الشرق الاوسط
عاد خام برنت إلى التداول قرب مستوى 70 دولاراً للبرميل، وهو النطاق السعري الذي كان سائداً قبل اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة في المنطقة. ويعكس هذا التراجع اقتناع الأسواق بأن المخاطر المباشرة على الإمدادات النفطية قد انحسرت مؤقتاً، بعد رفع العقوبات الأميركية عن الصادرات الإيرانية وعودة حركة الناقلات تدريجياً عبر مضيق هرمز.
وساعدت عوامل عدّة في تهدئة الأسواق، أبرزها تنامي حركة الملاحة في المضيق، وتعهد طهران بعدم فرض رسوم على السفن العابرة، إضافة إلى بدء تصدير كميات من النفط الإيراني كانت مخزنة في خزانات جزيرة خرج خلال فترة العقوبات. وقد عدَّت الأسواق هذه الكميات بمثابة إمدادات إضافية دخلت السوق سريعاً بعد التوصل إلى التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران.
وفي السياق نفسه، أعلنت سلطنة عمان عدم فرض أي رسوم على حركة الملاحة في المضيق، كما كشفت عن تخصيص ممرين بحريين مؤقتين إضافيين شمالاً وجنوباً إلى جانب الممرات الحالية؛ بهدف تعزيز سلامة الملاحة وضمان انسياب حركة السفن خلال المرحلة الأولى من استعادة النشاط الطبيعي في هذا الممر البحري الحيوي.
غير أن عودة أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب لا تعني أن حالة عدم اليقين قد انتهت. فمع بدء تنفيذ الاتفاق الأميركي - الإيراني، برزت تساؤلات عدّة حول تفاصيله وآليات تطبيقه، ولا سيما ما يتعلق بالأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
فحسب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لن تُسلَّم هذه الأموال إلى إيران بصورة مباشرة، بل ستبقى خاضعة لرقابة أميركية، على أن تُستخدم في تمويل مشتريات من المنتجات الزراعية الأميركية، مثل الذرة، والقمح وفول الصويا. إلا أن هذا التفسير لا يبدو كافياً لإنهاء الجدل حول طبيعة الاتفاق وحدود الالتزامات المتبادلة بين الجانبين.
ومنذ الأسبوع الأول لدخول الاتفاق حيز التنفيذ، بدأت تظهر تباينات في تفسير بعض بنوده. فقد شددت إيران على حقها السيادي في إدارة الملاحة البحرية في مضيق هرمز؛ وهو ما يثير تساؤلات بشأن إمكان فرض رسوم أو إجراءات تنظيمية مستقبلاً على السفن العابرة. كما يحيط الغموض بآليات تسعير الواردات الزراعية الأميركية في ظل التغييرات التي طرأت على الرسوم الجمركية الأميركية تجاه عدد من الدول.
أما القضية الأكثر حساسية، وهي برنامج إيران النووي، فقد أُرجئت إلى مرحلة لاحقة ضمن مذكرة تفاهم منفصلة ستخضع لمفاوضات إضافية خلال الأشهر المقبلة. وقد بدأت بالفعل مؤشرات الخلاف تظهر بوضوح. فبينما أعلن الرئيس ترمب أن مفتشين أميركيين سيشاركون مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في زيارة المواقع النووية الإيرانية، مؤكداً أن طهران وافقت على الاتفاق خطياً، تصرّ إيران على أن ترتيبات التفتيش ما زالت جزءاً من المفاوضات النهائية ولم يتم التوصل إلى صيغة نهائية بشأنها.
وتراقب أسواق الطاقة هذه التباينات بحذر؛ لأن التجارب السابقة أثبتت أن الخلافات السياسية غير المحسومة قد تتحول سريعاً عوامل ضغط على الإمدادات والأسعار.
وفي موازاة ذلك، لا تزال التطورات الجيوسياسية في المنطقة تشكّل مصدر قلق إضافياً للأسواق. فقد أدى اتساع نطاق الحرب الإسرائيلية - اللبنانية إلى إعادة تشكيل مشهد الصراع الإقليمي، ولا سيما مع استمرار التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، وإعلان «الحرس الثوري» الإيراني الرد على أي هجمات إسرائيلية واسعة ضد لبنان. كما تتابع الأسواق باهتمام التطورات السياسية داخل إسرائيل، في ظل تصاعد الخلافات مع الولايات المتحدة وتزايد التكهنات بشأن مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو بعد حل الكنيست وتراجع حظوظه الانتخابية في عدد من استطلاعات الرأي.
وعلى الرغم من هذه الملفات المفتوحة، تراجعت أسعار النفط بأكثر من 3 في المائة في نهاية الأسبوع الماضي، متجهة نحو خسارة أسبوعية كبيرة، في إشارة إلى أن الأسواق باتت تعطي وزناً أكبر لعودة الإمدادات النفطية من الخليج مقارنة بالمخاطر السياسية الراهنة.
في المقابل، يبرز الملف اللبناني بصفته أحد العوامل التي قد تعيد رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية، على رغم انتهاء المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية - الأميركية التي عُقدت في واشنطن الأسبوع الماضي بإصدار اتفاق - إطار أعلنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
وبناءً على مجمل هذه المعطيات؛ يبدو أن الأسواق دخلت مرحلة ترقب وانتظار. فهي من جهة تستفيد من عودة الإمدادات النفطية وتراجع المخاوف الفورية بشأن مضيق هرمز، لكنها من جهة أخرى تدرك أن عدداً من الملفات الأساسية لا يزال مفتوحاً، سواء في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو بمستقبل التوترات الإقليمية.
ولهذا؛ من المرجح أن تتحرك أسعار النفط خلال الأسبوعين المقبلين ضمن نطاق يتراوح بين 70 و85 دولاراً للبرميل، بانتظار اتضاح مسار التفاهمات السياسية وتحولها إلى ترتيبات أكثر استقراراً وقابلية للاستمرار، بعيداً من التهديدات العسكرية المتبادلة التي ما زالت تلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية.