أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    03-May-2026

في التحديث.. لا رقمنة دون اجتثاث*رامي خريسات

 الغد

أطلقت الحكومة الأردنية البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام (2026–2029) بدعم مؤسسي رفيع ومتابعة ملكية مباشرة، ضمن انتقال من التأسيس إلى التنفيذ، يستهدف رقمنة الخدمات وتبسيطها جذرياً.
 
 
إن الخطوات التمهيدية لتحديث إداري ناجح تبدأ بتشكيل ما يمكن تسميته فرق "التطهير البيروقراطي"؛ التي مهمتها البحث عن القوانين والأنظمة والتعليمات التي عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة للعصر الرقمي، لتعمل على إلغائها فوراً قبل البدء بأي خطوة نحو الرقمنة.
الحوكمة الرشيدة تنطلق نحو هندسة الإجراءات وإلغاء غير الضروري منها قبل رقمنتها، وتطبيق مبدأ "المرة الواحدة" لتقديم البيانات ينهي دور المواطن كمراسل بين الدوائر، وهو ما لا يزال لدينا غير مكتمل. وأي خدمة تبدأ رقمياً وتنتهي ورقياً تمثل فشلاً تصميمياً، والحل يكمن في تكامل الأنظمة لا ترقيعها لاجتثاث البيروقراطية من جذورها.
إن معيار النجاح ليس بعدد الخدمات المرقمنة، بل بعدد الإجراءات التي حُذفت والزيارات التي أُلغيت والوقت الذي اختُصر. فالجودة تكمن في مؤشرات أداء حازمة: تقيس زمن الإنجاز، وانخفاض نسب عدم إتمام الخدمة، ورضا المستخدم المعتمد على استطلاعات كافية للرأي، مع نشر هذه النتائج علناً وربطها بالحوافز.وتكتمل رحلة المتعامل المريحة بإلغاء أي توقيع غير مبرر، والانتقال إلى تكامل حكومي فعلي ينهي الجزر المنعزلة. فالمستقبل يتجه نحو نقل الخدمات إلى المتعامل إلكترونياً لا العكس. أما إدخال التكنولوجيا في بيئة بيروقراطية جامدة فلا ينتج إلا أتمتة للروتين، وهو ما يجب تجنبه.
فعلى سبيل المثال في الدول المتقدمة، عند ولادة مولود جديد تُنجز شهادة الميلاد، وجواز السفر، والتأمين الصحي، وبطاقة الهوية بشكل استباقي وبضغطة واحدة، دون طلب من الأب، لأن النظام يتعرف على الواقعة مباشرة من المستشفى.
وحتى لا تتحول الرقمنة إلى مسكنات، يجب أن تكون الخدمات ودودة وواضحة ومراعية للفئات كافة، مع مسارات دعم لكبار السن. والتكامل الرقمي يتطلب اعتماد مبدأ "الموافقة الضمنية"، بحيث تُعتبر المعاملة مقبولة عند تجاوز المدة المحددة دون رد، أو تُحال حالة التأخير تلقائياً لجهة رقابية، بما يخلق ضغطاً إيجابياً على الجهة المنفذة ويعزز الانضباط المؤسسي.
أما الوجه الآخر للتحديث فهو كسر هيمنة ثقافة "الأمان الوظيفي" التي تتقدم على تميز الأداء، بما يضعف المساءلة ويغذي مقاومة التغيير. والأجدى تحويل القلق على الموقع الوظيفي إلى حافز للإنتاجية والإنجاز، على غرار القطاع الخاص الذي يكدح فيه الموظف ليثبت جدارته.
والمعالجة لا تكون صدامية، بل عبر تقييم أداء حقيقي، وتحويل الوظائف العليا والمتوسطة إلى عقود مبنية على النتائج (Performance-based Contracts)، مع حوافز ملموسة وبرامج إعادة تأهيل، ومسارات خروج منظمة وعادلة لمن لا يمتلك القدرة على التكيف.
التحديث الناجح يبدأ بالخدمات عالية الأثر؛ كشؤون الشركات، والتراخيص، والجمارك، والضرائب، والأراضي، والطاقة والنقل. ومعها لا بد من إغلاق الثغرات التي ينفذ منها ضعاف النفوس نحو "الرشاوي الصغيرة"، وهي آفة لا تُجتث إلا بالشفافية الرقمية المطلقة وتقليص التدخل البشري.
اقتصادياً، ووفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد، تشير إلى أن تكلفة الفساد والهدر في الوقت والجهد، وضعف الكفاءة القيادية في الدول النامية، تتراوح ما بين 2 % إلى 3 % من الناتج المحلي الإجمالي.