أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    26-Mar-2026

مفارقة ترامب الاقتصادية*حسام عايش

 الدستور

المفارقة الاقتصادية، حالة يظهر فيها تناقض بين ما يعلن كهدف وما تنتجه الافعال كنتيجة، حيث تقود الوسائل المستخدمة الى نتائج معاكسة للاهداف المعلنة.
 
وفي حالة الرئيس ترمب، تتجسد المفارقة الاقتصادية، مع دعوته الى خفض اسعار الفائدة، وما تؤدي اليه سياساته الاقتصادية والمالية والضريبية والاستثمارية والعسكرية والجيو سياسية، من رفع لمعدلات التضخم وتشديد نقدي.
 
ملامح هذه المفارقة يظهرها وصول الدين الامريكي عند اكثر من 39 تريليون دولار في اذار 2026، بعد وصوله الى هذا المستوى خلال اقل من 5 اشهر فقط من تسجيل 38 تريليون دولار، و37 تريليون دولار قبل ذلك بشهرين، ما يمثل اختلالا هيكليا بزيادة تجاوزت 2.8 تريليون دولار خلال 14 شهرا من رئاسة ترامب خصوصا مع توقع بلوغ عجز الموازنة حوالي 1.86 تريليون دولار- 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
 
فارتفاع الدين والعجز، مسار مباشر نحو التضخم، لانهما يعنيان ضخ طلب اضافي في الاقتصاد يفوق قدرة العرض، فيما يرفع تمويل العجز باصدار السندات العوائد طويلة الاجل، فيزيد كلفة التمويل ويرفع الاسعار، حيث المفارقة الاقتصادية تعمل باوضح ما يكون: سياسات توسعية تغذي التضخم فارضة بيئة نقدية مشددة بدل تيسيرها.
 
المفارقة نفسها تظهرها الرسوم الجمركية، التي زادت الايرادات منها –رسوما وضرائب- بنحو 287 مليار دولار سنويا، لكنها نقلت اكثر من 70% الى 80% من كلفتها الى المستهلكين والشركات، لتنعكس في الاسعار المحلية، مبقية التضخم الاساسي اعلى من هدف 2%، ما جعل اي خفض للفائدة محفوفا بمخاطر اعادة رفع التضخم بدل احتوائه.
 
كذلك، سياسات الهجرة ،التي ادت الى تقليص العمالة منخفضة التكلفة، ما رفع الاجور بنسب تراوحت بين 5% و8 %، في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات، ما رفع مباشرة اسعار الغذاء والإسكان، واوجد مصدرا تضخميا حد من خفض الفائدة.
 
فوق ذلك، تبرز حرب ايران كعامل مضاعف للمفارقة، اذ مع التعهد بعدم خوض حروب جديدة، تظهر ان النتائج الاقتصادية للحرب تسير في اتجاه يعيد انتاج صدمات الطاقة والتضخم ورفع الفائدة ايضا.
 
فمرور ما يقارب 20% من إمدادات النفط والغاز، ونحو 30% من تجارة الاسمدة العالمية عبر مضيق هرمز، يجعل اي تهديد عسكري مباشر سببا فوريا لارتفاع الاسعار، فما بالك وقد ارتفعت بالفعل بين 30% الى 50% الى 70% واكثر من ذلك بفعل العمليات العسكرية، واغلاق المضيق.
 
وهي ارتفاعات تنتقل إلى سلاسل امداد السلع والمنتجات والخدمات، وتنعكس تضخما في اسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية، اذ مع كل ارتفاع 10% في سعر النفط يضاف 0.2 إلى 0.4 % نقطة مئوية الى التضخم
 
يفاقم من هذا التضخم، طلب تمويل عسكري اضافي بقيمة 200 مليار دولار سيؤدي الى ضخ طلب اضافي في اقتصاد يعمل بالقرب من طاقته القصوى، مقترنا بخفض الضرائب على الشركات والشرائح الاعلى دخلا، ليكون الاثر الصافي زيادة في السيولة دون توسع مواز في العرض، اي دعما لتضخم اعلى واسعار فائدة أعلى.
 
مفارقة الرئيس ترامب الاقتصادية، لا تؤثر في الاقتصاد الاميركي فقط، فارتفاع الدولار، مدفوعا بالحرب على ايران وبفروق العوائد، يشدد الاوضاع المالية في الاسواق الناشئة والنامية، ويرفع كلفة خدمة الديون المقومة به، ويؤدي ارتفاعه 10% مثلا الى تراجع احجام التجارة بنحو 6% إلى 8 %، كما أن ارتفاع اسعار النفط والسلع الاساسية يفاقم عجز الميزان التجاري في الدول المستوردة، ويوجد ضغوطا مزدوجة من التضخم المرتفع والنمو الضعيف ما يعكس حجم الاثر غير المباشر لهذه االمفارقة.
 
مفارقة الرئيس ترمب الاقتصادية، ليست مجرد تناقض بين خطاب يدعو إلى خفض الفائدة، واجراءات تمنع ذلك، بل تظهر ان همها تخفيف الاعراض لا معالجة الاسباب. وفي هذه الحالة، لا يكون السؤال ما اذا كان خفض الفائدة ممكنا، بل ما اذا كانت الفائدة الحالية قابلة للاستمرار دون كلفة اكبر في المستقبل، وهي كلفة لا تقتصر على الاقتصاد الاميركي بل تمتد الى الاقتصاد العالمي بأسره.