق لا تقتصر على تحسين التشغيل فقط، بل تمتد لدعم الإصلاحات المؤسسية، ورفع الأداء المالي لمؤسسات القطاع، وإعداد مشاريع جاهزة للتمويل والاستثمار، لجعلها أداة عملية لربط التخطيط بالنتائج الفعلية على الأرض.
ويبين أن القطاع، أحد أهم الممكنات في رؤية التحديث الاقتصادي، عبر حزمة مبادرات مترابطة تشمل تحديث السياسات المائية، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وخفض الفاقد، وإعادة هيكلة القطاع، وتنفيذ مشاريع تحلية إستراتيجية، وتعزيز الاستدامة المالية، ورفع القدرة على التكيف مع التغير المناخي.
ويرى أن هذا التكامل بين المبادرات، يعكس وجود توجه وطني نحو برنامج إصلاحي شامل، يعمل كوحدة واحدة، ويستهدف تحقيق مؤشرات الأمن المائي الأساسية، مثل زيادة حصة الفرد من المياه، تقليل الفاقد، تحسين جودة المياه، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة المقيدة.
وفي البعد الإستراتيجي، يربط الدحيات هذا النموذج بمفهوم الأمن الوطني، فالعمل ضمن إطار الميثاق المائي يعزز من مكانة القطاع كأحد القطاعات المحورية بدعم النمو الاقتصادي، ورفع نسب التشغيل، وزيادة الاستثمار، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي. ويضيف أن تبني هذا النهج يسهم بتحسين فرص الحصول على تمويل خارجي لمشاريع وأولويات القطاع بشروط أكثر ملاءمة، بما يتيح تنفيذ مشاريع تزويد مائي إضافية في السنوات المقبلة، ويقلل العجز المالي والدين العام في القطاع.